المتطوّعون يحملون الدفاع المدني على أكتفاهم فهل تسندهم الدولة؟


2020-06-23    |   

المتطوّعون يحملون الدفاع المدني على أكتفاهم فهل تسندهم الدولة؟

قضية متطوّعي الدفاع المدني في لبنان كحكاية ابريق الزيت حيث تتكرر الوعود على المتطوّعين بالتثبيت من دون أن يتحقق منها شيء وتتكرر معها تحرّكاتهم على الأرض. ولم يسكت المتطوّعون طوال السنوات الماضية حيث ناضلوا بشتى الوسائل، من نصب الخيم والاعتصام وافتراش الأرض، حتى وصل بهم الأمر إلى حد نصب خيم على الحدود مع فلسطين المحتلة والتهديد بالقيام بواجبهم في سوريا بدلاً من لبنان. وفي كل مرة كانت تتدخل قوى السلطة وتعدهم بالتثبيت ثمّ تخلف بوعودها، ما يجعل تحركاتهم تذهب هباءً.

وفي الآونة الأخيرة، اتخذت تحرّكات المتطوعين شكلاً جديداً، علّها تثمر خيراً هذه المرة، إذ عادت قضيتهم إلى الواجهة من جديد بعد أنّ اعتصم عدد منهم على صخرة الروشة لخمسة أيام، ولم يترجعوا حتى استمع وزير الداخلية محمد فهمي، المعني الأول بقضيتهم، إلى مطالبهم.

عودة التحرّكات

في 4 حزيران/يونيو، نفّذ عناصر ومتطوّعو الدفاع المدني اعتصاماً أمام وزارة الداخلية والبلديات في العاصمة بيروت، مناشدين المسؤولين تنفيذ وعودهم بتثبيتهم، ودعا المتطوّع يوسف ملّاح باسم “رفاقه” الوزير فهمي “الالتفات قليلاً إلى قضيّتهم وإعطاء كل ذي حق حقه وإنصافهم”، بعيداً عن الوعود التي سمعوها سابقاً.

وقد أقدم بعض المتطوعين على قطع الطريق في محلّة الصيفي باتجاه الكرنتينا وفي المدينة الرياضية لوقت قصير بسبب عدم تجاوب وزير الداخلية معهم، قبل أنّ يعودوا ويقضوا ليلتهم على الرصيف المقابل للوزارة.

هذا واختار الملاح مع ممثلين (متطوّعين في الدفاع المدني) عن المحافظات، الاعتصام على صخرة الروشة معلنين أنهم لن يتراجعوا حتى “يبلغهم زملاؤهم المعتصمون أمام وزارة الداخلية بأنّ الوزير قابلهم واستمع إلى مطالبهم”.

وفي اليوم التالي، دخل المتطوّع مصطفى دمج  إلى وزارة الداخلية ممثلاً العناصر والمتطوّعين في الدفاع المدني وخرج من دون أي جواب إيجابي، الأمر الذي أثار استياء المعتصمين، لاسيّما المتواجدين على صخرة الروشة والّذين لم يغادروها إلّا حين تبلّغوا يوم الإثنين في 8 حزيران/يونيو نيّة الوزير مقابلتهم والاستماع إليهم أخيراً.

توجّه جديد؟

في 9 حزيران/يونيو، (أيّ في اليوم التالي لفك اعتصام صخرة الروشة) لبّى وزير الداخلية طلب المتطوّعين بلقائهم، واجتمع بالملّاح ودمج وجرى الحديث عن حال المتطوّعين وملف التثبيت والأسباب التي حالت دون البتّ فيه حتى الوقت الراهن.

يقول ملّاح، المتطوّع في جهاز الدفاع المدني منذ العام 1989، وهو أحد الّذين إعتصموا على صخرة الروشة، لـ”المفكرة”: إنّ “اللقاء مع الوزير كان أكثر من جيد، وقد أبدى الوزير فهمي انزعاجه من وقوف المتطوعين في الشارع، إذ اعتبر أنّه كان يفترض أن تسجل الاعتراضات داخل مكتبه وليس في مكان آخر، وأظهر اهتماماً كبيراً بقضيّتنا، متمنياً أنّ يصل الملف الى خواتيم ترضي الجميع”. ولم يوضح الوزير أية تفاصيل تتعلّق بالخطوات التالية أو الآلية التي قد تقود إلى التثبيت. ورغم ذلك، يبدو جلياً من المقابلات التي أجرتها “المفكرة” مع عدد من المتطوّعين أنّهم يعقدون آمالاً كبيرة على وعود وتطمينات المعنيين هذه المرة أيضاً، بالرغم من الخيبات السابقة التي منيوا بها.

ويضيف ملّاح “وددنا من الوقفة الرمزية أمام الوزارة لفت نظر المعنيين خصوصاً وزير الداخلية كونه المعني بقضيتنا، لربما يصل صوتنا أسرع إليه”.

وعن سبب التحرّك الآن، يقول: “نرفع الصوت كلّما سمحت الفرصة لنا، ولو تمكنّا من فعل ذلك يومياً لن نقصّر. فمع مرور الوقت، يخسر عدد من المتطوّعين امتياز حصولهم على تعويضهم التقاعدي أسوة بغيرهم من الموظفين المثبتين في ملاك الدولة، في حال حصل تثبيتهم وذلك في حال تخطّوا عمر الـ46. إذ ينص القانون على وجوب قضاء 18 سنة فعلية في الخدمة كي يحصل الموظف على تعويضه التقاعدي”.

وتلا لقاء الوزير فهمي، لقاء عقد في 11 حزيران/يونيو في السراي الحكومي ضمّ رئيس الحكومة حسان دياب ومدير عام الدفاع المدني العميد ريمون خطّار ووفداً من ممثلي المحافظات من المتطوّعين في الدفاع المدني، تطرّقوا فيه إلى ملف التثبيت. وخلص المجتمعون إلى ضرورة الإسراع في إيجاد آلية لإنهاء هذا الملف، أيّ تثبيت المتطوّعين في أقرب وقت ممكن.

ولهذه الغاية، طلب دياب عقد اجتماعات متلاحقة وسريعة تضمّ وزير الداخلية والمال ومدير عام الدفاع المدني واللجنة المشرفة على هذا الملف إضافة إلى عدد من المتطوّعين، للوصول الى إعطاء المتطوّعين حقهم (في التثبيت). وخلال الاجتماع، طرح دياب إمكانية البدء بدفع مساعدات مادية (مؤقتة) للمتطوّعين الفعليين العاملين بشكل يومي ويلبّون المهام، إلى حين تثبيتهم. وطلب من خطّار البدء بالإعداد للامتحانات اللازمة، بحسب ما قال المتطوعون الّذين حضروا الاجتماع لـ”المفكرة”، في خطوة توحي بالنسبة إليهم بأنّ الملف وضع على طريق الحل.

ويؤكّد المتطوّعون الّذين تواصلت معهم “المفكرة” أنّهم متفائلون بما يسمعونه من المعنيين، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور ومرور وقت على الجلسات المفتوحة التي يعقدها المعنيون في الملف من أجل تسريع التثبيت.

أصل المشكلة

تعود بداية التحرّكات المطالبة بالتثبيت إلى العام 2014 حين أقرّ قانون تثبيت العناصر والمتطوعين، ومنذ ذلك الحين يضغط نحو 2500 متطوّع في المديرية من أجل توظيفهم ودخول الملاك العام. وصدرت مراسيم تطبيقية عدّة للقانون، لكن القصة عالقة عند المرسوم الوزاري الرابع الّذي لم يطبّق بعد ويتضمّن إجراء المباراة التي لم يحدّد وقتها إلى الآن ودخول المتطوّعين إلى ملاك الدفاع المدني، فيما تناولت المراسيم السابقة مسألة تثبيت الأجراء والمياومين ولم تأت على ذكر المتطوّعين.

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر في المديرية لـ”المفكرة” أنّ “العقبة الأساسية التي حالت دون تثبيت المتطوعين حتى اليوم هي تأمين الاعتمادات اللازمة لتغطية كلفة التوظيف” وهذه هي الذريعة التي لطالما رددها المعنيون في السلطة للمتطوعين.

وتلفت المصادر إلى أنّ المديرية “أنجزت كافة المراحل المتعلّقة بهذا الملف لاسيّما مشروع اتفاق التعاون مع قوى الأمن الداخلي بانتظار تأمين الإعتمادات ليصار الى تحديد العدد على أساسه تمهيداً لتطبيق المرسوم وتثبيت المتطوعين”.

ويشرح زحيم لـ”المفكرة” أنّ “المبلغ الّذي نحتاجه لتثبيت 2500 متطوع هو 75 مليار ليرة لبنانية، تمّ تأمين 25 مليار ليرة رصدت في موازنة 2020 وتبقّى منه حوالي 50 مليار، على أمل تأمين الاعتماد المطلوب كما وعد رئيس الحكومة لحلّ قضيتنا”.

هذا المبلغ، كان كفيلاً بتثبيت حوالي ألف موظف تقريباً، وهو ما كان قد طرحه بعض المسؤولين على العميد خطار الّذي رفض هذا الطرح، معتبراً أنّه سيخلق مشكلة لناحية اختيار المتطوّعين، بحسب ما قال أحد المتطوعين لـ”المفكرة”، علماً أنّ بعض المتطوّعين، وبسبب الحاجة الماسة إليهم يعملون في موقع رؤساء مراكز ولا يتقاضون أيّ أجر لقاء ذلك وليس لديهم أيّة إمتيازات، سوى استشفائية أثناء أداء مهامهم، وليست على المستوى المطلوب(بمعنى في حال تعرّضهم لأيّ إصابة أثناء أداء مهمتهم لديهم تأمين استشفائي).

يضيف زحيم “لا بدّ من إنهاء هذا الملف في أسرع وقت. بعض المتطوّعين باتوا مهدّدين بتقاعدهم في حال تثبيتهم. في حين يعمل أغلبنا اليوم يعمل صيفاً شتاء، كموظفين بلا راتب، ومن دون أيّ إمتيازات حتى صحية”.

إلى ذلك، تحمل بعض أطراف السلطة والناس، على هؤلاء أنّهم تطوّعوا بمحض إرادتهم. وهذا ما لا ينفيه المتطوعون، لكنهم يؤكّدون أنّ الغالبية العظمى منهم تابعت العمل نتيجة الوعود المستمرة منذ عقود بتثبيتهم، وهنا يعلق ملاح قائلاً “وجودنا حاجة وليس فرضاً، يقولون إنّ العقبة مالية، لكن وجودنا ضرورة”.

الجهاز وتأسيسه

تأسس الدفاع المدني اللبناني في العام 1945 عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وبتاريخ 15 أيار/مايو 1956 وبموجب القانون رقم 67/45 الصادر عن مجلس النواب انطلق نشاطه من غرفة وزارة الدفاع وانحصرت بالتدريب والتوجيه. وعام 1974 إستحدثت أول وحدة عملانية عُهدت إليها أعمال الإطفاء والإنقاذ والإسعاف واستمرّت بالتطوّر والنموّ إلى أن أصبح الدفاع المدني بوجهه الحاضر ومهماته الملازمة لحياة الناس اليومية.

وفي عام 1979، ألحق الدفاع المدني بوزارة الداخلية، وتشمل مهامه تأمين الحماية للأفراد والممتلكات والبيئة، أي تجنّب الأخطار التي تهدد السلامة العامة ومواجهتها والحد من نتائجها في حالات الكوارث والنكبات الطبيعية والأعمال الحربية.

ورغم أهمية الدور الّذي يؤدّيه جهاز الدفاع المدني، إلّا أنّه يعاني من انخفاض عدد الموظفين وأصغرهم في عمر الخمسين، وهناك حاجة ضرورية لتوظيف أشخاص جدد في المديرية. ووفق المديرية العامة للدفاع المدني فإنّ عدد الموظفين الحالي هو 500 موظف، أما المتطوّعون فيفوق عددهم الـ5 آلاف عنصر، ما يعني أنّ هذا الجهاز يقوم على أكتاف المتطوّعين.

يذكر أنّ المتطوعين الّذين يغيثوا اللبنانيين في أوقات الشدة والكوارث منذ عقود وحتى اليوم، بعضهم استشهد أو أصيب أثناء تأدية واجبه الإنساني، تواجه غالبيّتهم، تحديات كثيرة لناحية تأديتهم مهمّاتهم بين إطفاء الحرائق وإنقاذ المدنيين وإجلاء جرحى الإنفجارات والحوادث الخطيرة من جهة وتأمين قوتهم اليومي ومستلزماتهم المعيشية لهم ولعائلاتهم من جهة أخرى.

يقول غسان زحيم، المتطوّع في جهاز الدفاع المدني التابع لوزارة الداخلية منذ العام 1991 ولا يزال حتى اليوم، “منذ تطوعي شاركت في كثير من المهام، وخضعت لدورات تدريبية داخل لبنان وخارجه. ألتزم بـ10 أيام خدمة في الشهر، وأعمل مع والدي في مهنته الخاصة في الأيام الباقية”.

راهناً، يطالب المتطوّعون كما في كل مرة، بالخضوع لمباراة محصورة تشمل من تتوفر فيه الشروط بحسب القانون الصادر في 2014، فهل ستفي الحكومة بوعودها بحلّ المشكلة وتأمين الإعتمادات المطلوبة كما قالت للمتطوعين، أما أنّها ستخذلهم هي أيضاً؟

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *