المجلس الأعلى للقضاء: حديث الثلث الأخير من الولاية الأولى


2021-01-07    |   

المجلس الأعلى للقضاء: حديث الثلث الأخير من الولاية الأولى
رسم عثمان سلمي

في رسالته التاريخية، عبّر القاضي مختار اليحياوي عن سخطه على “الأوضاع” التي وصفها “بالمريعة والتي آل إليها القضاء التونسي وحالت بينه وبين تحمل مسؤوليته كمؤسسة جمهورية مستقلة تكفل بناء الوطن وتساهم في حماية الحقوق والحريات” وردّها “للوصاية التي فرضت على القضاة من فئة من المتملقين والانتهازيين” نجحت في “الاستيلاء على المجلس الأعلى للقضاء والمواقع الحساسة بالمحاكم” وتوصّلت بذلك إلى “منع القضاة الحقيقيين من الاضطلاع بدورهم وتحمل مسؤولياتهم في خدمة القضاء والوطن”.

كان واضحا من حينها أن القاضي الذي تجرّأ وتكلّم فتحدّى السلطة وقبل بتنكيلها عقابها ثمنا لموقفه التاريخي ذاك يربط فكرة بناء القضاء السلطة بإصلاح مؤسسات القضاء وفي مقدمتها المجلس الأعلى للقضاء.

أكد في مرحلة ثانية حراك جمعية القضاة التونسيين سنة 2005 وقبلها أن الربط بين المؤسسة والاستقلالية فكرة يشاركه فيها غيره من القضاة وترفض السلطة السياسية قبول الاستماع إليها خوفا من تأثيرها المحتمل على قضاء استعملته في فرض استبدادها وحماية فساد محيطها.

كان بذلك تخصيص دستور الجمهورية الثانية فرعا كاملا من قسمه المخصص للقضاء العدلي والإداري والمالي للمجلس الأعلى للقضاء، ومن بعد ذلك مصادقة مجلس نواب الشعب التونسي على القانون الأساسي عدد 34 لسنة 2016 المنزل لهذا المجلس خطوات مهمة في تجسيد بعض مضامين الحلم القديم. فيكون وقد مضى على انتخاب أعضاء ذاك المجلس أربع سنوات أن نطرح السؤال عن الأداء الوظيفي للمؤسسة في مسعى لاستكشاف إن كانت في سبيلها للإيفاء بالوعد الحلم أو أنها انشغلت عنه، وذلك من خلال تفصيل مناحي عمله. وقد عمدنا في هذا الإطار إلى طرح أسئلة لعدد من المسؤولين والمعنيين أوردناها ضمن النوافذ أدناه.

 

1 – تنقلات القضاة:

المرآة العاكسة للأفكار الساكنة

يتكون المجلس الأعلى للقضاء من أربعة هياكل هي مجلس القضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي والجلسة العامة لمجالسه الثلاث[1]. وبحسب الفصل 45 من القانون الأساسي المنظم له يختص كل مجلس قضائي بالبت في المسار القضائي للقضاة الراجعين له بالنظر فيما يعود وفق منطوق الفصل 42 من ذات القانون للجلسة العامة إصدار الرأي أو الترشيح المتعلق بها.

انتهى فقه المجلس في هذا الإطار لفرض حق في الرقابة الدنيا للجلسة العامة على عمل المجالس القضائية في المجال موضوعها المشروعية. وكان تبعا لذلك لكل مجلس قضائي حرية كاملة في ضبط معايير تنقلات قضاته كتحديد زمن إعدادها وإعلانها على أن تنظر الجلسة العامة في الحركة بعد ذلك للنظر في التزام مشروعها باحترام الشروط القانونية لتحصيل الترقية من رتبة قضائية لأخرى وإسناد الخطط الوظيفية.

يذكر هنا أن الجلسة العامة خلال ما مضى من عملها فرضت على مجلس القضاء العدلي تحويرات في إسناد بعض الخطط الوظيفية سنة 2017  لم يتم الالتزام في شأنها بالأقدمية القانونية الواجبة لنيلها واستفاد منها أعضاء من المجلس أرادوا تمييز أنفسهم. كما ردّت مشروع حركتين قضائيتين تقدم بهما لها مجلسا القضاء المالي والإداري تضمنتا تنازلا منهما عن ممارسة صلاحية تحديد مكان عمل القضاة المشمولين بها سواء في المقر المركزي أو في الفروع الجهوية لفائدة رئيسي المحكمتين حفاظا على سلطتهما وتدعيما لها. فكانت تلك الجلسة بذلك وفي المحطات الثلاث حارسا للمشروعية .

يعتبر يوسف بوزاخر رئيس المجلس الأعلى للقضاء الدور الرقابي الذي قامت به الجلسة العامة مهمّا وهو يؤكد وجوب دعمه طلبا لموضوعية أكبر في تحرّكات القضاة. ويقترح تحقيقا لذلك أن يتمّ التنصيص في النظام الداخلي للمجلس على كون الجلسة العامة تختص وزيادة على رقابة المشروعية القانونية بمراقبة مدى الإلتزام بالمعايير التي اعتمدت من المجالس القطاعية في إعداد مشاريعها.

مجالس قضائية تتعمّد خرق القانون: الآجال لا تلزمنا

ينص الفصل 47 من القانون الأساسي للمجلس على كونه “يعلن عن الحركة القضائية مرة واحدة في السنة في أجل أقصاه موفى جويلية من كل سنة ويمكنه عند الاقتضاء إجراء حركة استثنائية خلال السنة القضائية”. يُفسّر هذا المقتضى الذي يضبط وتيرة محددة للحركة القضائية وموعدا مضبوطا لها بأهمية استقرار الهيئات القضائية خلال السنة القضائية أولا وبالحاجة لأن تجري الحركة القضائية في توقيت من السنة يسهل على القضاة المشمولين ملاءمة وضعهم الأسري مع ما قد تفرضه عليهم من تغيير لمحلات سكانهم أو ترتيب لالتزاماتهم.

ثلاث سنوات قضائية على بداية عملها تبدو مجالس القضاء مجمعة على تجاهل موعد الحركة القضائية. ويظهر الأثر السلبي لهذا التقصير في القضاء العدلي[2] خصوصا لما يتميز به من هيكلية متطورة مقارنة بالقضاءين الإداري والمالي اللذين يطغى عليهما الطابع المركزي.

يذكر هنا أن جميع الحركات القضائية السنوية للقضاء العدلي وعددها أربعة تمت خارج الأجل القانوني ولم تنشر بالجريدة الرسمية إلا بعد مضي مدة من بداية السنة القضائية التي تخصها. وكان يتم تنفيذها بمجرد نشرها بالصفحة الخاصة بالمجلس بشبكة التواصل الاجتماعي وفي حالات كثيرة قبل إصدار الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء رأيها المطابق الخاص بها وبمجرد مصادقة تلك الجلسة عليها.

سنويا، ينتج عن الموعد المتأخر لإعلان الحركة القضائية اضطرابٌ في عمل المحاكم، خاصة تلك التي يتمّ التنقيص في عدد قضاتها في سياق الاستجابة لطلب النقلة أو سهوا من المجلس يكون من عناوينه توزيع مؤقت للعمل وتعطّل في بعض جلسات الحكم ومنها خصوصا دوائر العدالة الانتقالية وذلك في انتظار حركات مكمّلة وأخرى اعتراضية يرحّل لها حلم الإصلاح وكثيرا ما تزيد في الأزمة.

يذكر هنا أنه ومن تاريخ أول تعيين لقضاتها بتاريخ 13-11-2015 تغيرت تركيبة الدوائر والمتخصصة للعدالة الانتقالية سنويا بسبب ما برز من رغبة في جانب عدد من قضاتها في مغادرتها لاعتراضات مبدئية  حول كيفية إعداد ملفاتها أو اعتلال إجراءاتها أو بفعل استفادة آخرين منهم بترقيات ونقل تمنع من مواصلة عملهم بها . كما يذكر هنا أنه و منذ انطلاقتها الفعلية في العمل في نهاية السنة القضائية 2017-2018 وبفعل ما يشمل قضاتها من ترقية ونقلة في الحركة، كان العمل في أغلب تلك الدوائر يتعطل بالكامل مع بداية كل سنة قضائية في انتظار حركة خاصة بها ترمّم  تركيبتها وتقود لها قضاة جدداً لم يتلقوا ما سمي تكوينا خصوصيا اشترط قانونا فيهم  للمباشرة.

في ذات السياق، خول القانون القضاة حق التظلم أمام مجلس القضاء بسبب ما حرموا منه من نقلة أو ترقية أو بنظر ما لحقهم من قرار تعيين أو نقلة. وربط نظر مطاعنهم تلك بنشر الحركة المنازع فيها بالجريدة الرسمية وحدّد ذلك بآجال مضبوطة في إطار ما يصطلح عليه بحركة الاعتراضات.

جرى عرف الحركة القضائية على أن يعلن مجلس القضاء العدلي كل سنة معايير جديدة لها تكون في جانب منها نتيجة لانتقادات القضاة لمعايير السنة التي سبقتها. كما جرى أن يخرق المجلس بعد ذلك وفي نتيجة عمله ما أعلن من معايير. وهو أمر يردّه حديث القضاة إلى طغيان قيم المحسوبية والولاء في التنفيذ الفعلي للحركة فيما يبرره قضاة المجلس بصعوبة الموازنة بين المعايير النظرية وواقع توزيع القضاة على المحاكم. وأيا كان سبب ذلك الخرق، فإن التقاءه مع سهو عن إسناد خطط أو ترقيات مستحقة يولد سنويا عددا هاما من الاعتراضات على الحركة ينطلق بمجرد إعلانها قولا ويجسد في مطالب بمجرد نشرها بالجريدة الرسمية.

يؤدي فعليا شعور القضاة بظلم مجلسهم وطموحهم لتسوية مقبلة لوضعياتها لانتشار فكرة الحالة المؤقتة بينهم. وهذا وحده يمثل سببا في تشويش محتمل على عمل مرفق القضاء فيما تؤول حركة الاعتراضات لنقل وترقيات تمس في جانب منها محاكم تشكو من قبل نقصا في إطارها القضائي بما يعمق مشكلتها .

يذكر أن الحركة القضائية لسنة 2018 -2019  أنتجت 260 اعتراضا تم البت فيها بتاريخ 18-12-2018 بالاستجابة ل 52 تظلما .فيما أنتجت الحركة القضائية 2019-2020 242 اعتراضا تم البت فيها بتاريخ 07-11-2019 بالاستجابة ل 52 تظلما. وأنتجب حركة 2020-2021 169  اعتراضا …… ( نتمها مع  إعلان الحركة خلال اليومين المقبلين  )

يقر  رئيس المجلس بوزاخر بالإشكاليات التي تتولد  عن التأخير الكبير في  موعد إعلان الحركة الاعتراضية ويقترح كحل لها التفكير جديا في إصلاح تشريعي بينت التجربة الحاجة له ويتمثل حسبه في أن يكشف مجلس القضاء القطاعي مشروع حركته  للقضاة  ويتلقى اعتراضاتهم عليها ويبت فيها قبل كل عرض للحركة تلك على الجلسة العامة للمجلس للمصادقة عليها وهذا في تقديره سيؤدي للتقليل من الزمن الذي يستغرقه مسار الحركة القضائية خصوصا في القضاء العدلي كما أنه سينتهي فعليا لأن يكون للقضاء حركة سنوية واحدة تضمن حسن سيره و تحمي حقوق القضاة.

 

المجالس القضائية تعترض على المشرّع بصوت واحد:

حركة قضائية واحدة لا تكفينا

استغل مجلس القضاء العدلي ما هو مفروض بحكم القانون ومنطق الأشياء من سرية فيما تعلق بهويات قضاة القطب القضائي المختص بمكافحة الإرهاب ليرحّل ملف تنقلات هؤلاء ومعهم قضاة القطب الاقتصادي والمالي من الحركة القضائية السنوية لحركة خاصة لا تعلم لها معايير محددة ولا تنشر بالجريدة الرسمية. ويطرح دوما عملها هذا السؤال حول شفافيته وما إذا كان جانب من التعيينات فيه يخضع لقاعدة الانسجام مع اختيارات مراكز القوى القضائية في المجال. ومن جهتهما وبدعوى الخصوصية، لم يلتزم مجلسا القضاء الإداري والمالي بما يفرضه القانون من تحديد في عدد حركات القضاة.

يعتبر عضو المجلس الأعلى للقضاء كريم راجح أن القضاء العدلي اعتاد منذ خمسين سنة على تنظيم تحركات قضاته في حركة سنوية واحدة  بما يفسر انضباطه لمقتضيات الفصل 47 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء. في المقابل، لم يكن هذا التنظيم من تقاليد القضاءين الإداري والمالي ويعتبره قضاتهما يمس بحقهم المكتسب والمتمثل في تحصيل الترقية بمجرد تحصيل شرطها القانوني ومن دون انتظار موعد معين. وفيما يتعلق بالقضاء الإداري، فهو يرى أن  تكريس المجلس القطاعي الذي هو من أعضائه الأقدمية كمعيار محدد  في إسناد الخطط  الوظيفية يؤدي لتدعيم المقاومة السلبية لفكرة الحركة السنوية. ويقترح لتجاوز ذلك أن يتم الالتزام بالقانون في خصوص موعد الحركة ودوريتها لعدم معقولية خرق القضاء له في موازاة تفهم هواجس القضاة من خلال القبول بفكرة الأثر الرجعي للترقيات المستحقة والذي يضبط بمقرر المجلس .

4 حركات في القضاء الإداري في 2019: الأولى بتاريخ 10-04-2019 وشملت 14 قاضيا، والثانية بتاريخ 13-05-2019 شملت قاضيين، والثالثة بتاريخ 20-08-2019 وشملت 5 قضاة، والرابعة بتاريخ 25-11-2019 وشملت 7 قضاة.

4 حركات في القضاء المالي في 2019: الأولى بتاريخ 10-04-2019 وشملت 55 قاضيا، الثانية بتاريخ 31-07-2019 وشملت 8 قضاة والثالثة بتاريخ 25-11-2019 شملت 12 قاضيا والرابعة بتاريخ 23-12-2019وشملت 2 قضاة.

وجميع تلك التسميات والنقل  نشرت الجريدة الرسمية كأوامر فردية و دون أدنى إشارة للمجلس الأعلى للقضاء الذي صدرت عنه ولا لكونها جزء من  حركة قضائية لها إجراءاتها الخصوصية .

النظام الداخلي:  غياب طال وضبابية سادت.

أوجب الفصل 45 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء على المجلس أن “يضبط نظامه الداخلي”. و كان يفترض امتثالا لحكمه أن ينكب أعضاء المجلس بمجرد مباشرتهم لعملهم على إعداد

2 – النظام الداخلي: غياب طال وضبابية سادت

أوجب الفصل 45 من القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء على هذا المجلس أن “يضبط نظامه الداخلي”. و كان يفترض امتثالا لحكمه أن ينكبّ أعضاء المجلس بمجرد مباشرتهم لعملهم على إعداد مسودة ذاك النص الذي يضبط تفاصيل عمل مجلسهم وأصول إدارة جلساته: أربع سنوات من تاريخ بداية عهدة المجلس وثلاث سنوات بعدما أنهى أعضاؤه خصوماتهم وشرعوا في عملهم، لم يرَ النظام الداخلي النور ولا حديث عنه خارج أطر جلساتهم التي لا يصل لغيرهم من مجرياتها إلا أخبارٌ يسرّبها بعضهم طلبا للتأثير في موقف بعضهم الآخر.

كان يمكن للنظام الداخلي أن يُنظّم بشكل مؤسساتي العلاقة بين هياكل المجلس، وبين المجلس ومنظوريه من جهة وبينه وبين من يهمّهم أن يؤدي دوره وفق التصور الدستوري أي في اتجاه يضمن استقلالية القضاء ويكرس الشفافية الداخلية للمجلس.

يذكر أن  النظام الداخلي مناط به ضبط  إجراءات التعامل بين مختلف مؤسسات المجلس، بما يجعله وثيقة أساسية في توضيح ما هو محمول على كل منها من واجبات وأساسا على مستوى مأسسة صلاحية الجلسة العامة في الرقابة على مشروعية عمل المجالس القطاعية. كما يذكر أن ذات الوثيقة ينتظر منها ضبط تفصيلي للإجراءات الشكلية التي يجب أن يلتزم بها المجلس في مختلف أعماله. وهو أمر يلزم المجلس ويكون من حق منظوريه عليه –أي القضاة – التمسك بها دفاعا عن حقوقهم .ويذكر أن غياب النظام الداخلي يظل العائق في سبيل تبين ما هو مشمول بسرية الأعمال من نشاط المجلس وما هو علني وهو تمييز هام بالنسبة للرأي العام  الذي له حق في ممارسة رقابة مجتمعية على أعماله  يكفلها القانون وتغيب اليوم آلياتها.

يؤكد رئيس المجلس يوسف بوزاخر أن  النظام الداخلي  بمنظوره ليس مجرد نص إدارة أعمال بل هو  تصور لمؤسسة ولمقاربة في تنزيل القضاء السلطة. ويرى بوزاخر أن النص الذي سيصدر يمكن أن ينتهي لتحويل المجلس الأعلى للقضاء لمجموع مجالس قضائية موحدة شكلا وغير متجانسة. كما يمكن أن يكون وهذا أمله الخطوة الضرورية لبناء المجلس الموحد الذي يحترم خصوصية الأقضية المكونة له ولكنه في ذات الحين  يمتلك القدرة على تحسين ضمانات استقلالية القضاء لها جميعا وبذات القدر.

وتفيد في هذا الإطار مصادر متطابقة من داخل المجلس أن اللجنة الفنية صلبه والمتكونة من عدد من أعضائه أتمّت منذ ماي 2018 عملها وأحالت مشروعها على الجلسة العامة والتي تشهد تعثرا متكررا  بسبب خلافات. وتفيد هذه المصادر أن الخلاف هو بين شقّ يتمسك بضرورة الحدّ من صلاحيات الجلسة العامة فيما يتعلق بالمسار المهني للقضاء قولا بكون المشرع أسند تلك الاختصاصات للمجالس القطاعية ولم يترك لها إلا دورا شكليا وبين شق يتمسك بكون اختصاص الجلسة العامة يجب أن يؤول لرقابة معمقة  هدفها ضمان الالتزام بالمعايير الموضوعية. ويبدو أن هذا الخلاف انتهى لحلول توافقية بين الشقين بعدما تبين لهما أن استمرار تعطّل إصدار النظام الداخلي لم يعد مستساغا في الوسط القضائي وبات يعد من أبرز عناوين فشل مجلسهم.

من المدافعين عن هذا الموقف عبد الكريم راجح الذي يعتبر أنه ومهما كانت المبررات لا يمكن أن يرجأـ إصدار النظام الداخلي أكثر إذ يعتبر عمل المجلس دون نظام داخلي مما  يوسم عمله بعدم الشفافية ويمنع حسن حوكمته .

ونلاحظ هنا أنه لم يُعرض مشروع النظام الداخلي على القضاة والمتابعين. يؤشّر هذا إلى انغلاق المجلس على محيطه مقارنة بمجلس نواب الشعب الذي استبق إعداد نظامه الداخلي بسماعات للمجتمع المدني. ويبدو مردّ هذا اعتقاد سائد صلب مجلس القضاء مفاده أن ما نصّ عليه القانون من وجوب نظر الجلسة العامة للمحكمة الإدارية في النظام الداخلي يغني عن كل استشارة أخرى. ونقدّر أن هذا الرأي يفتقر للروحية الديمقراطية ولا يمكن أن يثمر نظاما يكون قادرا على تطوير المشهد القضائي وندعو بالتالي للتراجع عنه.

 

3 – مدوّنة أخلاقيات القاضي: قراءة في المنهجية وسؤال عن النص

من المهام التي قد تميز أول مجلس للقضاء عما سيعقبه من مجالس أنه سيكون من ستصدر عنه مدوّنة أخلاقيات القاضي التي نص عليها الفصل 42 من قانونه. بعد مضي ثلثي عهدته، ورغم أهمية المهمة وقيمتها الرمزية، لم يُنجز المطلوب ولا يعلم عن تقدم عمله فيه إلا تأكيدات من داخله ترد بعد كل سؤال تؤكد إتمام اللجنة الفنية التي كلفتها الجلسة والعامة وتكونت من مجموعة من أعضاء المجلس صياغة مشروع المدونة وأن الجلسة العامة تداولت فيها وقررت أن تطلق في أقرب الآجال استشارة حولها تنتهي بنشرها وتفعيل أحكامها.

يرد رئيس المجلس يوسف بو زاخر عدم صدور المدونة للانطلاقة المتأخرة في العمل عليها. ويعتبر أن السؤال الذي يطرحه ارتباطها بتأديب القضاة من عدمه بمعنى هل أنها ستكون مجلة للأخلاقيات أم مجرد نص مرجعي، هذا السؤال سيكون موضوع مشاورات عطلها تفشي وباء الكورونا وربما ينطلق قريبا ويكون موجها بمعنى محدود في دائرته لكنه يستهدف الاستماع للآراء المختلفة.

يلاحظ هنا أن المجلس لم ينطلق في عمله على المدونة من الاستماع للقضاة والمعنيين بالشأن القضائي واختار أن يكون الاستماع لهؤلاء في إطار عرض أول لمقترحاته وأن يكون الهدف منه تلقي موقفهم منه والذي قد ينتهي لتعديل لبعض تصورات المدونة في خطوطها العريضة من دون أن يؤول لنقاش مبادئها تفصيليا.

وتعكس منهجية العمل تلك غيابا مجدّدا لتصوّر يطور الديمقراطية التشاركية داخل مجتمع القضاة وتبدو وحدها قادرة على صياغة تصورات لمدونة تستجيب للحاجيات الخصوصية لمجتمع قضائي في مرحلة انتقال ديمقراطي يحتاج أن تنتصر نصوصه لثقافة الحرية والحقوق. وقد تكون التجربة المغربية في هذا المجال أكثر انفتاحا وتجديدا[3] بما انتهت له من ربط شرطي لصياغة المدونة باستشارة قبلية للجمعيات المهنية للقضاة وبما انتهت له من توضيح لأهداف المدونة ومن تنصيص صريح على وجوب نشرها بالجريدة الرسمية.

يذكر أن  المشرع التونسي اكتفى بالقول أن الجلسة العامة للمجلس الأعلى للقضاء تصدر مدونة أخلاقيات القاضي من دون أن يبين المقصود بتلك المدونة ولا إجراءات إنفاذها. واعتبارا لكون المجلس لم يصدر بعد نظامه الداخلي والذي كان يمكن أن يتدخل في الموضوع، فهناك فراغ تشريعي فيما تعلق بإجراءات دخول المدونة حيز النفاذ متى صدرت يصعب تصور مخرج منه. فيما يذكر أن نظيره المغربي كان أكثر دقة إذ ضمن قانونه أن المدونة نص يتعين على القضاة الالتزام به وأن له أهداف حددها حصرا وأنها تنشر بالجريدة الرسمية وأن المجلس ينشئ لجنة أخلاقيات صلبه لمتابعة تنفيذها .

نأمل هنا أن يطور المجلس منهجية عمله على المدونة طلبا لنص مجددا يبني ثقافة استقلالية القضاء ويثمر قضاة يعتقدون في الحقوق والحريات ويكرسون جهدهم للدفاع عنها حيث يضبط أخلاقيات القضاء ويصوغ قيمه.

التأديب:

تضبط الفصول من 58 إلى 67 من القانون المنظم للمجلس الأعلى للقضاء إجراءات تأديب القضاة، فتسند للمجالس القضائية القطاعية صلاحية كاملة في نظرها. وتضبط ممارستها لها بإجراءات تعهد منطلقها إحالة من المتفقد العام للشؤون القضائية وتنتهي بإصدار قرار في الموضوع.

يلاحظ هنا أن التفقدية العامة للشؤون القضائية التي ترك أمر ضبط صلاحياتها وتنظيمها لقانون يخصها لم تركز بعد لعدم صدور ذلك القانون الذي يبدو أن النقاشات حوله على مستوى وزارة العدل تتعثر بسبب تمسك جانب من ممثلي القضاءين الإداري والمالي برفض فكرة التفقدية العامة الجامعة بدعوى أنها تتناقض مع تقاليد قضاءيهما وفيه مس بخصوصياتهما، علاوة على كونه قد يؤول لتحويلهما لإشراف وزارة العدل حال أنهم يتمسكون بالانتماء على مستوى الإشراف لرئاسة الحكومة.

يؤكد وليد الهلالي رئيس اتحاد القضاة الإداريين أن فكرة التفقدية كما وردت بقانون المجلس الأعلى للقضاء يجب أن تتطور. . فما تصوره القانون لجهة إنشاء تفقدية عامة تجمع كل الأقضية وتمارس صلاحية بحث وتحقيق لا يتلاءم مع خصوصية القضاءين الإداري والمالي ويصدّر لهما مؤسسة ثبت من تجربتها في القضاء العدلي فشلها. ويرى أنه يجب أن تكون هناك  تفقديات كل واحدة منها خاصة بالقضاء الذي تتبعه. وينحصر دورها وجوبا في العمل على تجويد الأداء وتحسينه من خلال العمل على اختزال اجل نشر القضايا ورقمنة القضاء. لا يجب أن يكون لها أي دور بوليسي حسب تعبيره ويجب أن يظل التأديب اختصاصا للمجلس الاعلى للقضاء.

يذكر أن إتحاد القضاة الإداريين تمسك بمناسبة نقاش قانون المجلس بكون تنصيص الدستور على أن القضاء سلطة مستقلة وأنه يحجر كل تدخل فيه يكون معه بعث تفقدية عامة للشؤون القضائية في غير طريقه لمساسه باستقلالية القضاء… وان أعمال التفقد هي من الصلاحيات اليومية الموكولة لرؤساء المحاكم وأن التفقدية تاريخها سيء بوزارة العدل. ويبدو أن هذا الموقف الذي كان يظن أنه لم يعد من موجب لطرحه بعد التنصيص القانوني على تلك التفقدية لازال مؤثرا .

يؤول غياب التفقدية العامة للشؤون القضائية عن النظام القضائي والذي يتوقّع أن يطول بسبب الخلاف حولها لطرح سؤال حول شرعية الإجراءات التأديبية التي تمارسها المجالس القضائية لكون القانون لم يتضمّن أحكاما انتقالية فيما تعلق بالفترة التي يدخل فيها حيز النفاذ وتسبق تركيزها. وبانتظار موقف القضاء الإداري في الموضوع، وجب إبداء بعض الملاحظات على النشاط التأديبي للمجالس القضائية.

 

4 – النشاط التأديبي

خلال السنوات الماضية من عمل مجلس القضاء المالي لم يسجل تعهد له بأي نشاط  تأديبي فيما تعهد مجلس القضاء الإداري بملف وحيد انتهى بصدور قرار بعزل قاض إداري لمخالفات تتعلق بشبهات مخالفة للقانون وإخلال بواجبات مهنية.

يعتبر عدد من قضاة المحكمتين محدودية النشاط التأديبي مؤشرا على النزاهة صلب هيكليهما فيما يرده عدد من المتابعين للشأن القضائي لغياب جهاز رقابة داخلي ولاستعمال رؤساء المحاكم ما لهم من صلاحية إثارة التتبع التأديبي في صناعة الولاءات من خلال التغاضي على حالات الإخلال.

  حسب كريم راجح، يجمع الرئيس الأول في القضاءين الإداري والمالي صلاحيات إثارة التتبع والبحث في موضوعه واتخاذ القرار بالإحالة على مجلس التأديب وهذا حسبه يتعارض مع أصول المؤاخذة العادلة ويمنع فعليا من بناء منظومة تقييم للقضاة بالمحكمتين يسمح بتقصي حالات الإخلال الجسيم بالواجب الوظيفي الموجب للمؤاخذة التأديبية.

في الجهة المقابلة، يظهر مجلس القضاء العدلي أكثر نشاطا في المجال إذ يسجل تعددا في القرارات التأديبية التي صدرت وتلك التي لازال يباشرها .

تؤكد عضو مجلس القضاء العدلي فوزية القمري أن مجلسهم ينظر بدون اي تأخير وبكامل الجدية في كل الملفات التأديبية التي  يتعهد بها. وأفادت أن العدد الأكبر من الملفات موضوعها إخلال بواجبات مهنية مضيفة أنه وخلال السنة القضائية 2019-2020 تم النظر في ملف فساد وملفي شبهة فساد وصدر في حق ثلاثة قضاة قرارات بالعزل من الوظيف بسببها وبينت أن الملف الأول كان موضوع بحث قضائي سابق فيما تولى المجلس توجيه إعلام للنيابة العمومية وطلب منها إجراء الأبحاث اللازمة في خصوص الملفين الآخرين.

يذكر أن مجلس القضاء العدلي طور تعامله على ملف التأديب من خلال مبادرته لنشر دوري لملخص لنشاطه التأديبي يتضمن تصنيفا للأخطاء التأديبية التي تعهد بنظرها والقرارات التي صدرت عنه في خصوصها. ولكن يلاحظ هنا أن مثل هذا الجهد يظل غير منتظم علاوة على أن المعطيات التي يتضمنها مقتضبة وغير ذات دلالة.

يؤمل هنا أن يتم التنبه أكثر لما لشفافية النشاط التأديبي ونجاعته من دور في تعزيز الثقة العامة للقضاء وبما يكون من أثره بناء سياسة اتصالية تضمن الحق الكامل  في المعلومة فيما يتعلق بالعمل عليه.

 حسب كريم راجح يجمع  الرئيس الأول في القضاءين الإداري والمالي صلاحيات إثارة التتبع والبحث في موضوعه واتخاذ القرار بالإحالة على مجلس التأديب. وهو يرى أنه يتعارض مع أصول المؤاخذة العادلة ويمنع فعليا من بناء منظومة تقييم للقضاة بالمحكمتين يسمح بتقصي حالات الإخلال الجسيم بالواجب الوظيفي الموجب للمؤاخذة التأديبية.

 

نشر هذا المقال  بالعدد 20 من مجلة المفكرة القانونية | تونس | لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

قضاء تونس في زمن الياسمين

[1]  الفصل 8 من القانون الأساسي  عدد 34 لسنة 2016 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء

[2]  الحركة القضائية للسنة القضائية 2017-2018   صادقت عليها الجلسة العامة بتاريخ 04-09-2017 ، الحركة القضائية للسنة القضائية 2018-2019    صاغها مجلس القضاء العدلي بتاريخ 28-08-2018  صدر الرأي المطابق الخاص بها عن الجلسة العامة   بتاريخ 18-09-2017 ،، الحركة القضائية للسنة القضائية 2019-2020    صاغها مجلس القضاء العدلي بتاريخ 28-07-2019  صدر الرأي المطابق الخاص بها عن الجلسة العامة   بتاريخ 29-08-2019 ، الحركة القضائية للسنة القضائية 2020-2021    صاغها مجلس القضاء العدلي بتاريخ 12-08-2020  صدر الرأي المطابق الخاص بها عن الجلسة العامة   بتاريخ 22-09-2020

[3]  تراجع مادة  106  القانون التنظيمي رقم 100.13 المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية والتي ورد بها أن المدونة ” “تتضمن القيم والمبادئ والقواعد التي يتعين على القضاة الالتزام بها أثناء ممارستهم لمهامهم ومسؤولياتهم القضائية، وذلك من أجل:الحفاظ على استقلالية القضاة وتمكينهم من ممارسة مهامهم بكل نزاهة وتجرد ومسؤولية؛صيانة هيبة الهيئة القضائية التي ينتسبون إليها والتقيد بالأخلاقيات النبيلة للعمل القضائي والالتزام بحسن تطبيق قواعد سير العدالة؛حماية حقوق المتقاضين وسائر مرتفقي القضاء والسهر على حسن معاملتهم في إطار الاحترام التام للقانون؛تأمين استمرارية مرفق القضاء والعمل على ضمان حسن سيره؛ ” وأنها ” تنشر مدونة الأخلاقيات القضائية بالجريدة الرسمية.”

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، تشريعات وقوانين ، تونس ، قضاء ، مجلة ، مجلة تونس ، محاكم إدارية ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *