المجتمع المدني الطرابلسي: مرآب الذل لن يمر


2016-03-11    |   

المجتمع المدني الطرابلسي: مرآب الذل لن يمر

بدأ عند الساعة الثالثة من بعد ظهر الأربعاء 9/3/2016 الاعتصام المفتوح للمجتمع المدني الطرابلسي في ساحة عبد الناصر التراثية – ساحة التل وذلك رفضاً لمشروع "مرآب الذل" المزمع تنفيذه في المنطقة. وجاء هذا التحرك بعد ان نُقل عن محافظ الشمال رمزي نهرا تأكيده على بدء تنفيذ المشروع نهار الخميس 10/3/2016 "بمواكبة الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية" بعد ان نجح الناشطون نهار الاحد في 6/3/2016 بمنع عمال الشركة المتعهدة من مباشرة الاعمال.

 وقد نصح نهرا المعترضين "بعدم التعرض للمنشآت العامة، لأن ذلك يعتبر جرماً جزائياً"، وكأنه يؤكد ان هذا المشروع بات أمراً واقعاً على الرغم من رمزية وأهمية المكان. عدا أنّ الساحة تعد نقطة التقاء مدينة طرابلس بشمال لبنان.

اذاً بعد سنوات من الاقتتال، رأى المعنيون أن ما تحتاجه طرابلس لترميم ما تهدم والنهوض بالمدينة يكمن في مرآب يحتل ساحة التل ويقطع أبواب الرزق أمام معظم المحلات التجارية في المنطقة.

كلام نهرا الذي صرح به خلال لقاء جمعه برئيس بلدية طرابلس الجديد عامر الرافعي، اوحى ان نهار الخميس سيشهد مواجهة محتدمة بين أبناء طرابلس والقوى الأمنية. على ان هذا الامر لم يمنع المحتجين من النزول الى الشارع وافتراش الساحة وانتظار الأسوء.

وفي اتصال للمفكرة القانونية ليل الاربعاء مع الناشط جهاد جنيد وهو أحد المعتصمين في الخيم التي تم نصبها في الساحة قال: "نحن الآن في الساحة حيث بدأنا بالاعتصام المفتوح الى حين مجيء القوة الامنية، لفرض بدء المشروع بالقوة الخميس عند الساعة الحادية عشر صباحا". وعن اسباب رفض المشروع قال: "حتى الآن لا يوجد خطة واضحة لهذا المشروع. ما هي خطة السير الموضوعة؟ كيف سيتم استخدام المرآب؟ اين مدخله؟ وكيف يتم تلزيم مشروع تناهز كلفته العشرين مليون دولار ولا يوجد دفتر شروط؟ لماذا ساحة عبد الناصر بالتحديد؟ لماذا يريدون قطع الطريق وتحويلها ممراً للمشاة؟ ماذا سيحل بأصحاب المحلات ولماذا المجلس البلدي كان ضد المشروع وعلى اي أساس عاد وغيّر رأيه؟ لماذا هذا الاصرار الرهيب على المضي في هذا المشروع. كل هذه الاسئلة ولا جواب". وأكد جنيد انّ المعتصمين ليسوا في “مواجهة مع القوى الامنية ولكن الفكرة انهم ان أرادوا تنفيذ هذا المشروع فليتفضلوا ويبعدوننا ثم يتابعوا". 

وبدأ الحديث عن مشروع "مرآب التل" منذ عامين، بعدما خصص مجلس الوزراء "سلة مشاريع انمائية متكاملة" لعاصمة الشمال، ورصد مبلغ 100 مليون دولار لتنفيذها. وكلف مجلس الانماء والاعمار تنفيذ مشروع المرآب الذي يتضمن أربع طبقات تحت الأرض تستقبل نحو 500 سيارة. ولا بدّ من الإشارة هنا ان في رصيد مجلس الانماء والاعمار مشاريع أخرى في المدينة منها "مشروع الارث الثقافي" الذي، على عكس ما يشير اسمه، ساهم في القضاء على ارث منطقة باب التبانة.

وكان المجلس البلدي السابق برئاسة الدكتور نادر الغزال قد أعلن رفضه للمشروع معتبراً أنه "سيلحق الدمار بساحة تعدّ الشريان الاساسي الذي يصل بين مختلف المناطق والاحياء الداخلية في طرابلس".

وقد انطلقت في حينها تحركات للمجتمع المدني الطرابلسي ومن أبرزها "لجنة متابعة مشاريع طرابلس" وجالت على فعاليات المدينة وسياسييها لتعبّر عن مخاوفها من مشروع لن يسهم في انماء المدينة، وسط تضارب في مواقف السياسيين بين مؤيد ومتحفظ الى ان غاب المشروع عن السمع.
لكن وبعد الاستقالة المفاجئة للغزال وتعيين عامر الرافعي (المقرب من تيار المستقبل) مكانه، عاد مشروع مرأب التل الى الواجهة. واللافت ان أعضاء المجلس البلدي لم يترددوا هذه المرة في القبول به متناسين أسباب رفضه. والسبب يعود، حسب ما نقل الينا أحد أعضاء المجلس الذي رفض ذكر اسمه، الى إصرار الرئيس سعد الحريري على تنفيذه. "اجا سعد الحريري عيّط علينا. قبلنا بالمشروع. هكذا دون تبرير أسباب الاصرار على هذا المشروع قال لنا انه يريد السير به. حتى اننا لا نعرف من سيدير هذا المشروع الذي لا مبرر له في هذه المنطقة". وأكد ان المرآب بات أمراً واقعاً رغم أن "هذا المرآب يشبه انسان مصاب بالسرطان وعوضاً عن تلقيه العلاج يغدقون عليه بالملابس والعطور".

"لا لمرآب الذل" هو الشعار الذي رفعه الناشطون في تحركاتهم. وفي هذا السياق تحدثت ناريمان الشمعة منسقة "لجنة متابعة مشاريع طرابلس" عن أسباب الرفض. "في البداية قرر المجلس البلدي ايقاف أعمال المرآب الى حين اعداد مخطط توجيهي. لكن فوجئنا ان هذا المخطط عبارة عن رؤيا لكيف من الممكن ان تكون منطقة التل والتعديلات المحتملة عليها من طلاء واجهات واغلاق لبعض الارصفة وترك المجال لمرور سيارة واحدة ولم يحددوا اين ستكون مواقف السيارات الموجودة حالياً. فبعد ان كان من المفروض ان يصبح موقعهم تحت الارض تقرر وضعهم على الاطراف على نحو عشوائي سيولد أزمة كبيرة".

وتابعت: " وبعد لقاءنا مع الوزير سمير الجسر (أبرز المتحمسين للمشروع)، قال لنا انه تمّ الأخذ بآرائنا في اعداد المخطط التوجيهي. لكن بعد اطلاعنا على ما تمّ اعداده وجدنا انه لم يؤخذ فعلياّ بآرائنا. كذلك علمنا انه لم يتمّ دراسة تقييم أثر بيئي ولا دراسة جدوى ولا دراسة للسير. هذه الدراسات ضرورية لنرى ان كنّا بحاجة لمرآب في هذا المكان ام لا. وها نحن نفاجئ بإعطاء أمر مباشرة عمل وهو مخالف للقرار البلدي الذي كان مرتبط سابقاً بالمخطط التوجيهي".

وأضافت: "ان هذا المشروع فاسد تماماً فكل الاستشاريين والمقاولين الذين عملوا على العديد من المشاريع الأخرى يعرفون ان تكلفة هكذا مشروع لا تتجاوز الخمسة مليون دولار. في المرة الاولى قيل ان الحكومة رصدت مبلغ 25 مليون دولار للمشروع. من ثم أصبحت التكلفة هي 22 مليون دولار ثم 19 و17 الى ان وصلوا أخيراً الى مبلغ 14 مليون دولار. وهذا يشير الى عدم شفافية ووضوح. الى ذلك قيل انهم سيضعون مخطط تجميلي يكلف بين 13 و15 مليون دولار لتصبح محصلة تكلفة المشروع نحو 30 مليون دولار. ونحن نجد انه بالامكان بهذا المبلغ القيام بالكثير لمدينة طرابلس، على الاقل ان يقوموا بانهاء المشاريع التي سبق أنّ بدأوا بها".

ومن هذه المشاريع التي لم تنتهِ "الحزام الغربي الذي بدأ منذ أكثر من ست سنوات. المبنى الجامعي الذي مضى عليه نحو 15 سنة. مشروع الارث الثقافي الذي شوّه المنطقة. عدا عن ذلك ان تكاليف هذا المشروع مأخوذة من حصة طرابلس الانمائية التي هي مئة مليون دولار فيما لا علاقة له فعلياً بالانماء".

وأكدت الشمعة "على سلمية التحركات" وان "المشكلة ليست مع الاجهزة الامنية بل مع المشروع". "إنّ ارادوا تحريك القوات الامنية ضدنا فهم من يكونون بصدد التعدي علينا ويمارسون الارهاب علينا".

وأشارت الشمعة الى"تعرض العديد الناشطين الى التهديدات عبر رسائل تصلهم" مؤكدة الاستمرار بالمشروع. "سبق ان قلنا؛ هذا المشروع سيسير على جثثنا وما زلنا عند كلامنا ولا تراجع".

يعتبر عضو المجلس البلدي ابراهيم حمزة وهو أبرز المعارضين للمشروع أن "هذا الأخير دون جدوى لأنه لا يؤمن فرص عمل للطرابلسيين. فيما المبلغ المرصود له ضخم جداً وأبناء المدينة لن يستعملوه. كما يجد في الاصرار عليه غباء أو قطبة مخفية". 

بدوره يرى جلال عبس عضو مجلس بلدي سابق ان مدينة طرابلس "تحتاج للعديد من المرائب وأن البلدية تقوم باستيفاء رسوم عن مرائب السيارات بغية القيام بمشاريع ومباني مواقف سيارات. لكن هذا المشروع ليس انمائي وانما خدماتي بامتياز"، رافضاً ان يكون موقع المرآب في ساحة التل. "منطقة التل اثرية مثل منطقة سوليدير في بيروت. لذا لا يمكن تنفيذ مشروع دون اجراء مخطط توجيهي وتقديم دراسة للأثر البيئي. كذلك لا يمكن القيام بمشروع تكلفته توازي ثلاث اضعاف تكلفته الحقيقية ونحسمها من حصة المدينة الانمائية". وأكد ان هناك "دراسة للأثر البيئي موجودة ونتيجتها سليبة ولكن احداً لا يجرؤ على اظهارها لا مجلس الانماء والاعمار ولا البلدية".

وسأل عبس: "هل يعقل ان يفرض مشروع على المدينة بقوة السلاح؟  بأي عصر يعيشون؟ بأي حق؟ هل سأل أحدهم عن 4400 متر مربع من المساحة الخضراء سيقوم هذا المشروع بإلغائها من وسط المدينة؟ او عن نحو 47 شجرة معمرة سيقومون باقتلاعها من أجل المرآب؟ لقد باتت الفيحاء فقيرة في المساحات الخضراء ويكاد يصيبها التصحر. فأي مشروع انمائي هذا الذي يأتي على حساب الارث الثقافي والتراثي والثروة الطبيعية؟".
يُعدّ وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس من أشد المتحمسين للمرآب. فهو نسي الحقيبة الوزارية التي يتوّلاها وغابت عنه معاناة المدينة التي في صلب مهام وزارته. وبات لا يفكر سوى في اللحظة التي يبدأ بها العمل على هذا المشروع. واليه توجه عبس بالقول: "اما الوزير درباس، فعوضاً عن ان يلتفت الى وزارته والوضع التعيس لنحو 35 ألف عائلة في طرابلس يصب جل اهتمامه على مرآب ساحة التل. وأنا أسال من هو الذي يعتقد ان مرآب التل سيحل المشاكل التي تعاني منها طرابلس اقتصاديا واجتماعيا واخلاقيا الخ…؟". وختم قائلاً: "إذا ارادوا اللجوء الى القوى الامنية وقوة السلاح فليتفضلوا. لكن التاريخ سيحاسبهم والمدينة ستحاسبهم قريباً بإذن الله".

يرفض المحامي خالد مرعب مشروع المرآب "لأن هناك غموض يطال هذا المشروع". الا ان لدي "لوم على المجتمع المدني الطرابلسي الذي لا يقدم شرحاً مبسطاً لعامة الناس عن مضار هذا المرآب". هناك اناس توّد المشاركة في التحركات ولكن يقولون انه لا يمكنهم أخذ موقف مؤيد او معارض لأنهم لا يعرفون طبيعة المشروع وآثاره السلبية".

من ناحية أخرى يجد مرعب "ان آخر ما تحتاج اليه مدينة طرابلس هو مرآب التل. وان هذا المبلغ الضخم المرصود له بالامكان تخصيصه للعديد من المشاريع الانمائية في المدينة. وسأل "لماذا لا ينفقونها على اعادة ترميم وتأهيل معرض رشيد كرامي الذي هو من اهمّ معارض الشرق الأوسط؟ فإعادة ترميمه وتشغيله توّلد العديد من فرص العمل ناهيك عن انها تساهم في جذب السياح للمدينة. أو مرفأ طرابلس وسكة القطار. منطقة التلّ بكل غناها الاثري تحتاج الى مخطط شامل للمحافظة عليها عوضاً عن تدميرها".

وبالفعل، فقد تجمّع عدد كبير من أهالي طرابلس في ساحة التل الخميس. وشارك في الاعتصام الرئيسان السابقان رشيد الجمالي ونادر الغزال. ولم ينفذ المعنيون تهديداتهم فانسحبت القوى الأمنية من الساحة بعد أن تأكدت من سلمية التحركات. وفي هذا السياق قالت الشمعة انه "تم مساء الاربعاء التواصل مع عدد من الامنيين الذين أعربوا عن عدم نيتهم بالاشتباك مع ابناء المدينة لهذا السبب". في المقابل لم يأتِ عمّال الشركة التي التزمت المشروع وظلت ساحة التل بمتناول أهالي طرابلس والمعتصمين الذين عادوا وأكدوا رفضهم للمشروع مبررين أسبابهم لذلك.
مرة جديدة نجح المجتمع المدني في التصدي لمشروع المرآب فمنع تنفيذه. ولكن الى متى؟ يبقى الجواب على هذا السؤال مبهماً وبرسم الأيام المقبلة.                      

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية