“اللقاء العلماني” يرصد كيف يحرف الخطاب الطائفي الناس عن انتهاكات القانون وممارسات الفساد


2024-02-09    |   

“اللقاء العلماني” يرصد كيف يحرف الخطاب الطائفي الناس عن انتهاكات القانون وممارسات الفساد

لم تكن القضايا المرتبطة بالفساد محورية في اهتمامات اللبنانيين العام الماضي أقلّه على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان التفاعل مع هذه القضايا هو الأقل مقارنة بقضايا أخرى، هذه إحدى النتائج التي توصّل إليها “مرصد الطائفيّة” في “اللقاء العلماني” من خلال الرصد الرقمي لمنشورات وتعليقات على وسائل التواصل الاجتماعي (“فيسبوك” و”أكس” و”يوتيوب”) في مراحل متقاربة زمنيًّا لأحداث أو استحقاقات محدّدة خلال العام 2023. نُشرت نتائج الرّصد في تقرير تحت عنوان “رصد الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية باستخدام الذكاء الاصطناعي: وعي مجتمعي زائف، خطاب هلع أخلاقي، تروما جماعيّة”.

قد تكون هذه النتيجة صادمة إذ ما انطلقنا من تأثير الفساد على حياة المواطنين مباشرة والذي كان واضحًا في العام الماضي من خلال تكريس انعدام مفهوم الخدمة العامّة مع استمرار انهيار مؤسسات الدولة فضلًا عن استمرار عرقلة التحقيقات في القضايا المالية وفي انفجار المرفأ. إلّا أنّ النتيجة نفسها تبدو منطقيّة ومتوقّعة إذا ما ربطنا الأمر بعدد من العوامل منها افتعال القيّمين على المنظومة والمؤثرين على وسائل التواصل الإجتماعي (أفراد أو مجموعات تابعة) خطابًا يقوم على التجييش الطائفي لتشتيت الانتباه عن انتهاك القانون وعن ممارسات فساد يتمّ تمريرها بما يخدم استمراريّتهم ويجنّبهم مواجهة الرأي العام.

 عمل فريق “المرصد الطائفي” في التقرير الذي أطلقه أمس الخميس في 8 شباط في مركز تيار “المجتمع المدني” في بدارو، على تشريح الخطاب الطائفي في لبنان العام الماضي، عبر رصد تفاعل الجمهور في لبنان على وسائل التواصل الاجتماعي وفحصه وتصنيفه وتحليل مدلولاته. 

المنهجية وأبرز النتائج 

انطلق المرصد من تحديد الموضوعات والمناسبات التي تحّفز على نشر الخطاب الطائفي وخطاب الكراهية وهي: “السياسة والأمن” و”الفساد” و”الدين” و”اللجوء” و”الجندر” و”الجنسانيّة”. ووضعت لائحة بالأحداث المزمع رصد تفاعل الجمهور معها  وتحديد الكلمات المفتاحّية المرتبطة بها.  

بعدها جمع المرصد باستخدام تقنيّة “جرف الشبكة الافتراضيّة” (web scraping) التعليقات المكتوبة باللغة العربيّة الفصحى والمحكيّة (بلغ عددها 29300). ومن خلال “التعليم الآلي” تم تدريب برامج ذكية على تصنيف الخطابات تحت أحد المواضيع الستّة الآنفة الذكر. كما قام عشرة أشخاص من خلفّيات متنّوعة من حيث الجنس والعمر والمهنة والتعليم بالتصنيف اليدوي لعّينة من المنشورات والتعليقات المحدّدة نتجت عنه التصنيفات التالية: خطاب “تجريح وكراهية” و”تجريح مع تخوين واتّهام” و”تجريح مع تحريض” و”لا شيء ممّا سبق”. 

ومن رصد العيّنات التي تمّ جمعها ضمن الفئات الست سعى التقرير إلى فحص ثلاث فرضيّات لتفسير المحفّزات للخطاب الطائفي في المجال الرقمي وهي “خطاب الهلع الأخلاقي” “الوعي الاجتماعي الزائف” و”التروما الجماعيّة”. 

يُمكن تلخيص أبرز النتائج التي توصّل إليها التقرير بأنّ طابع “التحريض” غلب تصريحات رجال السياسة والدين في مواضيع “السياسة والأمن” و”اللجوء” و”الجنسانيّة”، بينما كان الطابع العام الذي غلب على تفاعل الجمهور في التعليقات المستخرجة “التجريح والكراهية”، مع تركّز نسب “التحريض” العالية في الخطاب المتفاعِل مع الأحداث ضمن مواضيع “الجندر” و”اللجوء” و”الجنسانيّة”. 

وتُعزّز هذه النتيجة، حسب التقرير، فرضيّة نجاح السلطة في توظيف “الهلع الأخلاقي” ودفع المجتمع إلى حالة من “الوعي المجتمعي الزائف”. وعرّف التقرير الهلع الأخلاقي اختصارًا  بأنّه الخوف المبالغ فيه من شخص أو مكوّن من مكوّنات المجتمع يعتبر تهديدًا للقيم المجتمعيّة. أمّا الوعي المجتمعي الزائف فعرّفه بأنّه رؤية مشوّهة تتكوّن لدى الطبقات عن العلاقات القائمة في مجتمعها تحجب عنها واقع الاضطهاد والاستغلال.  

ولدى رصد تفاعل الجمهور على منصّات التواصل الاجتماعي مع الأحداث من الفئات الستّ، بيّن التقرير فتورًا لدى الجمهور عمومًا في التفاعل مع القضايا التي تستدعي وعيًا مجتمعيًّا كما في قضايا الفساد المؤسّساتي والمالي وفي قضايا حقوق وأنّ حجم التفاعل الأكبر في موضوع “السياسة والأمن” يظهر في أعقاب الأحداث الأمنيّة التي تشكّل مناسبات للمعلّقين عليها لطرح الخطاب المأخوذ من ذاكرة الحرب اللبنانية. كما أظهر أنّ حجم التفاعل الأكبر في فئتي “اللجوء” و”الجنسانيّة” يتزامن مع تصريحات من قبل رموز سياسيّة ودينيّة، بينما كان التفاعل الأكبر في فئة “الفساد” يلي الأحداث والتصريحات المتعلّقة بملاحقة رموز قضائيّة أو أمنيّة.

خطاب الأمن والسياسة تجريح وكراهية

ركّز التقرير في فئة “الأمن والسياسة” على الأحداث التي تداول فيها جمهور منّصات التواصل الاجتماعي خطابًا طائفيًّا وحزبيًّا. رصد 26 حادثة أخذت منها 8 أحداث كعيّنة، منها اشتباكات الفصائل الفلسطينية في مخيّم عين الحلوة وحادثة انقلاب شاحنة السلاح في بلدة الكحالة والاشتباك المسلّح الذي نتج عنها، وجريمة مقتل شابين في القرنة السوداء في قضاء بشري والعدوان الإسرائيلي على غزّة وتأجيل الانتخابات البلديّة والتحقيق في انفجار المرفأ.

وكانت النسبة الأكبر من خطاب التفاعل مع هذه الأحداث تحمل “التجريح والكراهية” (53% من المرصود يدويًّا و73% من المرصود آليًّا). وهذه النسبة أيضًا كانت الأعلى بين جميع الفئات الأخرى، ما يُعزّز حسب التقرير نفسه فرضّية “التروما الجماعّية” إذ كان واضحًا أنّ الجيل الحالي يقوم وعند كلّ حدث أمني أو سياسي كبير بإعادة تدوير خطاب الكراهية الذي أنتجته الأجيال السابقة.

صمت حيال قتل النساء 

في فئة “الجندر” ركّز التقرير على أحداث تتعلّق بالجرائم والعنف ضدّ النساء. وبرز بالتفاعل معها على منصّات التواصل الاجتماعي خطاب مشكّك في الكثير من الأحيان في أحقّية القضايا النسويّة، فضلًا عن الاختلال في مساواة الأفراد أمام الدولة والقانون وتمسّك المجتمع والنظام الطائفي بهيكليّة أبويّة تسلّطيّة ظالمة للمرأة. هيكليّة تُحابي المرتكب الذكر من خلال السلطات بإعفائه من العقاب أو بعقاب غير متناسب مع الجريمة. كما برز تبرير المجتمع بأغلبه عنف الذكر واعتدائه بذرائع مستمدّة من العادات والتقاليد الاجتماعيّة والدينيّة تحت عناوين حراسة القيم والأخلاق وحماية الأسرة من التفكّك، ما يصبّ مباشرةً في تظهير الوعي المجتمعي الزائف، إحدى الفرضيّات التي طرحها التقرير.

وتمّ في هذه الفئة رصد 19 حادثة أُخذت منها 7 كعيّنات، وطغى فيها خطاب “تجريح وكراهية” (30% من المرصود يدويًا، 66% من المرصود آليًا) وبعده جاء خطاب “التجريح مع التحريض” (36% من المرصود يدويًا 9% من المرصود آليًا). وبدا واضحًا، حسب التقرير، أنّ حجم التفاعل الأكبر في فئة “الجندر” كان مع التصريحات التي أدلى بها عدد من الناجيات من جرائم الاغتصاب التي ارتكبها الأب منصور لبكي، بخلاف الصمت شبه التامّ الذي رافق أغلب الجرائم التي ارتُكبت بحقّ النساء.

وفي فئتي “الجنسانيّة” و”اللجوء” لاحظ التقرير تقاربًا واضحًا في نمط التوزّع الإحصائي لتصنيفات الخطاب، فكانت نسبة خطاب “التجريح مع التّحريض” في التفاعل ضمن هاتين الفئتين الأعلى بالمقارنة مع الفئات الأخرى (27% و61% من المرصود يدويًّا على التوالي)، الأمر الذي يُعزّز فرضيّة خطاب الهلع الأخلاقي ولاسيّما أنّ المتفاعلين على منصّات التواصل الاجتماعي قاموا باستنساخ التحريض عينه الذي تمارسه النخب السياسيّة والسلطة الدينيّة ضدّ فئات من المجتمع باعتبارها “مصدر الآفات الاجتماعيّة والأخلاقيّة”.

وفي الجنسانية مثلًا كان بارزًا شيطنة مجتمع الميم-عين وبثّ نظريّات المؤامرة حول قضايا المثليّة في تقاطع بين رجال السياسة من جهة وبينهم وبين رجال الدين من جميع الطوائف. وبيّن التقرير تأثير هذا الخطاب من خلال هجوم جنود الرب على ملهى”أم” في مار مخايل والاعتداء على مسيرة الحريّات.

أمّا في فئة اللجوء فكان بارزًا تناوب الوزراء والنوّاب والمسؤولين الأمنيّين وممثّلي الأحزاب على تصوير إشكاليّة اللجوء السوري بشكل يكاد يحصر جميع الأزمات الإقتصاديّة والأمنيّة والإجتماعيّة باللاجئين، ممّا يعزّز فرضيّة الهلع الأخلاقي الموظّف خلال العام 2023 في هذا الموضوع لصرف الانتباه عن القضايا المحقّة. 

ورصد التقرير أيضًا أنّ ارتفاع حجم التفاعل المرصود في فئة “الجنسانيّة” وفئة “اللجوء” تزامن مع رصد أحداث في فئة “الفساد” وهو ما قد يكون مؤشّرًا واضحًا على التلاعب المتعمّد من قبل لاعبي النظام الطائفي  بالجمهور، من خلال تصريحات وتحرّكات تخدم الهلع الأخلاقي وتوقظ التروما الجماعيّة بهدف إشغال المواطنين عن قضايا الفساد التي يفترض أن يوليها اهتمامه ومتابعته بهدف محاسبة مرتكبيها.

“الدين” و”الفساد” أقلّ الفئات تفاعلًا 

كانت فئتا “الدين” و”الفساد” من أقلّ الفئات التي تفاعل روّاد التواصل الاجتماعي مع مواضيع مرتبطة بهما. ففي فئة الفساد رصدت الدراسة الأحداث المتعلّقة بالفساد المؤسّساتي والمالي في إدارات الدولة مثل الكشف عن التلاعب في السجلاّت العقاريّة من خلال التزوير ونقل الملكيّة واستملاك المشاعات من غير وجه حقّ والتوظيف في القطاع خلافًا لكلّ القواعد القانونيّة وصفقة تلزيم بالتراضي لمشروع إنشاء مبنى جديد لمطار بيروت. وكان التفاعل مع هذه الأحداث أو المواضيع متدنيًا مقارنة بفئات أخرى. 

وأظهر رصد التفاعل في هذه الفئة أنّ الأغلبيّة من اللبنانيّين يحملون الزبائنيّة السياسيّة في خلفيّاتهم وفي مقاربتهم للوقائع، فعلى الرغم من رصد الكثير من التعليقات التي تنادي بالإصلاح والمحاسبة ومكافحة الفساد انحاز جزء من المتفاعلين على منصّات التواصل الاجتماعي إلى الانتماءات المذهبيّة والطائفيّة عند التفاعل مع مساءلة لرموز سياسيّة نافذة من الطائفة التي ينتمون إليها. ورغم قلّة التفاعل نسبيًا، طغى في هذه الفئة خطاب “تجريح وكراهية” (48% يدويًا، 65% آليًا) وخطاب “تجريح مع تخوين واتهام” (33% يدويًا، 18% آليًا). وكان التفاعل الأكبر في فئة “الفساد” بعد الأحداث والتصريحات المتعلّقة بملاحقة رموز قضائيّة أو أمنيّة، مثل قرار المجلس التأديبي بحقّ النائبة العامّة الاستئنافيّة في جبل لبنان القاضية غادة عون والتجاذبات المرتبطة بملاحقة مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان.

وفي فئة “الدين” كان التفاعل متدنيًا في وقائع أحدثت خلافات ومصادمات في المجتمع تُرجمت إلى سجالات طائفيّة حادّة. الأمر الذي يعزز حسب التقرير فرضيّة توظيف النظام الطائفي كوسيلة للتمييز وليس للتمثيل، بحيث يكون الأفراد وقودًا لتصفية الحسابات السياسيّة. وكان التفاعل الأكبر في هذه الفئة مع قضية الكوميديين حسين قاووق ونور حجار إثر محتوى اُعتبر أنّه يمسّ بالدين.

وهنا كان واضحًا ترافق هذا الشحن الطائفي مع إمعان النظام السياسي الطائفي بقمع الحريّات الفرديّة، من خلال ملاحقة بعض الأفراد والمجموعات بمنهجيّة تعتمد تعميق التعصّب الطائفي وتقوّض ركائز العلمانيّة القاضية بضرورة فصل الدين عن الدولة واستمداد القوانين من القيم الإنسانيّة بصرف النظر عن المعتقدات والقيم والنصوص الدينيّة.

 وغلب على هذه الفئة أيضًا خطاب “التجريح والكراهية”( 54% يدويًا و76% آليًا) مقابل نسب أدنى بشكل واضح في خطاب “التحريض” وخطاب “التخوين والاتّهام” (4% يدويًا و8% آليًّا).

و”مرصـد الطائفية” هو مجموعة عمل أنشأها “اللقاء العلماني” عند إطلاقه في 23-05-2023  مهمّتها الرصد الكمّي والنوعي للخطاب الطائفي ولخطاب الكراهية في المجال العام في لبنان بما في ذلك في وسائل الإعلام التقليدية والبديلة ومنصات التواصل الاجتماعي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، فئات مهمشة ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية