اللبنانيون مهدّدون صحيّاً.. فقدان أدوية ونقص مستلزمات طبية: القطاع الصحي إلى أين؟


2020-07-09    |   

اللبنانيون مهدّدون صحيّاً.. فقدان أدوية ونقص مستلزمات طبية: القطاع الصحي إلى أين؟

ماذا سيحدث لو أنّ مريضاً لم يتمكّن من تأمين أحد أدويته أو أنّ مسنّة وصلت إلى إحدى المستشفيات في حالة حرجة ولم يتمكّن الطاقم الطبي من إسعافها، وماذا لو احتاج طفل أو كبير في السّن إلى عملية جراحية ووقف الطبيب عاجزاً عن إجرائها؟

هذه ليست سيناريوهات متخيّلة أو مستبعدة. فمنذ نهاية العام الماضي، واللبنانيون يعيشون قلقاً مضاعفاً على تأمين طبابتهم، بدأ مع صعوبة تأمين الدولار لاستيراد الأدوات والمستلزمات الطبية للمستشفيات والمراكز الطبية، وما تلا ذلك من نقص في أدوات الوقاية الطبية في زمن فيروس كورونا المستجد، ومن ثمّ انقطاع بعض الأدوية المهمّة في السوق اللبنانية الشهر الماضي. وقد لا يكون آخر أسباب القلق إعلان المستشفيات الخاصة أنها في الأسابيع المقبلة ستقصر عملها على استقبال المرضى الذين يعانون حالات حرجة وطارئة فقط، فيما يعاني اللبنانيون أصلاً صعوبة في تأمين الكلفة المرتفعة لفاتورة الاستشفاء والطبابة.

فمن يراقب تراكم الأزمات وتسارع الانهيارات النقدية والاقتصادية والمعيشية في لبنان منذ نهاية العام الماضي حين خرج آلاف اللبنانيين إلى الشوارع احتجاجاً على تردّي الأوضاع المعيشية، يدرك جيداً أن الآتي سيكون أصعب على كافة القطاعات ومنها القطاع الطبّي.

عذراً مرضى القلب

“عذراً مرضى القلب في لبنان، لم يبق لنا لمساعدتكم إلّا الصراخ”، بهذه الكلمات رفعت جمعية أطبّاء القلب الصوت عالياً إزاء انقطاع أبسط الأدوية من الصيدليات ومنها مدرّ البول، محذرة من أنّ انقطاع هذه الأدوية سيؤدّي إلى ازدياد الدخول إلى المستشفيات بسبب حالات الاختناق وقد يؤدّي أيضاً إلى الوفاة.

صرخة الجمعية، أطلقتها بعد شكاوى عدّة ومتكرّرة من مرضى القلب الّذين عجزوا عن تأمين أدويتهم، في الفترة الماضية، لأنّها غير متوفّرة في الصيدليات. لكن الأخطر، وفقاً للجمعية هو أنّ سبب انقطاع هذه الأدوية هو أنها رخيصة وغير مربحة للمستوردين الّذين يفضلون استيراد الأدوية الأغلى ثمناً بالدولارات التي يؤمنونها. متسائلة: هل على المواطن أن يدفع ثمن الإهمال، والفساد، وغياب الخطط من حياته وصحته؟

في الواقع منذ أكثر من شهر فقدت أدوية أساسية يستخدمها مرضى القلب، من بينها عقاقير مدرّة للبول مثل “لازيكس” Lasix و”بورينكس” Burinex من الصيدليات، والأغرب أنّ الأدوية البديلة (ما يعرف بأدوية الجينيريك) مقطوعة أيضاً.

وفور إطلاق الجمعية صرختها، سارع رئيس نقابة مستوردي الأدوية في لبنان كريم جبارة إلى تفسير ما يجري، مؤكداً أنّ هناك صنفين أساسيين من أدوية القلب مفقودان، الأول أي “لازيكس” يصنّع محليّاً ويعود سبب انقطاعه إلى تأخّر شحنة المواد الأوّلية نتيجة أزمة كورونا، إذ وصلت منتصف شهر حزيران/يونيو وباشر المعمل المختص بتصنيع الدواء المذكور. أما الثاني، وهو “بورينكس”، فيتمّ استيراده عادة، ولكن طرأ تغيير على تركيبته، وهو الآن قيد الدراسة في وزارة الصحة، للموافقة عليه وإعادة تسجيله قبل طرحه في الأسواق، لافتاً في حديث إلى “المفكرة” إلى أنّ هذين الصنفين يشكلان 95% من السوق اللبناني فيما يستأثر الدواء الأول على 80% من السوق، ولهذه الأسباب كان من الصعب إيجاد بديل له بسرعة لسد النقص الحاصل، ولم يكف المخزون لتلبية إستهلاك السوق، فكان هذا الانقطاع.

وأكّد أنّ الدواء الأول أصبح متوفراً في السوق اللبنانية، ومعتبراً أنّ الضجة التي أحدثها بيان جمعية أطباء لبنان، كانت كفيلة لإثارة الهلع لدى كثير من المرضى الّذين سارعوا إلى شراء أدويتهم بهدف تخزينها، وليس الأدوية المذكورة فقط، ما زاد الطلب داخل الصيدليات وفاقم الأزمة.

وقال جبارة إنّ “المسألة شائكة، وهي أبعد من فقدان دواء من السوق بسبب تأخر الشحن أو تسجيل دواء، إذ لطالما حدث ذلك في وقت سابق، لاسيّما أنّ هناك حوالي 5500 دواء مسجل في لبنان، وانقطاع ما بين 1 الى 2% منها أحياناً أمر اعتيادي، ولطالما كان هناك حلّ بديل سواء من الماركة نفسها أو دواء جينيريك محلّها. ولكن ما يحصل في المرحلة الراهنة، هو أنّ الأمور باتت أصعب نتيجة تحويلات مصرف لبنان وفرض تأمين 15% من قيمة الفاتورة بالعملة الأجنبية وانتشار فيروس كورونا المستجد ومشكلة تأمين السيولة، ما يتسبب بفقدان الأدوية بعض الأحيان. 

من هنا ينطلق جبارة ليقول “إنّنا نمر بمرحلة دقيقة لكن الوضع لا يزال تحت السيطرة، ولا داعي للهلع”. إلّا أنّ هذه الجملة تحديداً، كفيلة بأنّ تثير قلق كثير من اللبنانيين الّذين لديهم تجارب سابقة معها، في حين أنّ تبديد قلقهم يكون بأن يلتمسوا توفّر الأدوية في الصيدليات.

ولكن في المقابل أكّد عدد من أطباء القلب ممن تواصلت معهم “المفكرة” أنّ الأدوية غير متوفرة ومتاحة للمرضى بعد، وقال طبيب القلب محمد نصار لـ”المفكرة” إنّ “الأدوية لا تزال قطوعة، ولا أدوية بديلة عنها في الصيدليات حتى الآن، بعد أنّ انقطع أيضاً البديل الكندي والإيطالي”، وهذا ما يؤكده مرضى القلب لديه، وعدد من الصيدليات التي تواصل معها شخصياً.

ويضيف نصار أنّ “انقطاع هذه الأدوية تزامن مع انقطاع عدّة أدوية، وجميعهم من نفس السعر، ما يطرح علامات استفهام كثيرة حيال هذا الموضوع”، متسائلاً عن “سبب عدم انقطاع الأدوية المرتفعة الثمن، والتي لا يتمكّن غالبية المرضى في لبنان من شرائها، وهم اليوم متروكون لقدرهم، ما يدعو للعجب”.  

فرضيات محتملة

ثمة شبه إجماع على وجود سببن أساسيين وراء انقطاع أو فقدان بعض الأدوية من السوق اللبنانية، وبالتالي من الصيدليات، الأوّل أتى على لسان عدد كبير من الأطباء الّذين اتهموا مستوردي الأدوية بعدم استيراد هذه الأدوية لأنها رخيصة (5 و9 آلاف) فيما يفضلون استيراد أدوية مرتفعة الثمن وبالتالي تؤمن لهم ربحاً وفيراً، والثاني هو وجود شبكة من المستوردين سحبت كميات كبيرة من الأدوية المسّعرة وفق سعر الصرف الرسمي (1515 ليرة مقابل الدولار الواحد) لتعيد بيعها خارج لبنان بالدولار وبالتالي تستثمر في أزمة سعر الصرف على حساب صحة المواطنين.

وفي هذا السياق، نفى جبارة أنّ يكون للسعر علاقة بانقطاع الأدوية، بدليل أنّ 90% من الأدوية في الصيدليات أسعارها منخفضة، وهو أكد أنّ الأدوية الرخيصة مدخولها أقل من كلفتها. فهل يعقل أن يقبل التجّار بمعادلة لا ربح مقابل استيراد الدواء؟

وكان رئيس لجنة الصحة والعمل والشؤون الاجتماعية النائب عاصم عراجي قال إثر جلسة للجنة عقدت في 18 حزيران/يونيو الماضي، “الخوف كون الدواء يصل إلى لبنان بالسعر الرسمي للدولار الذي هو 1517 والخوف أن تكون هذه الأدوية تعود وتصدّر إلى الخارج، وهذا ما أسمعه، بأسعار أغلى وهو أمر غير مقبول، نحن نشجّع الصّناعة الوطنية لأننا نوفر بالتالي الدولار”.

وأكد نصار أنّ ما يشاع عن توفّر الأدوية في الصيدليات عار عن الصحة، ومختلف جداً عمّا يجري على أرض الواقع، متمنيّاً أنّ يكون المستوردون في موقع المظلوم فيما يخصّ الاتهامات المذكورة وأن يتم تأمين الدواء في وقت قريب.

ويقول أحد أصحاب الصيدليات لـ”المفكرة” أنّه بدأ باستلام هذه الأدوية ولكن بكميات قليلة جداً، وحجّة الموزعين في ذلك، أنّ هناك طلب كثيف على هذه الأصناف. علماً أن تصنيع “لازيكس” يتمّ في لبنان، فلماذا لا تلبّى حاجة السوق، وماذا عن دور الدولة في تأمين الحماية للمرضى، لاسيّما الفقراء منهم.

وزارة الصحة تستبعد التهريب

وفي هذا السياق، تؤكد مصادر وزارة الصحة لـ”المفكرة” أنّه “تمّ تصنيع ما يقارب 200 ألف علبة من دواء “لازيكس” محلياً، وتمّ تسليمها إلى الموزّعين” وبالتالي يفترض أن يكون قد توفّر في الصيدليات.

وبحسب المصادر، تعتبر هذه الكمية كبيرة بالنسبة إلى حاجة السوق، إلّا أنّ عدم التماس الناس والأطباء توافر الدواء في الصيدليات، يعود الى التهافت الكبير على شراء الأدوية وتخزينها.

وهنا تلفت الوزارة، إلى ضرورة تنبّه الناس إلى صلاحية الدواء التي تنتهي في حال تخزينها لفترة طويلة وتصبح غير صالحة، مؤكّدة أنّ الدواء المصنّع محلّياً سيكون متوفراً دائماً.

أما بالنسبة إلى الأدوية الأخرى، وخوف الناس من انقطاعها، تقول المصادر إنّ “الناس تهافتت على شراء الأدوية من الصيدليات خوفاً من انقطاعها، علماً أننا في الوزارة أمنّا كميات كبيرة من المخزون في زمن كورونا تحسّباً لأي تأخر أو انقطاع للأدوية، وانتهت الأزمة العالمية من دون أن تنقطع الأدوية التي تمّ تخزينها”.

في المقابل، تعتبر المصادر أنّ فرضية التهريب واردة ولكنها مستبعدة، إذ إنّ الوزارة اتخذت قراراً بمنع حمل المسافر سوى حاجته من الدواء عبر المطار إلى خارج لبنان، لافتةً إلى أنه في حال كانت الغاية من تهريب الدواء الرخيص الحصول على دولارات فإنّ فرضية تهريبه إلى سوريا أيضاً مستبعدة، إذ إنّ الدفع سيكون غالباً بالليرة السورية وليس بالدولار.

المستلزمات الطبية

على الصعيد الاستشفائي، بدأ القلق من احتمال نقص بعض المستلزمات والأدوات الطبية في المستشفيات، حين بدأ بعضها بخفض عدد مرات غسل الكلى لبعض المرضى وتقنين العمليات الجراحية والاكتفاء بإجراء الضروري والطارئ منها بسبب نقص المخدر (البنج) والغازات الطبية إضافة الى أدوات طبية أخرى.

وتضاعف خوفهم مع إعلان نقيب المستشفيات الخاصة سليمان هارون، الثلاثاء في 7 تموز “إننا مرغمون على حصر استقبال الحالات الطارئة فقط في المستشفيات، لاسيّما غسل الكلى والعلاج الكيميائي والحالات التي تهدد حياة المريض” وهذا التدبير سيكون في المرحلة المقبلة وهي مرحلة أولى (أسبوعان أو ثلاثة) وهي الفترة التي منحتها المستشفيات للمعنيين في السلطة من أجل تدارك هذا الوضع، تليها خطوة إقفال المستشفيات ما عدا حالات غسل الكلى وعلاج السرطان.

واوضح هارون في مؤتمره الصحافي أنّ “نسبة الإشغال انخفضت إلى 50% وربما أكثر، بسبب أزمة كورونا وعدم استقبال جميع المرضى في المستشفيات”، قائلاً: إنّ “مشاكل مستشفيات لبنان مرتبطة بأمرين: عدم دفع مستحقاتها والزيادة الجنونية لكلفة الاستشفاء” مشيراً إلى “نقص خطير في المستلزمات الطبية وقرب نفاد مواد طبية متعددة”.

ورداً على ما تم تداوله عن احتمال انقطاع مادة البنج، قال هارون إن “المشكلة كانت في احتمال انقطاع الغازات الطبية التي تستخدم في البنج، والتي أصبحت مدعومة من قبل المصرف المركزي بعد أن علت صرخة المستشفيات، وبالتالي لا خوف راهناً فيما يخص مسألة البنج نفسها”.
إلّا أنّه أعرب عن خشيته في الوقت نفسه من أيّ طارئ ليس في الحسبان.

فبحسب هارون، القطاع الاستشفائي في لبنان، على موعد يومي مع مشاكل طارئة، طالما يمرّ البلد بهذه الظروف الصعبة. ويقول إنّ “إنعكاسات الأزمة النقدية والمالية في البلاد على القطاع الإستشفائي تفاقمت وربما أصبحت أسوأ في هذه الفترة مقارنة مع الفترات السابقة. ولا يمكن لأزمة هذا القطاع أنّ تحل إلّا حين تنتهي الأزمة المالية في لبنان”.

ويعدد هارون الصعوبات التي تواجه القطاع راهناً، قائلاً: “المشكلة معقدة. أولاً، إنّ دعم استيراد المستلزمات الطبية لا يلبّي كلّ الطلبات، وبالتالي المستوردون يستوردون ربع الحاجة الفعلية للمستشفيات. ثانياً، إنّ المستلزمات مدعومة بنسبة 85% من كلفة إستيرادها فيما يؤمن المستوردون الـ15% المتبقية من السوق السوداء والتي وصل فيها الدولار إلى تسعة آلاف ليرة لبنانية، وبالتالي باتت أسعار هذه المستلزمات تفوق السعر الرسمي المحدد في اللائحة الطبية للجهات الضامنة بـ60 أو 70%، وهذا ما لا يمكن للمستشفيات أنّ تتحمله. وأخيراً، أصبحت أسعار قطع غيار المعدّات مضروبة بـ6 أو 7 مرات ولا تستطيع المستشفيات تصليح أيّ عطل أو تأمين الدولار للوكيل من أجل طلبها من الخارج.

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، الحق في الصحة والتعليم ، تحقيقات ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *