المجلس النيابي يقرّ حق شهداء المرفأ بالتّعويض ويظلم معوّقيه


2020-11-27    |   

المجلس النيابي يقرّ حق شهداء المرفأ بالتّعويض ويظلم معوّقيه

بعناد وإصرار المحقّ تمكّن ذوو ضحايا تفجير مرفأ بيروت اليوم الجمعة 27 تشرين الثاني 2020 من فرض إقرار قانون مساواة شهداء تفجير المرفأ بشهداء الجيش اللبناني خلال جلسة مجلس النواب التي انعقدت في قصر الأونيسكو. لكن القانون لم يتعامل مع الأشخاص المعوّقين نتيجة الانفجار بالرّوحية الحقوقية عينها لناحية التعويضات والتقديمات التي خص بها الشهداء، إذ نص على تمكين هؤلاء (الأشخاص المعوقين)  من الاستفادة من التقديمات الصحّية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الواردة في القانون 220/2000 الخاص بالأشخاص المعوّقين فقط. 

وبذلك يكون ذوو الشهداء قد طووا صفحة مطلبهم الأوّل المحق، وتفرّغوا للمطلب الثاني الذي يفوقه أهمية وهو إحقاق العدالة والاقتصاص من المذنبين المتسبّبين بالتفجير سواء مباشرة أو عبر الإهمال، كما أكدوا في اعتصام نفذوه أمس الخميس بالقرب من مجلس النواب. صمد الأهالي في ساحة النجمة أمس لمدّة 4 ساعات تحت المطر، ولم يغادروا إلّا بعدما حملوا بين أياديهم اقتراح القانون موقّعاً من النائب في كتلة التحرير والتنمية الوزير السابق علي حسن خليل، وتأكدوا من تحويله إلى المجلس النيابي. 

وإذا كان القانون المقرّ حديثاً في مجلس النواب يرضي ذوي الشهداء، إلّا أنّ رئيسة الاتحاد اللبناني للمعوقين حركياً سيلفانا اللقيس تعتبره “جريمة بحق الأشخاص المعوّقين نتيجة التفجير”. وتصف اللقيس تعاطي القانون مع الأشخاص المعوّقين بأنّه “كتير وقح، فهؤلاء الأشخاص أصيبوا بإعاقات نتيجة إهمال الدولة وأجهزتها ومؤسّساتها والفساد المستشري فيها، كما دمّرت منازلهم وخسروا أشغالهم، وهم على الأرجح لن يجدوا أشغالاً مرّة أخرى، وهذا يُلزم الدولة أن تؤمّن لهم تغطية صحية لائقة مدى حياتهم ورواتب دائمة تضمن لهم عيشاً لائقاً، كما الحق في السّكن وكلّ المستلزمات المعيشية الأخرى”.

من جهته، يرى المدير التنفيذي لـ”المفكرة القانونية” المحامي نزار صاغية أنّ القانون “يغطّي التقديمات الصحية للأشخاص المعوقين نتيجة التفجير عبر الضمان الاجتماعي ويحيل مستوجبات الدولة تجاه هؤلاء إلى الحقوق المنصوص عليها في القانون 220/2000 الخاص بالأشخاص المعوّقين، وبالتالي هو من لزوم ما لا يلزم كون القانون 220 يقدّم التقديمات نفسها، والقانون لا يعطي أي تقديمات إضافية عليه، علماً أنّ القانون 220 نفسه لا يزال في جزء كبير غير مطبّق”. ويستغرب صاغية “لماذا حصل التمييز بين الضحايا الذين فقدوا أرواحهم، وبين الجرحى الذين أصيبوا بإعاقات مؤقتة والأشخاص الذين أصيبوا بإعاقة دائمة”، معتبراً أنّهم يجب أن يتمتعوا بالتقديمات والتعويضات عينها.  

وترى اللقيس في تصريح لـ”المفكرة” بأنّ اعتبار أنّ الخدمات للأشخاص المعوّقين موجودة في القانون 220/2000 “غير صحيح لأنّه قانون منتهك ولا يُطبّق ولا يتضمّن راتباً تقاعدياً ولا الحقوق التي تليق بحجم الأضرار التي حصلت لهؤلاء الأشخاص جرّاء الانفجار”. وتؤكد أنّه “حتّى في الجزء المتعلّق بالطبابة والاستشفاء ولغاية اليوم، وبعد 20 سنة على إقرار القانون 220، لا يعترف الضمان الاجتماعي بالتسعيرة التي تناسب الحاجات المتعلّقة بالمُعينات والأجهزة التعويضية التي يحتاجها الأشخاص المعوّقون، ولا تتفق الجهات الضامنة على تحديث أسعارها أو حتى توحيدها تلقائياً، وبالتالي هي مجمّدة وواقفة”. وتُذكّر اللقيس بلجوء الاتحاد إلى مجلس شورى الدولة لإرغام الدّولة تطبيق كوتا العمل وتعويض البطالة “ومع ذلك لم يلتزموا”.

وتعود اللقيس وتطالب الدولة اللبنانية، باسم الاتحاد وجميع الأشخاص المعوّقين، بتعديل القانون بما ينصف الأشخاص المعوقين أولاً، وبالتصديق على الاتفاقية الدولية للأشخاص المعوّقين التي وقع لبنان عليها قبل 14 سنة ولم يصدّقها لغاية اليوم برغم تعهّداه المتكررة أمام المجلس العالمي لحقوق الإنسان حيث تجري المراجعة الدولية الدورية كل أربع سنوات.  

قانون بمادة وحيدة

وجاء في المادّة الوحيدة التي ينص عليها القانون المُقرّ اعتبار: “الأشخاص المدنيّين الذين استشهدوا في انفجار مرفأ بيروت هم شهداء في الجيش اللبناني، يستفيد أصحاب الحقوق من تعويضات ومعاشات تقاعد جندي استشهد أثناء تأدية الواجب، كذلك يعتبر الأشخاص الذين أصيبوا بإعاقةٍ كاملةٍ أو جزئيةٍ من جرّاء الانفجار المذكورون، مشمولين مدى الحياة بالتقديمات الصحية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، كما من المعونات والحقوق والإعفاءات التي يستفيد منها أصحاب الاحتياجات الإضافية التي أقرّت بموجب القانون رقم 220 المتعلّق بحقوق الأشخاص ذوي الاحتياجات الإضافية”.  

اعتصام الأمس إنجاز اليوم

وكان الأهالي، استفادوا من دعوة رئيس المجلس نبيه بري اللجان النيابية المشتركة إلى عقد جلسةٍ صباح اليوم لاستكمال البحث في اقتراحات قوانين الانتخاب، فاعتصموا أمس الخميس أمام مدخل البرلمان مقابل مبنى بلدية بيروت مهدّدين باقتحام المجلس في حال عدم تنفيذ مطالبهم، وأوّلها توقيع أحد النواب على المرسوم لضمان إحالته إلى المجلس النيابي للتصويت عليه.

الرضوخ للمطالب وإلاّ اقتحام المجلس

وبالعودة إلى اعتصام الأهالي بالقرب من المجلس النيابي أمس، شدّد إبراهيم حطيط، شقيق الضحية ثروت حطيط، في بيان تصعيدي ألقاه باسم العائلات، أنّ التحرك يهدف إلى إحراز تقدمٍ باتجاه تحقيق مطلب مساواة ضحايا التفجير بشهداء الجيش: “المطلوب تأمين الإستقرار الإجتماعي لعائلات الشهداء في ظل خسارة المعيل والكفيل، فبعد توقيع الرؤوساء الثلاثة لهذا المرسوم تحت ضغطنا وإلحاحنا، لأننا أخذنا وعداً مرتين من الرئيس بري بتمريره إن لم تتشكل الحكومة، نطالب بالتصديق عليه اليوم”.

من جهةٍ ثانية هدّد الأهالي في بيانهم السلطة القضائية التي اعتبروا معركتهم معها قضيّتهم الأساسية، “نحن نعدّ العدّة لمعركتنا الحقيقية القادمة مع القضاء الفاسد والمسيّس، فاسحين المجال أمام ما تبقّى من قضاة نزيهين بأن ينصفونا، وإلّا سيكون لنا مواقف قد تتخطى حدود الوطن”.

بعدها منح الأهالي المجلس النيابي مهلة نصف ساعة للتجاوب مع مطالبهم وإلاّ فسيقتحمون مبنى البرلمان، “نعلن انتهاء لغة الدبلوماسية أمام حرارة دماء شهدائنا، وإن أردتم قتلنا مرة ثانية هذا المجلس سندخله اليوم إما على جثثنا أو لنضيء الشموع على أرواح شهدائنا”. وعليه، بدأ العد العكسي عند الساعة العاشرة والربع صباحاً.

أهالي الشهداء يداً واحدة في وجه الظلم والفساد

تحرك الأربعاء بدا مغايراً للتحرّكات السابقة، أمّهات وأخوات، زوجات وقريبات وأقارب، آباء وأبناء حضروا بكثافةٍ، منهم من نفض عنه اعتكاف الحزن وقرر المشاركة للمرة الأولى في الاعتصامات منذ وقوع التفجير، ومنهم من لم يترك الساحات يوماً. مشهد استنفار عناصر قوّة مكافحة الشغب الذين كانوا مستعدّين، على ما يبدو، لإحباط أي محاولةٍ جدّيةٍ للأهالي لاقتحام المجلس، أثار حفيظة العائلات، وعبّر عن ذلك حطيط قائلاً: “نحن مش شغب لحتى توقفوا بوجّنا نحن شعب عم نطالب بحقوقنا”، مطالباً بسحب قوّة مكافحة الشغب من أمام أهالي الضحايا فوراً.

مهلة النصف ساعة قضاها أفراد العائلات على الرصيف، يشكون همومهم لبعضهم البعض. كانوا المرضى والأطباء في الوقت عينه، وعندما ينهار أحدهم يمسحون دموعهم ويهرعون لمواساته. بعضهم أدلى بشهاداتهم الحية علناً وأمام المارّة، رووا قصص موت أبنائهم، يواكبهم منسّق الموسيقى الخاص بالأهالي الذي يبث الأغاني والمواويل التي كُتبت ولحّنت للشهداء، ومع كل أغنية تبكي زوجة أو أم تعلم أنّ هذه الأغنية تخص فقيدها بالتحديد، فتجهش زوجة الشهيد حمد العطار بالبكاء مع كل إعادة لأغنية “إبني حلو وعيونو عسليّة” التي كتبها ولحّنها الفنان فارس اسكندر كرثاء لزوجها.

ثلاثة أشهر من الصراخ والمعنيّون بآذانٍ صمّاء

عند الساعة العاشرة و38 دقيقة، وقبل انتهاء مهلة نصف السّاعة بدقائق معدودة أرسل أمين عام مجلس النواب عدنان ضاهر يطلب مقابلة وفدٍ من عائلات الضحايا. لم يكن ضاهر على علمٍ بقضية ومطالب عائلات التفجير من قبل، بحسب حطيط. خرج الوفد حاملاً وعداً من الأمين العام بمتابعة القضية، إلاّ أن الغضب والاستياء بدا واضحين على وجوههم “ما معهم خبر بشي، ما حدا بيعرف شو مطلبنا”، ينفعل حطيط الذي أغضبه استهتار المسؤولين وعدم مسؤوليّتهم، “صرلنا 3 شهور بالشارع ما حدا سامع فينا، بيسألونا النواب شو بكم”.

رفض الأهالي المغادرة رغم الوعود، معلنين تنفيذهم اعتصاماً مفتوحاً حتى يرضخ النواب لمطالبهم.

وعليه اصرّ الأهالي على البقاء في الشارع أكثر من أربع ساعات، مؤكدين استعدادهم للبقاء أكثر، حتى دعاهم ضاهر للمرةً الثانيةً حيث كان باستقبالهم الوزير السابق النائب في كتلة التنمية والتحرير علي حسن خليل الذي وقع القانون المعجل المكرّر، وتم تسليم نسخةً منه إلى وفد العائلات، في انتظار إحالته إلى المجلس النيابي للتصويت عليه. هنا لمعت عيون الأهالي فرحاً وطمأنينة بعدما انتزعوا مطلبهم بصمودهم وإصرارهم.

وفور خروجه من اللقاء الثاني بالأمين العام أفاد حطيط أنّ ما حدث هو “خطوة أولى لا تزال غير مكتملة، لكن الرئيس بري وعد بأن المسألة ستكون منتهية قبل نهاية العام الحالي، وإذا كان المطلب الأول قيد التحقيق، إلاّ أن المطلب الأساسي الثاني لا يزال بحاجة إلى الكثير من العناء والتعب ألا وهو تحقيق العدالة”.

أربع ساعاتٍ والدموع لم تهدأ

في الاعتصام وعلى مدى ساعات انهمرت الدموع وشاعت مشاعر القهر والغصّات. هنا لا شيء سوى الغضب والعتب “نحن أصحاب الدم، نحن ميّتين من جوّا، كرمال هيك نحن ما منخاف من حدا ومش ضعاف”، يرتفع صوت من إحدى الزوايا.

على الحافة البعيدة جلست منى مستو والدة الشهيدة روان (20 عاماً)، تحتضن صورة ابنتها وتبكي بحرقة، تعجز عن النطق لكن في نظراتها كل الكلام، تستجمع قواها “أنا أمها لروان الحلوة”. تسرد الأم الثكلى السيرة القصيرة لحياة ابنتها التي كانت تعمل في مطعمٍ في محلّة مار مخائيل: “دوامها ببلش على الساعة 6 إلّا ربع، قالتلي يا ماما تأخّرت… راحت على موتها مسرعة”. بعد وقوع التفجير حاولت منى الاتصال بروان إلاّ أنها لم تجب، مشت من منزلها في سن الفيل برفقة ابنها البالغ 11 عاماً إلى مكان عمل روان، “مشينا على القزاز فوق العالم لوصلنا”، تقول. هناك وجدت المطعم مهدماً. راحت تسأل عن روان “منهم من يقول مجروحة شوي، ومنهم من يقول هلق كانت هون”. بعد مضي نصف ساعة علمت أنه تم نقلها إلى مستشفى الوردية، هرعت إلى المستشفى فلم تجدها ذهبت إلى مستشفى الروم، “هونيك أخبرنا التلفزيونات عنها أنّها مفقودة”. بدأ أصحاب روان بالبحث عنها في جميع المستشفيات حتى وردهم الخبر المشؤوم، “تاني يوم الظهر دقّولي رفقاتها قالولي لقينا روان، طلعت متوفاية بمستشفى رزق”. تتحدث منى عن أحلام روان وطموحاتها، تتغزل بمواصفاتها “كانت بتحبّ الحياة، بتعمل دعايات، تقلّي يا ماما بدّي كمّل إخراج سينما، قطعولها كل أملها.. دمّروها ودمّروني معها، بنام عم ببكي بوعى عم ببكي، ما عم يُبرد قلبي عليها، بنت مثل القمر، روّحولي إيّاها بغمضة عين، يا ريت متت ولا شفتك ميتة يا روان”.

كيفما التفتّ ترى وجوه الشهداء في صور محمولةً بالأيادي. والدة الشهيد حسن شمص ترفع صورة الشهيدة سحر شربل، ووالد الشهيد حمد العطار يرفع صور شهداء لا يعرف أسماءهم ولا يعرف من هم أهلهم، “هول كلّهم شهدائنا، ماتوا مثل اولادنا، قضيتهم قضيتنا، نحن وحدّنا التفجير”.

بين الحين والآخر تصاب إحداهن بنوبةٍ من البكاء والصراخ ينكسر معه صمت الانتظار. إحداهنّ تكيل السباب للزعماء والأحزاب السياسية كافة. يحاول بعضهم إسكاتها لكنها لا تبالي وتكمل حديثها، “العكاريت، ما حدا اتطلّع وسأل عن الأهل من الأحزاب والزعماء ليش؟ ما حدا أعلن الحداد على أرواح الشهداء ليش؟، لو شي زعيم كانوا نكّسوا الأعلام بس شهدائنا ما بيستاهلوا، عنّا ولاد مين بدوا يربيلنا اياهم؟.

على ناصية الطريق المقابل لا تكتفي يسرى أبو صالح، والدة الشهيد إبراهيم الأمين، بتحقيق مطلب المساواة مع شهداء الجيش بل تطالب بتعليق المشانق، “نحن لو كنوز الدنيا ما بتغنينا عن تطليعة واحدة من أولادنا، بدنا لي قتلوهم ينعدموا”. كان إبراهيم موظفاً في كافيتيريا الجامعة الاميركية قبل أن يطاله الطرد قبل حوالي السنة. وجد عملاً في مرفأ بيروت براتب 700 ألف ليرة لبنانية، على أن ينال خمسة آلاف إضافية عن كلّ ساعةٍ إضافية، إلاّ أنّ رب العمل اتخذ قراراً نهار التفجير بتخفيض تسعيرة الساعة الإضافية إلى 2500 ليرة لبنانية، وعليه، عاد ابراهيم وزملاؤه إلى منازلهم من المرفأ منفّذين إضراباً عن العمل في الساعات الإضافية. عند الساعة الخامسة تلقّى إبراهيم اتصالاً من مديره يعلمه بالعودة عن قرار خفض تعرفة الساعة الإضافية والعودة إلى التعرفة الأولى البالغة خمسة آلاف ليرة: “ما لحق أكل صحنه كان بعده واصل، قلّي يا إمي دقّولي بدي إرجع”. عاد إبراهيم إلى المرفأ ووقع التفجير حيث استشهد مقابل خمسة آلاف ليرة لبنانية. في ذلك النهار طلب إبراهيم من والدته زجاجة مياه باردة جداً، تتذكر يسرى هذا التفصيل وتبكي بحرقةٍ “يمكن مات عطشان إبراهيم أول مرة بقلي أعطيني قنينة ماي باردة يا إمي”. تتخيل الزعماء في مؤتمراتهم ومجالسهم، “ابني مات عطشان، هنّي بحطوا القنينة وبيصيروا يحكوا ويحكوا”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، المرصد البرلماني ، حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة ، عدالة انتقالية ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مجزرة المرفأ ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *