المجتمع والبيئة في مصر: نظرة إلى تطور المفاهيم وأشكال الفعل


2023-03-02    |   

المجتمع والبيئة في مصر: نظرة إلى تطور المفاهيم وأشكال الفعل

لا شكّ أن استضافة مصر لمؤتمر الكوب27 في نوفمبر الماضي قد وضعت السياسة البيئية للدولة محط الأنظار وأتاحت فرصة لطرح الكثير من التساؤلات قبل وأثناء وبعد المؤتمر. لا شكّ أيضا أن جزءا هامّا من الأسئلة المطروحة تتعلق بوضع المجتمع المدني وحقوق الإنسان في مصر ما بين فكرة الغسل الأخضر وتأطير قضية التغير المناخي كقضية حقوق إنسان.

في هذا السياق، انقسمت الآراء فيما يتعلق بمساحة الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في حماية البيئة ونحو مكافحة تغير المناخ إلى اتجاهين. الأول يؤكد أن التضييق على منظمات المجتمع المدني يمتد للمنظمات والنشطاء المهتمين بحماية البيئة ومكافحة التغير المناخي سواء مصريين أو دوليين خاصة على هامش المؤتمر. بل تصاعدت بعض الأصوات الناقدة لمنظمات المجتمع المدني العالمية المهتمة بالبيئة مثل جرين بيس تتهمها بالتغاضي عن وضع حقوق الإنسان للمشاركة في المؤتمر. في المقابل، يؤكد الرأي الآخر- وهو الذي تعبر عنه الجهات الرسمية (مثلا وزارة البيئة) – على أن هناك مساحة متاحة للمجتمع المدني والنشطاء البيئيين بل يدعو بشكل حثيث للمشاركة المجتمعية ليس فقط في المؤتمر لكن في جهود الدولة لحماية البيئة ومكافحة التغير المناخي (وإن حصلت هذه الدعوة من دون تحديد أطر واقعية لتفعيل هذه المشاركة).

وبعيدا عن لحظة المؤتمر الأممي للمناخ وعبورا لهذا الجدل، يهدف هذا المقال إلى تبيُّن تطوّر أشكال فعل المجتمع المدني في مصر نحو قضية البيئة ومكافحة التغير المناخي. نأخذ في اعتبارنا أنّ المجتمع المدني في مصر وخاصة المنظمات الحقوقية تشهد حالياً تحديات غير مسبوقة في الحركة والتمويل سواء مباشرة أو غير مباشرة في سياق تضييق عام على الحريات والحقوق. لكن مع ذلك، نرى جدوى في طرح هذا السؤال على مدى زمني أطول لتتبع تطور الخطابات والفاعلين وأدوات الفعل من المجتمع المدني نحو قضية البيئة. ونركز على سؤال كيف ينعكس تطور تعريف قضية البيئة على أشكال الفعل الصادرة من المجتمع المدني.

أيّ مجتمع وأيّة قضية؟

 قبل الاسترسال، نجد من المفيد تعريف المصطلحات التي نستخدمها في هذا المقال بهدف تحديد إطاره. نتحدث هنا عن المجتمع المدني بمفهومه الواسع. فهناك المنظمات غير الحكومية (الحقوقية والأهلية والتنموية) بالإضافة إلى دور شركات القطاع الخاص. وأخيرا يتساءل المقال عن المجتمع بمفهومه الأوسع: دور المواطنين والحركات الفردية والجماعية غير الرسمية حتى ولو لم تأخذ شكل منظما.

أما عن مفهوم النشاط البيئي أو قضية البيئة، فالتعريفات تطوّرت بشكل واضح منذ التسعينات – عند دخولها إلى أجندة السياسات المصرية – وحتى الآن.

استقر حاليا مفهوم التغير المناخي كإطار أساسي لمشكلة البيئة كخطر يهدد بقاء الإنسانية على كوكب الأرض. لكن قبل ذلك نجد آثارا لمفهومين محوريين هما حماية البيئة والتنمية المستدامة. لا يمكن وضع حدود فاصلة قاطعة بين المفاهيم الثلاثة فهي متداخلة ومستخدمة بشكل متوازٍ. لكن نكتفي هنا بملاحظتين: أولا، أهمية التمييز بين مستويين من تناول النشاط البيئي: الأجندة البنية (Brown Agenda) في مقابل الأجندة الخضراء (green agenda). الفرق بين المفهومين هو أن الأول يتناول مشكلة البيئة على أنها مشكلة التلوث وإدارة المخلفات بينما الثاني يعتبر قضية البيئة أشمل وتتعلق بالطبيعة والتنوع البيولوجي.[1] وبالتالي فإن المفهوم الحالي عن مشكلة تغير المناخ أقرب كثيرا للأجندة الخضراء من البنية لكن نجد أثار الأجندة البنية أوضح بكثير على السياسات والفعل المجتمعي المصري حتى وقت قريب.

ثانياً، مفهوم التنمية المستدامة هو مفهوم واسع جدا ويشمل أبعادا متعددة، بيئية وأيضا اقتصادية واجتماعية: منها العمران- إدارة الموارد المائية- الطاقة المتجددة- الزراعة- بالإضافة للاقتصاد وإدارة الأعمال, وبالتالي، فكثيرا ما تتداخل الأنشطة البيئية التي تتم وفقا لهذا المفهوم مع أنشطة موجهة لقضايا أخرى.

 المجتمع المدني والبيئة: أشكال الفعل والفاعلين

أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية في 2016 دراسة بعنوان “خريطة النشاط البيئي في مصر” رصدت فيها أسماء 90 منظمة بيئية تعمل في مصر مع عرض الملامح الأساسية لأهداف وأنشطة كل منها. تتيح هذه الدراسة استنتاج بعض الملاحظات عن الفاعلين في المجتمع المدني وأدوات الفعل.

أولا، تنوُّع الفاعلين. تصنًّف المنظمات التي شملتها الدراسة إلى عدة أنواع منها المنظمات غير الحكومية ومنظمات شبه حكومية ومنظمات إقليمية وعالمية ومراكز بحثية وشركات / مكاتب استشارية وشركات ناشئة (Startups) أو عادية.

ثانيا، يتبين لنا تعدد طبيعة الأنشطة وأشكال الفعل المجتمعي. فالدراسة تذكر الأنشطة التوعوية بأشكالها المختلفة (ورش عمل للكبار والصغار- محاضرات ومؤتمرات)، أو البحثية (توثيق المشاكل- إنتاج تقارير- أو إصدارات علمية). كما تشمل الأنشطة مبادرات للتدخل المباشر لحل مشكلة سواء على نطاق صغير أو متوسط (مثلا مبادرات لإعادة تدوير المخلفات) – المرافعة والتقاضي (وإن كان بشكل محدود ومقتصر على المنظمات الحقوقية).

ثالثا، تظهر الدراسة تعدد مداخل الفعل وأيضا مفاهيم وتعريفات قضية البيئة والتي تنعكس في مجالات الحركة. من ناحية المداخل، نجد منظمات تتبع المدخل الحقوقي وغيرها المدخل التنموي (خاصة بمفهوم التنمية المستدامة: أنظر أسفل)، أو مدخل ريادة الأعمال المجتمعية أو الشركات ذات الأثر الاجتماعي (Social Entrepreneurship) وأخيرا بعض الجمعيات الأهلية التي تتبع المدخل التطوعي أو الخيري. أمّا من ناحية المفاهيم، نجد أن من أنشطة هذه المنظمات ما يندرج تحت مفهوم حماية البيئة بتعريفه الأقرب لل”أجندة البنية” فيستهدف مكافحة التلوث أو تدوير المخلفات أو أيضا حماية التنوع البيولوجي. وقد تستهدف التنمية المستدامة؛ فتتوجه نحو مجالات الطاقة المتجددة أو إدارة الموارد المائية والطبيعية أو الزراعية وأيضا التنمية العمرانية المستدامة ومنها الحق في المدينة. وبسبب اتساع مفهوم التنمية المستدامة تندرج أيضا أنشطة مثل مكافحة الفقر والبطالة، بل والتعليم ضمن اهتمام بعض هذه المنظمات. وأخيرا من الأنشطة ما يركز على مفهوم التغير المناخي وإن كان ما زال غير مهيمن ويظهر أكثر في المنظمات الإقليمية أو الدولية.

 بشكل عام، نلاحظ أن المفاهيم والمداخل متشابكة في معظم الحالات؛ فبينما نستطيع تبيُّن توجُّه أساسي داخل منظمة أو جمعية ما، خاصة تلك التي تركز على مجال محدد وواضح (مثلا الطاقة المتجددة – تدوير المخلفات)، نجد أن تنوع الأنشطة يعكس تداخل تعريفات قضية البيئة داخل نفس المنظمة (مثلا ورشة عمل للتوعية بمخاطر التلوث والتغير المناخي).

بعد استعراض تنوع النشاط البيئي في مصر في العقدين الأخيرين تتيح لنا دراسات أخرى إضافة ملاحظتين على طبيعة هذا النشاط:  

أولا، أنه بالإضافة إلى وجود شركات (ناشئة، ذات أثر اجتماعي أو غير ذلك) تركز مباشرة على قضايا بيئية، هناك قدر من النشاط البيئي يقوم به القطاع الخاص من منطلق المسؤولية المجتمعية. تظهر دراسات مختلفة وجود مشاكل بنيوية في تطبيق هذا المفهوم في الحالة المصرية مثل غلبة المنطق الخيري التطوعي أكثر من التنموي والتركيز على مبادرات محدودة أكثر من استراتيجيات وبرامج طويلة المدى وشاملة. وبالرغم من هذه الإشكاليات، توجّه الشركات بعض نشاطها لحماية البيئة أو التوعية في قضيّة البيئة بالتعاون والتوازي مع أنشطة الجهات الرسمية[2]. وبينما كان مفهوم التسويق الأخضر والgreen branding موجوداً منذ فترة طويلة كجزء من تبني الشركات لمفهوم التنمية المستدامة[3] انعكس تركيز الخطاب الرسمي على مفاهيم مثل الاقتصاد الأخضر والمشاريع الخضراء في خطاب الشركات وأنشطة المسؤولية الاجتماعية[4]. وجدير بالذكر أن المسؤولية المجتمعية تظهر في مؤسسات أخرى غير القطاع الخاص؛ فنلاحظ مثلا أن الجامعات والكليات بها أقسام تختص ب “تنمية المجتمع والبيئة” تقوم بأنشطة متنوعة في إطار التنمية المستدامة منها احتفال جامعة القاهرة بيوم الأرض وإصدار دليل للتنمية المستدامة.

ينقلنا ذلك إلى الملاحظة الثانية وهي أن الدولة أحيانا تتبنى أدوات فعل مشابهة للمجتمع المدني مثل إطلاق مبادرة “اتحضر للأخضر” وهي مبادرة توعوية أطلقتها وزارة البيئة. بالإضافة إلى توجه الدولة للتعاون مع، بل ودعم (أو استقطاب) المبادرات البيئية الناجحة.

وعامة إن ألية المبادرات سواء محلية مثل مبادرة Very Nile  لتنظيف ماء النيل أو دولية مثل 100YR Cleanup التي استهدفت جمع المخلفات وقامت بتصميم هرم من المخلفات، تبدأ كأفعال غير رسمية فردية أو جماعية ثم تتخذ شكل تنظيمي أكثر رسمية؛ مثل التحول لشركة ناشئة ذات أثر اجتماعي أو إدماجها في نشاط وزارة البيئة.  وبشكل عام أنه لا يمكن الفصل بوضوح بين مساحة عمل الفاعلين الرسميين وغير الرسميين أو نطاق الدولة ونطاق المجتمع لأن هناك تداخلات كثرة كما يفصل القسم التالي.

نماذج للتداخل بين الفاعلين ومستويات الفعل

جمع القمامة في القاهرة: بين الشبكات المجتمعية غير الرسمية والشركات الخاصة والدولة

توضح دراسات أكاديمية [5] أن النموذج الحالي لجمع القمامة في محافظة القاهرة يعتبر مثالا واضحا للتداخل بين مستويات الفعل المجتمعية والخاصة والسياسات الحكومية.

حتى ثمانينات القرن العشرين، كان جمع القمامة في مصر يتم من خلال شبكات غير رسمية من سكان منطقة ال”زبّالين” (جامعي القمامة) الذين يتنقلون بين المناطق لجمع القمامة وتصنيفها وإعادة تدويرها كغذاء للحيوانات أو لبيعها للمصانع. بدأت الدولة تضع يدها على هذه العملية منذ الثمانينات: من خلال فرض تراخيص يتم شراؤها. فظلت نفس الشبكات غير الرسمية موجودة مع تغير العلاقات داخلها إذ أصبحت متمركزة حول من استطاعوا شراء التراخيص الحكومية. ثم في 2000 قررت الحكومة خصخصة خدمة جمع القمامة لشركات أجنبية تمتلك معدات تكنولوجية مع إضافة مبلغ على فواتير الكهرباء مقابل هذه الخدمة. لم تنجح هذه الشركات بشكل كامل في السيطرة على عملية جمع القمامة؛ لأنه بالرغم من امتلاكها المعدات التكنولوجية، إلا أنها واجهت عدة إشكاليات في التنفيذ منها عدم تمكن المعدات من الجمع في الشوارع الضيقة وعدم إمكانية اتّباع نموذج جمع القمامة من الباب. وهنا ظهرت تشابكات بين جامعي القمامة والشركات: منهم من وظفته الشركات ومنهم من استمر بالعمل بشكل غير رسمي.

حالة أخرى يظهر فيها التداخل هي تكوين المحميات الطبيعية خلال التسعينات

 تشير دراسة أخرى[6]  إلى أن تحديد مناطق “محمية” بسبب تنوعها البيولوجي جاء نتيجة جهود تشابك فيها دور الخبراء (او ما تسميه بالخبراء النشطاء Activist expert) ودور مؤسسات دولية غير حكومية سعت لوضع قضية المحميات على أجندة السياسات البيئية. نجحت هذه الجهود في خلق مساحة يتشابك فيها الفعل الرسمي المؤسسي الممثل في قطاع حماية الطبيعة مع الفعل المجتمعي لإدارة المحميات الطبيعية. لكن واجهت هذه المساحة تضييقا من مؤسسات أخرى داخل الدولة وأيضا من القطاع الخاص الذي كانت الأولوية بالنسبة إليه هي تنمية السياحة. لكن من ناحية أخرى استطاع الجهاز تكوين علاقات مع شبكات غير رسمية ممثلة في مجموعات البدو المحلية لدعم المحميات الطبيعية.

عن تعريف القضية وتطور وعي المواطنين واتجاهاتهم للفعل

تحتل تنمية الوعي مكانا محوريا في الخطاب العام حول قضية البيئة والتغير المناخي كما تأخذ حيّزا كبيرا من مساحة فعل المجتمع المدني. فماذا نعرف عن تطوّر توجّهات المصريين نحو قضية البيئة والتحول المناخي؟

تشير دراسة حديثة صدرت عن مركز حلول السياسات البديلة إلى أن مستويات الوعي بقضية التغير المناخي في مصر عبر الزمن كانت وما زالت منخفضة بالمقارنة بالمعدلات العالمية (منذ أواخر التسعينات وحتى 2022) فمثلا تذكر مسح من 2008 نتج عنه أن 65% من العينة لم تسمع أبدا عن التغير المناخي[7]. لكن من سمعوا عنه يؤيدون أنه ناتج عن النشاط الإنساني بالرغم من غياب المعرفة الدقيقة بالأنشطة المسببة له. ترصد الدراسة أيضا أن هناك توجه تدريجي لازدياد المعرفة عن التغير المناخي والدراية بالتهديد الذي يشكله لكن مع تقدير محدود للخطر الذي يشكله في مقابل مخاطر أخرى تأخذ الأولوية (مثل التلوث – الفقر والتطرف الديني) وتبدو كأنها أقرب لحياة المبحوثين في العينة. وأخيرا تشير إلى غياب المعرفة الدقيقة عن أسباب التغير المناخي وعلاقتها بالحياة اليومية للأفراد مما يحد من توجهاتهم للفعل سواء على المستوى الفردي أو الجمعي.[8]

وفي المقابل، رصدت دراسة ميدانية تعود إلى عام 2000 نمو الوعي البيئي وإدراك مخاطر التلوث بين المواطنين المصريين بالتوازي مع ظهور القضية في الخطاب العام. وعلى عكس ما كان متوقعا آنذاك، رصدت الدراسة أن الوعي البيئي لا يقتصر على النخب وأصحاب المميزات الاجتماعية لكنه متواجد أيضا لدى الطبقات المتوسطة والطبقات العاملة. كما تخلص الدراسة إلى أن المواطنين يفسرون مخاطر قضية البيئة من خلال ربطها بالمشكلات التي تواجههم في الحياة اليومية مثل مشكلة تلوث الهواء والتلوث السمعي والزحام، بل أحيانا يتم الحديث عن ال”تلوث الأخلاقي” المتمثل في سلوكيات مثل التحرش. لكن تشير الدراسة إلى أن الوعي البيئي في تلك الفترة تغلب عليه الأجندة البنية في مقابل الأجندة الخضراء.[9] بالرغم من قدم هذه الدراسات إلا أنها تضيف من خلال تركيزها على المفاهيم أبعادا نقدية لفكرة محدوديّة الوعي وغياب الاهتمام بتغيّر المناخ بين المصريين. فهناك فرق في تعريف قضية البيئة بين صانعي السياسات والممولين الدوليين من جهة والمفهوم الشعبي المتعارف عليه فيما أسماه الباحثون “البناء الثقافي للمشكلة” والأُطر المفاهيمية المستخدمة لتفسير أسبابها وتصور مسؤولية الحل من جهة أخرى. بمعنى أن  البناء الثقافي لا يزيد فقط من الوعي لكن أيضا من توجهات الفعل الفردي أو الجمعي.

نجد صدى لهذه الفكرة في دراسات حديثة تؤكد على أهمية توضيح التعريف وشرح المفاهيم ومساعدة المواطن على الربط بين الأسباب والنتائج. مثلا تشير دراسة على أهمية وضع استراتيجية تواصل بشأن المناخ وتؤكد على ضرورة “استخدام الرسائل الواضحة، والصور المجازية والاستعارات البسيطة التي يمكن للجمهور فهمها والتواصل معها مباشرة”. وخاصة لا بدّ أن تركز الرسائل على الآثار المحلية وذات الصلة على الصعيد الشخصي.

وفي نفس الاتجاه، تشير دراسة[10] أخرى صدرت في 2020 على أهمية البعد البصري في التواصل بشأن التغير المناخي. يوضح الباحثون أن التصوير البصري للمدينة (في حالتهم القاهرة) في الإعلانات والمواد الدعائية المختلفة (ما يسموه بال visual rhetorics) لا يساعد على توعية المواطنين بمخاطر التغير المناخي بل يظهرها في شكل مثالي غير حقيقي مملوءة بالمساحات الخضراء والسماء الصافية بشكل لا يتماشى مع واقع المواطنين ولا يساعدهم في إدراج مخاطر التغير المناخي في مخيلتهم. وأخيرا توصلت دراسة أخرى إلى وجود ارتباط بين القيم الدينية (خاصة الإسلامية) والاهتمام بالبيئة لدى المبحوثين المصريين ودعت المجتمع المدني والحكومة إلى الالتفات إلى هذه العوامل في استراتيجيات التواصل للتوعية بشأن البيئة.[11]

بالإضافة إلى تحليل الوعي وأهمية التواصل، تتفق كل الدراسات تقريبا – القديم منها والحديث – على تراجع التوجهات نحو الفعل الفردي أو الجمعي. فمثلا تذكر دراسة أن الاهتمام بقضية البيئة (pro-environment attitude) يظهر في شكلين: اهتمام شخصي أي اهتمام بالبيئة كشأن عام أو اهتمام ناشطي (activist) الذي يترجم للفعل. ووجدوا أن المبحوثين قد يظهرون اهتماما شخصيا في قضية البيئة لكن لا يمتدّ إلى الاهتمام الناشط.[12]  تتفق الدراسات أيضا على إعطاء وزن كبير للقيود التي يفرضها السياق السلطوي (قبل وبعد 2011) والعلاقة السلبية مع الحكومة والقانون (غياب الثقة) وأخيرا صعوبة تنظيم عمل جمعي على نطاق واسع. وينقلنا هذا إلى السؤال الختامي عن الحركة الاحتجاجية.

ماذا عن الاحتجاج؟ هل هناك حركة بيئية مصرية أو ناشطية خضراء في مصر؟

تشير دراسات متعددة إلى أن محرك السياسات البيئية في مصر، بقدر كبير، هو الدولة (بتحفيز من المؤسسات الدولية والممولين)، وبقدر ما منظمات المجتمع المدني، لكن لم تكن هناك حركة اجتماعية “من أسفل”.[13]

 للوهلة الأولى، لا تظهر في مصر حركة بيئية ذات حجم وتأثير كبير بالرغم من وجود بعض النشاط السياسي (مثلا هناك حزب الخضر المصري منذ التسعينات وإن كان محدود النشاط) وبعض النشاط الاحتجاجي عبر الزمن. من أشهر هذه الاحتجاجات النادرة هو حراك أهل مدينة دمياط ضد مصنع سماد أجريوم في 2008.[14] تظاهر أهل المدينة ومنظمات المجتمع المدني وأعضاء النقابات بل أيضا أعضاء النخبة السياسية والاقتصادية من رجال أعمال ونواب برلمان ضدّ بناء مصنع سماد عملاق تملكه وتديره شركة أجنبية على أرض مصيف رأس البر. نجحت الاحتجاجات في إيقاف المشروع نجاح يصفه الباحثون باستثنائي.  أما بعد ثورة 2011، بدأت تتكون ملامح حراك احتجاجي ضد قرار العودة لاستخدام الفحم قادته منظمات المجتمع المدني ودعمته وزيرة البيئة آنذاك لكنه تراجع مع التضييق على الحراك الاجتماعي.

بالرغم من وجود هذه الاحتجاجات إلا أنها ظلت متفرقة ومحدودة زمنيا من دون مطالب بيئية واضحة (لنقل على نموذج حركة “جمعات المستقبل” الذي انتشر في أوروبا في 2019 أو الأحزاب الخضراء خلال العقدين الماضيين). لكن تدعو بعض الدراسات المنشورة حديثا إلى أهمية إعادة التفكير في مفهوم الناشطية البيئية وتوسيعه. بداية ظهر مفهوم ال”سياسة الخضراء” (Green politics) كمفهوم لحركات بيئية “شاملة نسوية ترفض كل أشكال الاستغلال للطبيعة والأفراد والجماعات”. وهو مفهوم واسع جدا يشمل العدالة الاجتماعية، والتنمية والأمن الإنساني، لدرجة أن تطبيقه على الحالة المصرية قد يجعلنا نقرأ كل الاحتجاجات منذ الثورة كحراك أخضر.[15] لكن تدعو دراسة أخرى[16] إلى مفهوم أكثر وضوحا يدمج البعد الطبقي التقاطعي (intersectional) في ال”بناء الثقافي” لقضية البيئة في مصر. ترى الكاتبة أن تعريف حماية البيئة والطبيعة في مصر حاليا هو نخبوي طبقي ينطلق من مفاهيم جمالية وينزع عن إشكالية تغير المناخ الأبعاد السياسية والطبقية مثل العدالة. كما يركز الخطاب الغالب والذي تصفه أنه Bourgeois environmentalism على لوم الطبقات الأفقر على “الجهل” و”غياب الوعي” من دون تأطير قضية البيئة كقضية حقوق إنسان وكقضية عدالة اجتماعية. وفي هذا السياق، يكون توسيع مفهوم السياسة الخضراء هو طريقة لإدخال الأبعاد التقاطعية وقراءة قضية البيئة كجزء من قضية اجتماعية بنيوية (تشمل الحق في المدينة- التقسيم العادل للمساحات والموارد) وبالتالي قراءة أوسع أيضا لحركات احتجاجية مباشرة أو غير مباشرة كحركات بيئية.

الخلاصة

باستخدام دراسات أكاديمية وتقارير حقوقية، استعرض المقال تطور أشكال فعل المجتمع المدني نحو قضية البيئة بالتوازي مع تطور مفهوم وتعريف هذه القضية. أبرزت الدراسات تنوع وتعدد وتداخل فاعلي المجتمع المدني وأشكال الحركة المجتمعية. وأشارت إلى وجود قدر من الوعي المجتمعي، وإن كانت هناك حاجة لمراجعة سياسات التواصل لترسيخ المعرفة السليمة بالقضية والربط بينها وبين هموم المواطن اليومية. أما عن الاحتجاج فبالرغم من غياب حركة بيئية واسعة ومتسقة إلا أن توسيع مفهوم الحراك البيئي (أو السياسات الخضراء) تساعدنا على إدراج البعد البيئي في حركات قد لا تتعلق مباشرة بالبيئة.

وأخيرا، بالرغم من دعوة الحكومة للمشاركة المجتمعية في قضية البيئة ومكافحة تغير المناخ تحد القيود البنيوية والسياسية من حجم ومساحة الحركة المجتمعية المنظمة. 


[1] تتناول هذه المفاهيم دراسات عديدة نذكر ممن طبقها على الحالة المصرية 

 Hopkins, Nicholas S., Sohair Mehanna, and Salah El-Haggar. People and pollution: cultural constructions and social action in Egypt. American Univ in Cairo Press, 2001.

[2]  Abdelhalim, Khalid, and Amani Gamal Eldin. “Can CSR help achieve sustainable development? Applying a new assessment model to CSR cases from Egypt.” International Journal of Sociology and Social Policy (2019).

[3]  Mourad, Maha, and Yasser Serag Eldin Ahmed. “Perception of green brand in an emerging innovative market.” European Journal of Innovation Management (2012).

[4]  انظر موقع سي اس ار مصر الذي يرصد المسئولية المجتمعية للشركات في تقاطعها مع الجهات الرسمية

[5]  Debout, Lise, and Bénédicte Florin. “Chiffonniers et entreprises privées internationales. Stratégies d’adaptation des acteurs formels et informels face à la réforme de la gestion des déchets au Caire.” Égypte/Monde arabe 8 (2011): 31-57. Salah Fahmi, Wael. “Le quartier des chiffonniers de Manshiat Nasser au Caire : un espace disputé.” Égypte/Monde arabe 8 (2011): 59-83.

انظر أيضا Desvaux, Pierre. “Introduction : les zabbâlîn, un objet sur-étudié ?” Égypte/Monde arabe 19 (2019): 9-32.

[6] Sowers, Jeannie. “Nature reserves and authoritarian rule in Egypt: embedded autonomy revisited.” The Journal of Environment & Development 16, no. 4 (2007): 375-397.

[7] جيهان حسن وهيام الشربيني, تصور الجمهور لتغير المناخ والإدماج والإشراك في مصر: منظور سياسي، مركز حلول السياسات البديلة، 25 سبتمبر 2022

[8] نفس المرجع  

[9]  Hopkins, Nicholas, and Sohair Mehanna. “Social action against everyday pollution in Egypt.” Human Organization 59, no. 2 (2000): 245-254.

[10] Keleg, M., Watson, G. B., & Salheen, M. A. (2020, September). Public Perception of Environmental Change in Rapidly Growing Cities: the Case of Cairo, Egypt. In SHAPING URBAN CHANGE–Livable City Regions for the 21st Century. Proceedings of REAL CORP 2020, 25th International Conference on Urban Development, Regional Planning and Information Society (pp. 677-687).

[11]   Rice, Gillian. “Pro-environmental behavior in Egypt: Is there a role for Islamic environmental ethics?.” Journal of business ethics 65, no. 4 (2006): 373-390.

[12] نفس المرجع

[13] Rice, Gillian

[14]  Elmusa, Sharif, and Jeannie Sowers. “Damietta mobilizes for its environment.” Middle East Report Online. 21 (2009).

[15] Zakarriya, Jihan. “Security, Dividedness and Green Activism in Egypt.” Journal of International Women’s Studies 22, no. 9 (2021): 174-189.

[16]  Wahby, Noura. “Egyptian environmentalism and urban grassroots mobilization.” In The Right to Nature, pp. 101-114. Routledge, 2018.

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة ومدينة ، حركات اجتماعية ، قطاع خاص ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، مصر



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية