المتظاهرون في وجه النيابة العامّة العسكرية: ادّعاءات سياسة لقمع المعارضة


2021-04-22    |   

المتظاهرون في وجه النيابة العامّة العسكرية: ادّعاءات سياسة لقمع المعارضة

يوم غصّت الشوارع في مختلف المناطق اللبنانية بالمواطنين الغاضبين من تدهور الأوضاع المعيشية في 17 تشرين الأول 2019، لم يكن البعض منهم يعلم أنّ مجرد مشاركتهم في التظاهرات ستكون “دليلاً” للادّعاء عليهم بجرائم عسكرية. والجمعة 16 نيسان 2021، مثل أمام المحكمة العسكرية الدائمة في بيروت 15 شاباً ادّعت عليهم النيابة العامّة العسكرية على خلفية مشاركتهم في التحرّكات الشعبية والتعبير على وسائل التواصل الاجتماعي، بتهم معاملة قوى الأمن بالشدّة والذمّ بالمؤسسة العسكرية. والادّعاءات بالجملة، ولا أدلّة على ارتكاب أحد منهم أيّ جرم عسكري، ما يضع هذه الأساليب في موقع الادّعاءات السياسية ضد المعارضين السياسيين وفقاً للمواقف التي سجلّها محامو “لجنة المحامين المتطوعين للدفاع عن المتظاهرين” في الجلسة الأخيرة. ولعدم كفاية الدليل ضدّهم، خرجوا جميعهم بأحكام براءة.

15 متظاهراً بريئاً بينهم من رووا عن تعرّضهم للعنف

جلس 15 متظاهراً على مقاعد المحكمة العسكرية الدائمة ينتظرون دورهم ويراقبون القضايا الأخرى التي غالباً ما تنظر فيها المحكمة العسكرية كإطلاق النار العشوائي، التسبّب بحادث سير على حاجز أمني، سرقة معلبات غذائية من ثكنة الجيش. أما قضاياهم هم فكانت ثلاث: الأولى على خلفية تسكير طرقات في البقاع، والثانية على خلفية نشر متظاهر لمنشورات تنتقد استخدام الجيش للعنف ضد المتظاهرين، والثالثة على خلفية التظاهرات في وسط بيروت خلال جلسة منح الثقة لحكومة دياب. ونظرت فيها المحكمة العسكرية الدائمة برئاسة العميد منير شحادة وحضور ممثل النيابة العامّة العسكرية القاضي رولان الشرتوني.  

ولكن مقابل التهم التي ساقتها ضدّهم النيابة العامّة، ووفقاً للجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين، رووا بدورهم في إفاداتهم أمام المحكمة عن “تعرّضهم للعنف والضرب والتوقيف العشوائي خلال التظاهرات، كما وإلى استهدافهم ومعاقبتهم من قبل الأجهزة الأمنية بسبب معارضتهم للنظام”. وتبيّن من الاستجوابات أنّ جزءاً من الشباب أفادوا بتعرّضهم للضرب على أيدي القوى الأمنية، كحالة مسؤول قطاع الشباب في الحزب الشيوعي محمد بزيع الذي انهال عليه أكثر من خمسة عناصر أمنيين بالضرب المبرح في وسط بيروت قبل توقيفه. وتمّ زجّ أسماء آخرين في برقيات أمنية بدون أي دليل ضدّهم إلّا أنّ النيابة العامّة العسكرية ادّعت عليهم وجرجرتهم إلى المحاكم العسكرية التي ليست المكان الطبيعي لمحاكمة المدنيين.

وقد حضر إلى جانبهم عدد من المحامين من اللجنة بتكليف من نقابة المحامين في بيروت وهم: غيدة فرنجية وأيمن رعد ومازن حطيط والشريف سليمان ووائل همام ومايا الدغيدي. ووفقاً للمحامية غيدة فرنجية، تضاف أحكام البراءة التي صدرت في هذا اليوم إلى الأحكام السابقة التي تابعتها اللجنة، ليصل المجموع إلى براءة 49 من أصل 51 مدنياً مثلوا لغاية الآن أمام المحكمة العسكرية على خلفية المشاركة في التظاهرات.[1] وقد برز حرص المحامين في مرافعاتهم على التأكيد بأنّها ادّعاءات سياسية، كونها لا تستند إلى أيّة أدلّة، واعتبر المحامون التوقيفات التي حصلت خلال التظاهرات بأنّها عقوبات مسبقة على المتظاهرين. وهذا ما دفعهم إلى المطالبة بإبطال ادّعاءات النيابة العامّة بدلاً من إصدار أحكام البراءة.

وكما في كلّ جلسة تتعلّق بالمتظاهرين، يعيد العميد شحادة اغتنام الفرصة لإيصال صورة للمدّعى عليهم عن طريقة فضّ التظاهرات كونه عميد في الجيش اللبناني ويعلم “أنّه حين تأتي الأوامر بفضّ التظاهرة لا يعود العنصر الأمني يميّز بين المتظاهرين السلميين ومفتعلي الشغب”، على حد قوله. ولكن هذه المرّة، تدخّل شحادة بعد انتهاء إحدى الجلسات التي ترافع فيها المحامي حطيط وهي غير متّصلة بسياق التظاهرات ليوصل رسالة للمحامين الّذين يترافعون عن المتظاهرين، حول تصريحاتهم المتعلّقة بعدم صلاحية المحكمة العسكرية بمحاكمة المدنيين. وعندما أجابه حطيط أنّ القضية المعروضة حالياً لا علاقة لها بالتظاهر، أشار العميد إلى أنّه يردّ على ما جاء في المرافعات السابقة قبل يومين، متسائلاً “ماذا لو أحيلت هذه الملفات إلى القضاء العادي، هل سيطلبون سرّية بأكملها إلى المحكمة؟”. ليجيبه حطيط، “نتمنّى ولو لمرّة واحدة أن يأتي عنصر للاستماع لإفادته ممن يقولون إنّهم تعرّضوا للمعاملة بالشدّة على يد المتظاهرين”.

القضية الأولى: الإفادات تؤكّد عبثية الادّعاءات

القضية الأولى التي نظرت فيها المحكمة العسكرية تتعلّق بتسعة شباب تمّ الادّعاء عليهم بتهمة معاملة قوى الأمن بالشدّة، على خلفية تظاهرة حصلت بتاريخ 25 تشرين الثاني 2019 في منطقة سعدنايل في البقاع. “مفاجأة” استجواب الشباب التسعة، كانت إفادة أحدهم “أنا ضدّ الثورة ولا أشارك بالتظاهرات”، وهي تأكيد المؤكّد وهو عبثية الادّعاء ضدّهم. وأفاد آخرون أنّهم لم يكونوا متواجدين أصلاً في مكان التظاهرة. ومن بين هؤلاء ملحم الحشيمي الذي استهلّ إفادته بالطلب من العميد شحادة مساعدته لمعرفة من الذي يزجّ باسمه في الملفات منذ بداية انتفاضة 17 تشرين. وقال أمام المحكمة إنّ “كلّ ما يحصل أمر في البقاع يقولون ملحم الحشيمي”. ورجّح الحشيمي كثرة الاستدعاءات التي تطاله إلى كونه معروفاً في البقاع ويشارك في مختلف التحرّكات. وأكد أـنّه لم يكن متواجداً في سعدنايل حين تم التعرّض للجيش. خليل دني مدّعى عليه في الملف نفسه، أكدّ أمام المحكمة أنّه لم يكن متواجداً في المكان الذي حصلت فيه مراشقة الجيش اللبناني، وقد قدّم دليلاً على ذلك خلال التحقيق معه في ثكنة أبلح. وتابع دني “أنا من عائلة قدّمت شهيداً في الجيش اللبناني، لا أرى أنّ عملي هو مواجهة مع الجيش”. فيما شرح مدّعى عليه آخر أنّه “طيلة تواجدنا في الشارع كنا نقوم بالتنسيق مع الجيش ولا نتواجه معه”. ومن كان متواجداً في التظاهرة أكّد أنّه لم يتواجه مع الجيش، فتدخّل القاضي الشرتوني طالباً منهم مساعدة المحكمة وإعطاء أسماء “المندسّين” الّذين يفتعلون الشغب. فردّ عليه أحد الشباب المدّعى عليهم قائلاً: “نحن ضدّ هذا النوع من الأفعال، ولا أعتقد أنّ من يقوم بها هم مندسّون، إنّما هم شبّان مراهقون مندفعون”.

وتبعاً لإفادات الشباب، طلب المحامي أيمن رعد خلال مرافعته الاطّلاع على البرقيات السرية التي على أساسها تمّ استدعاء الشباب إلى التحقيق ومن ثم الادعاء عليهم، وهي برقيات يمنع المحامون من الاطّلاع عليها رغم أنها دليل أساسي، مما يمسّ بحقوق الدفاع ويمنع مواجهة المخبر ويدفع إلى الاعتقاد بإقدام المخبرين على زجّ الأسماء في البرقيات لدوافع انتقامية. وأضاف أنّ هذه البرقيات تستهدف الوجوه البارزة في التحرّكات على الأرض التي تتكرر استدعاءاتهم وتعطيلهم عن أعمالهم بدون أي دليل. وطلب البراءة لجميع المدعى عليهم لعدم كفاية الدليل.

 

القضية الثانية: نقاش حول الحق في انتقاد المؤسّسة العسكرية

وبرز موضوع المخبرين الّذين يدسّون بأسماء المعارضين السياسيين لدوافع انتقامية في القضية الثانية التي ادعّت فيها النيابة العامّة العسكرية على شاب بالذم بالمؤسسة العسكرية. مثل أمام المحكمة الشاب الذي كان قد نشر في أواخر العام 2019 منشورات على صفحته على فيسبوك ينتقد فيها التمييز في أداء الجيش في ضبط الشارع بين فضّ تظاهرة في جل الديب بالقوّة وبين وقوفه متفرّجاً في اليوم نفسه أمام اعتداء شباب حزبيين خرجوا من منطقة الخندق الغميق على المتظاهرين في ساحة الشهداء في بيروت. وفي منشور آخر كان قد أعاد مشاركته نقلاً عن إحدى صفحات الثورة، تساءل الشاب عن سبب قيام العناصر العسكريين بالتعّرض للمتظاهرين بالعنف في حين أنّهم يعيشون المعاناة نفسها مع المصارف والسلطة في لبنان. وشرح الشاب أنّه جرى استدعاؤه إلى التحقيق في ثكنة أبلح في البقاع بعد حوالي ثلاثة شهور من المنشورات، وعلم أنّ مخبراً قدّم معلومات عنه لدى مخابرات الجيش بدوافع انتقامية منه. وتخلّل استجوابه جدل حول نيّته من انتقاد الجيش، فسأله ممثل النيابة العامة القاضي رولان الشرتوني إن كان يشكّ في حيادية الجيش، فأجاب الشاب أنّه كان يتساءل حول تصرّف الجيش حيال حادثتين حصلتا في اليوم نفسه لأنه يعلم أنّ الجيش هو الجهة الوحيدة القادرة على حمايته في التظاهرة.

القاضي الشرتوني طلب إدانة الشاب معتبراً أنّ “المنشور الأول الذي نشره فيه تحريض على الجيش فيما المنشور الثاني يحرّض الجيش نفسه”. واعتبر الشرتوني أنّه “في الآونة الأخيرة ازدادت المنشورات التي تتطاول على الجيش اللبناني بشكل لم نشهده من قبل”. ومن جهتها، ردّت المحامية غيدة فرنجية في مرافعتها موضوع المنشورات إلى ممارسة حرية التعبير والنقد المشروع والمباح، من قبل مواطن لا يملك سوى مواقع التواصل الاجتماعي، لمؤسّسة عامّة قادرة للدفاع عن نفسها، إذ رأت أنّ “الخطر يكمن في توقّف المواطنين عن توجيه الانتقاد إلى المؤسّسات العامّة والعسكرية وليس في انتقادها” وأنّ الأمر يصبح أكثر ضرورة بسبب تعطيل آليات المحاسبة والرقابة المؤسّساتية كونه لم يتم فتح أي تحقيق في استخدام العنف ضد المتظاهرين أو في الشكاوى التي تقدمّوا بها. وانطلاقاً من المادة 387 من قانون العقوبات التي تنصّ على تبرئة المدعى عليه “إذا كان موضوع الذم عملاً ذا علاقة بالوظيفة وثبتت صحته”، اعتبرت أنّ “تساؤلات المدعى عليه حيال تصرّف الجيش في حادثتين مختلفتين هو نقد مشروع وليس ذمّاً بسبب أنّ الوقائع التي تحدث عنها صحيحة” وتناقلتها وسائل الإعلام وتقارير المنظمات الحقوقية. فقاطع العميد مرافعتها قائلاً إنّه من الأجدى بالمنظّمات الدولية أن ترى ما يحصل في أوروبا، مضيفاً: “هذه ليست مرافعات بل محاضرات”. فأصرّت فرنجية أنّ ما تدلي به يستند إلى القانون لكي تثبت صحّة ما نشره المدعى عليه وطلبت تبرئته.

كما عرضت فرنجية المخالفات القانونية التي ارتكبتها مخابرات الجيش اللبناني والشرطة العسكرية خلال التحقيق مع الشاب حيث تمّ استدعاؤه والتحقيق معه واحتجازه بناء لتبليغ المخبر بدون إشارة قضائية وبدون حتى إعلامه بحقوقه. وطلبت إبطال التحقيقات الأوّلية لأنّه تمّ انتزاع إفادته تحت الضغط نتيجة هذه المخالفات لأصول التحقيق. كما طلبت إبطال التعقّبات بحقّه لأنّ التعبير ليس جرماً أو البراءة لثبوت صحّة ما نشره.

وهنا اعترض القاضي شرتوني معتبراً أنّ المدّعى عليه يقول إنّ هناك تمييزاً بين المواطنين على أساس طائفتهم، فاعترضت فرنجية على ذلك معتبرة أنّ المدّعى عليه لم يتطرّق إلى الطائفية أبداً بل إلى التمييز بين متظاهرين معارضين للنظام وآخرين موالين لأحزاب السلطة. فردّ القاضي بأنّ النيابة العامّة “تدّعي على كل من يعتدي على الجيش اللبناني” وأنّها حققت مع العديد من المعتدين على المتظاهرين وفي الشكاوى التي تقدّم بها المتظاهرون، فأجابته فرنجية أنّ هذا الأمر غير صحيح كون النيابة العامّة العسكرية قد حفظت شكاوى التعذيب التي تقدّم بها المتظاهرون وذكرت 17 شكوى مقدّمة في نهاية العام 2019.

القضية الثالثة: مرافعة تنتقد انحياز النيابة العامّة التمييزية      

في القضية الثالثة، تمّ الادّعاء على 5 متظاهرين من المشاركين في تظاهرة اعتراضية على منح الثقة لحكومة حسّان دياب في 11 شباط 2020. وقد عقدتها المحكمة بشكل سرّي نظراً لوجود قاصرين اثنين بين المدعى عليهم، بناء لطلب ممثّل النيابة العامّة القاضي شرتوني.

لم يتمكّن الصحافيون من حضور مجريات الجلسة حيث طلبت منهم المحكمة مغادرة القاعة التي أصبحت خالية باستثناء المدّعى عليهم ومحاميهم. واحتراماً لخصوصية القاصرين، نروي ما نقله لنا الحاضرون من المحامين والمدّعى عليهم الراشدون. فقد برز خلال استجواب المدعى عليهم أنّ كلّاً منهم يأتي من منطقة مختلفة في لبنان، من بيروت وصيدا والبقاع والشمال والجنوب، وألقي القبض عليهم في أماكن مختلفة من التظاهرة. وأفاد جميعهم بأنّهم تعرّضوا للضرب بعد إلقاء القبض عليهم واستفرد بهم عناصر مكافحة الشغب وشرطة مجلس النوّاب. ولدى طلب المحامين عرض شريط فيديو يظهر التعرّض بالضرب لمحمد بزيع بعد إلقاء القبض عليه، اعترض القاضي شرتوني على عرض هكذا دليل خلال الجلسة بدون إطلاع النيابة العامّة عليه مسبقاً، وطلب إرجاء الجلسة في حال ضمّ الفيديو إلى الملف. فاستعاض المحامون عن عرضه بتوجيه أسئلة إلى بزيع حول أسباب توقيفه والاعتداء عليه، وأوضح بزيع أنّه تم استهدافه بسبب خطاباته السياسية والاقتصادية خلال التظاهرات. وعلّقت فرنجية على عدم عرض  الفيديو، معتبرة أنّه يشكّل “مثالاً على اضطرار المحامين للتنازل عن بعض حقوق الدفاع أمام المحكمة العسكرية منعاً لجرجرة موكّليهم مجدداً أمام المحكمة” كونه “يتم توقيفهم تكديرياً في كلّ جلسة لما يقارب 8 ساعات وتالياً تعطيلهم عن أعمالهم وأشغالهم”.

وبعد الاستجوابات، ترافع المحامي مازن حطيط وانتقد كيف تقوم النيابة العامة بتوسيع صلاحية المحكمة العسكرية بادعائها على مدنيين أمامها وكيف تستخدم النيابة العامّة سلطتها لمعاقبة المنتفضين والتي أصبحت أداة بيد السلطة السياسية تخدم أهدافها وأغراضها”. وخرج حطيط عن السياق الضيّق لهذا الملف ليقارب الادّعاء على الشباب ومنهم محمد بزيع، مع الملفات الكبيرة المتّصلة بالفساد. وشرح أنه في الوقت الذي كان فيه بزيع ورفاقه يضربون ويسحلون لاعتراضهم على إعطاء الثقة للحكومة وتبيّن لاحقاً أنهم كانوا محقّين بشأنها، كانت النيابة العامّة التمييزية تقوم بتسوية مع المصارف من بعد قرار الحجز على أموالها الذي اتخذه النائب العام المالي علي إبراهيم. فطلب حينها ممثل النيابة العامّة القاضي رولان الشرتوني من المحكمة تدوين موقف حطيط من النيابة العامّة التمييزية على المحضر، وهذا ما شدد عليه حطيط، مشيراً إلى صحة وجود هذه التسوية.

وقد اختتم حطيط مرافعته بالقول إنّ المشهد أصبح مملّاً حيث “المحامون وهم ضحايا، يدافعون عن ضحايا (المتظاهرين)، أمام ضحايا هم قضاة المحكمة”. فعلّق القاضي الشرتوني مشيراً إلى أنّ القضاة ضحايا أيضاً بعد أن خسروا قيمة رواتبهم بقوله إنّهم دخلوا المحكمة في أحد  الأيام براتب وخرجوا بعد خمس ساعات براتب أقلّ بسبب ارتفاع سعر صرف الليرة أمام الدولار.

ولم يطلب حطيط البراءة إنّما كفّ التعقبات بحق جميع الذين تمّ الادّعاء عليهم بملفات فارغة وبشكل عشوائي، وذلك لوضع حدّ لتصرّفات النيابة العامّة وتسجيل موقف علّها تبدأ بقراءة هذه الملفات قبل الادّعاءات السياسية وتقوم بدورها لحماية الصالح العام. كما طالب المحكمة “بتعليل أحكامها بهدف إيصال رسالة واضحة وخطية إلى النيابة العامّة للتوقّف عن الادّعاء بحق المدنيين بملفات فارغة خدمة للسلطة الحاكمة،” وفقاً لما ورد في بيان لجنة المحامين.

وبعد انتهاء مرافعة حطيط، توجّه العميد شحادة إلى المتظاهرين بالقول “شي مرّة حدا منكم لبس ثياب المكافحة؟ البسوها ساعة وشوفوا شو بيصير فيكم. كيف إذا عم تلبسوها كلّ يوم؟”. 

ادّعاءات لردع الاعتراض والنتيجة إصرار إضافي على مواصلته

يرى جزء من الّذين تعرّضوا لهذا النوع من الادّعاءات في أحاديث  أجرتها معهم “المفكرة” أنّها مجرّد حيلة تستخدمها السلطة لردع التحرّكات الشعبية. فقد يتسبّب هذا النوع من الادّعاءات بأن يصبح الشخص حذراً في المستقبل في التعبير عن رأيه أو أن يفكّر مرّتين قبل المشاركة في التظاهرات، كحال أحد المدعى عليهم الذي أكد لـ “المفكرة” أنّه كان “كل همّي ألّا يتمّ إدراج جرم على سجلّي العدلي”. إلّا أنّه بعد صدور حكم بتبرئته قال “بتّ واثقاً أنّني بتعبيري عن رأيي أو مشاركتي بالتظاهرات لن أدان بالنهاية”.

من جهته، يذهب ملحم الحشيمي المدعى عليه في قضية تظاهرة سعدنايل إلى أبعد من ذلك بتأكيده على أنّه “كلما زادت الادّعاءات ضدّي زدت إصراراً على متابعة نشاطاتي في التحركات الشعبيّة”. الحشيمي يؤكد لـ “المفكرة” أنّه منذ بداية 17 تشرين “تم استدعائي عشرات المرّات للتحقيق على خلفيات متعددة”. يضيف، “كل حادثة تحصل في البقاع يقولون ملحم، حتى أنّه تم استدعائي مرّة بسبب زج اسمي بملف اعتداء على عنصر في الجيش اللبناني، وحين قابلته قال إن ملحم ضربني وأنا أمامه لكنه لم يتعرف علي”. ويؤكد، “أنّ اسمي بات شماعة لأي حادث في المنطقة”.

وفي السياق نفسه، يلفت خليل دني إلى أنّه “بتنا في تحركاتنا الأخيرة نأخذ الحيطة والحذر قدر الإمكان في التخطيط للتحركات المفاجئة التي نقوم بها على الأرض بسبب وجود مخبرين يراقبوننا طيلة الوقت”. ومع علمه أنّ هؤلاء المخبرين يتسببون بجرّ المتظاهرين إلى المحاكم، يرى أنّ “هؤلاء أوضاعهم المادية غالباً سيئة جداً، ويعملون لمصلحة الأجهزة الأمنية لتأمين بعض الموارد المالية”. 

 ويصف وجوده أمام المحكمة العسكرية بالأمر المتوقع، كوننا “نعرف السلطة التي نواجهها ونفهم أساليبها”. فالشاب الذي يدخل المحكمة العسكرية للمرّة الثانية في ملفّين متشابهين، أي معاملة قوى الأمن بالشدّة، انتهيا إلى إعلان براءته، يؤكّد أنّ ما رآه طيلة الساعات الستة التي قضاها داخل المحكمة يشعره بالأسف على أوضاع هذا البلد، حيث ينقل أنّه رأى جنوداً في الجيش اللبناني أدينوا بغرامات مالية غير قادرين على دفعها، وأشخاص يرتابون من وجودهم داخل المحكمة العسكرية خوفاً من حكم يدوّن على سجلّهم العدلي، عدا عن تساؤله خلال انتظاره صدور الحكم “ماذا نفعل هنا؟ هدفنا هو التظاهر وليس المواجهة مع الجيش اللبناني”.

ويختصر محمد بزيع هذا الواقع أنّ هذه الادّعاءات هدفها الضغط على المتظاهرين. ويصفها بـأنّها “فركة دينة، تهدف لردع أي أحد عن المشاركة في التظاهرات”. ويرى أنّ “هذه الأساليب تهدف إلى تشويه أهداف التظاهرات لتظهر من بعيد أنّ المشاركة في التظاهرات تودي إلى القضاء العسكري”. ويأسف بزيع لـ”تحرّك النيابات العامّة ضدّ المتظاهرين في الوقت الذي أصبحت الظروف المعيشية متدهورة، فهناك من سطى على أموال الناس في المصارف وعلى موجودات الدولة، والشعب ينتظر في الصف للحصول على غالون زيت، ولا يتحرّك الحق العام لحماية المجتمع”. ومن هنا، يرى بزيع أنّ “الأهداف المستقبلية عليها أن تكون استعادة الحق العام الذي يقف إلى جانب الشعب”.  

[1] للمزيد من التفاصيل حول الجلسات السابقة الاطّلاع على مقالات كاتبة هذه المقالة:

حول جلسة 7 تشرين الأول: ممثّل النيابة العامة العسكريّة يطلب البراءة للناشط خلدون جابر: حكم يفضح تلفيق الأجهزة الأمنيّة التّهم ضد المتظاهرين

 وجلسة 23 تشرين الأول: دعاوى “معاملة قوى الأمن بالشدّة” ضد متظاهرين أمام المحكمة العسكريّة: هدر للمال العام،

وجلسة 30 تشرين الأوّل: “النيابة العامّة العسكريّة تدّعي على المتظاهرين من دون قراءة ملفّاتها”.. البراءة مجدّداً لناشطي 17 تشرين،

وجلسة 13 تشرين الثاني: تهم من دون أدلّة تلاحق متظاهري الانتفاضة: المحكمة العسكريّة تعلن براءة “الجوكر”،

وجلسة 4 كانون الأول: ادّعاء عسكري على ناشط بدون أدلّة: براءة بعد افتراء؟.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، انتفاضة 17 تشرين ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم