اللاّمركزيّة: خطوات أولى متثاقلة في مسار طويل الأمد


2020-03-31    |   

اللاّمركزيّة: خطوات أولى متثاقلة في مسار طويل الأمد

على خلاف مواضيع أخرى كالحقوق والحريات والنظام السياسي وعلاقة الدين بالدولة، لم تطرح اللامركزية خلافات تذكر عند صياغة الدستور. اليوم وبعد سنوات من تكريس اللامركزيّة في الباب السابع من الدستور كخيار للتنظيم الإداري للبلاد التونسيّة، يتصاعد نسق النقاش والتقييم وتختلف السرديّات المعتمدة من قبل المهتمّين بالشأن المحلّي: بين مناوئ يعتبر أنّ اللاّمركزيّة خطأ تشريعي وخيار غير متبصّر من شأنه أن يضرب في العمق كيان الدولة ووحدتها خصوصا أمام ضعف الاستقرار الذي تشهده المجالس البلديّة وضيق ذات اليد، وبين مساند يرى في اللاّمركزيّة مطلبا ثوريا جسّدته شعارات ثورة 17 ديسمبر-14 جانفي 2011 من خلال المطالبة "بالحدّ من التفاوت بين الجهات والتقسيم العادل للثروات".

في خضم السرديّات المتباينة، أخذ المسار اللامركزي في تونس يتبلور من خلال تعميم التراب البلدي والمصادقة على مجلّة الجماعات المحليّة وصولا إلى انتخابات 6 ماي 2018 وتركيز المجالس البلديّة وانطلاقها في تسيير الشأن المحلّي. تسيير لا يخلو من التحدّيات والعثرات وتنازع الاختصاصات. كيف لا وسقف الانتظارات عال والضبابيّة تحيط بإرساء هذا المسار. نحاول من خلال هذه الورقات بسط حصيلة المسار اللامركزي خلال السنوات الخمس الماضية، مسار يتقدّم بخطى متثاقلة نرجو أن تكون ثابتة.

 

"دستور" الجماعات المحليّة: مخاض تشريعيّ عسير ومتسرّع

منذ دسترة الخيار اللامركزي صلب الباب السابع من الدستور، شرعت الوزارة المكلّفة بالشؤون المحليّة -وزارة الداخليّة حينها-في إطلاق استشارة وطنيّة حول مشروع قانون الجماعات المحليّة وذلك منذ موفى سنة 2015، حيث كان من المفترض أن تجري الانتخابات البلديّة في أكتوبر 2016. كانت هذه الاستشارة الوطنية، رغم هنّاتها "فرصة" لإعادة النظر في مسودة القانون التي أوكلت صياغتها لمجموعة من الخبراء من المهتمين بالشأن المحلّي. وأفضت هذه الاستشارة إلى إيداع مشروع مجلّة الجماعات المحليّة في 5 ماي 2017 وذلك في إثر تأجيل الانتخابات البلديّة مرّتين. تولّت لجنة تنظيم الإدارة والقوات الحاملة للسلاح مهمة النظر في مشروع القانون خلال جوان 2017؛ وقد انقسمت الآراء خلال العهدة البرلمانية الفارطة بين مؤيّد للامركزية كتنظيم إداري للبلاد يسمح بالحدّ من التفاوت بين الجهات والنهوض بالمناطق المهمشة، وبين رافض "محتشم" لهذا الخيار الدستوري باعتباره سبيلا لتفكيك الدولة التونسية وتكريسا "للامركزية الفساد".

وبغض النظر عن المواقف المتباينة من التصور اللامركزي الذي كرسه الدستور التونسي، عرفت مجلة الجماعات المحليّة مخاضا عسيرا صلب اللجنة المكلفة بالنظر فيه مرورا بلجنة التوافقات وصولا للنقاش خلال الجلسات العامة. حيث ولئن استغرق النظر في مجلة الجماعات المحليّة ما يناهز العشرة أشهر (13 جوان 2017-26 أفريل 2018)[1] فانّ هذا المسار التشريعي لاح متعثرا من جهة ومتسرعا من جهة أخرى. فقد بدا المشرع مسكونا بهاجس المصادقة على المشروع قبل إجراء الانتخابات البلديّة، مما جعل عديد النقاط الخلافية تطرح أمام النواب من دون الفصل فيها الا في اللحظات الأخيرة قبل المرور إلى الجلسات العامة الأخيرة[2]. ولعلّ أبرزها مسألة التفرّغ التي لا زالت تلقي بظلالها على المجالس البلدية. وقد خضعت هذه النقطة على غرار نقاط أخرى لمفاوضات سياسية ضيّقة ومن دون نقاش عميق في الأصل، ممّا يفسر بقاءها حتى اليوم محل خلاف سياسي بين مؤيد ومعارض، وواقع متمثل في رؤساء بلديات غير متفرغين متشبثين بالرئاسة.

مسار النظر في "دستور الجماعات المحليّة" على عسره، أفضى إلى المصادقة عليه في 26 أفريل 2018 في إثر الشروع في الحملة الانتخابية، فتنافس المتنافسون على المقاعد البلديّة من دون الإلمام بالإطار القانوني المنظم لعملهم أو الصلاحيات المعهودة لهم. ولئن كانت الخطوط العريضة للمجلة واضحة منذ عرض المشروع على الاستشارة الوطنيّة وبدء النظر فيه صلب مجلس النواب، فإن العديد من التغييرات قد طرأت على النص الأصلي. فلا تفوتنا الإشارة إلى أنّ النسخة المصادقة عليها هي النسخة الثامنة عشرة من القانون وأن الفائزين بعضوية المجالس البلدية لم يخوضوا المعترك الانتخابي وهم على بيّنة من القانون المنظم لعملهم وهو ما يفسر كثرة النزاعات التي عرضت أمام الدوائر الجهويّة للمحكمة الاداريّة في سياق تركيز المجالس البلديّة.

 

بين الحسابات السياسيّة والاستحقاقات المحليّة

يوم 6 ماي 2018 توجّه التونسيون والتونسيّات لصناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم على المستوى المحلي في انتخابات كانت الأولى من نوعها بعد الثورة. انتخابات شهدت تأجيلا متكرّرا حيث كان من المزمع اجراؤها في 30 أكتوبر 2016، ثمّ أجّلت ليوم 17 ديسمبر 2017 وتم أرجاؤها مرة ثالثة ليوم 25 مارس 2018، لتتم في نهاية المطاف يوم 6 ماي 2018 بمشاركة هي الأضعف منذ أكتوبر 2011. فلم تتجاوز نسبة الناخبين 35% من جملة المسجّلين[3]. وقد مثّلت النتائج التي أفضت إليها الانتخابات البلدية منعرجا هاما في المشهد السياسي التونسي حيث شهدنا صعود قوّة جديدة ألا وهي القائمات المستقلّة والتي، لو جاز تجميع نتائجها، لتصدرت الترتيب تليها حركة النهضة وحركة نداء تونس في مرتبة ثالثة. وقد جاءت نتائج الانتخابات الجزئية البلدية التي شملت 10 بلديات حتى الآن، جازمة مؤكدة "ظاهرة" صعود المستقلّين كقوّة أولى على المستوى المحلّي حيث تمكن هؤلاء من نيل المرتبة الأولى في معظم البلديات المنحلة[4].

وقد كانت الانتخابات البلدية لسنة 2018 فرصة للأحزاب السياسية للتحضير للإنتخابات التشريعية المنعقدة في 2019 ولقياس مدى تغيّر موازين القوى في السنوات الأربع اللاحقة لآخر انتخابات برلمانية -أكتوبر 2014-. ورغم أن تراجع الثقة في الأحزاب الكبيرة تأكد في الانتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019، إلا أنّ المستقلين لم يتمكنوا من التحصل سوى على 7 مقاعد برلمانية. وهذا المعطى إنما يؤكد تفرّد السياق المحلي بخصائص تميّزه عن السياق المركزي حيث ينزع الناخب المحلي إلى التصويت لأشخاص يعرفهم شخصيّا ويثق فيهم، وذلك على عكس منطق التصويت في الانتخابات التشريعية الذي تغلب عليه النزعة الحزبيّة أو الايديولوجيّة.

 

الاستقالات تعصف بالمجالس البلديّة المنتخبة

بضعة أشهر من العمل البلدي كانت كفيلة لتطفو على سطح الساحة السياسية المحلية "ظاهرة" الاستقالات بشتى أنواعها: استقالات متزامنة لأغلبية الأعضاء، استقالات رؤساء البلديّات، استقالات جزئيّة متزامنة، استقالات فرديّة وسحب الثقة من رؤساء البلديات.

ولعل أبرز أنواع الاستقالات التي شهدتها المجالس البلدية تتمثل في الاستقالة المتزامنة لأغلبية الأعضاء والتي بدأنا نشهدها منذ الأشهر الأولى لتركيز المجالس البلدية. وتجدر الإشارة إلى أن الاستقالة المتزامنة لأغلبية الأعضاء هي أخطر أنواع الاستقالات باعتبارها تقتضي انحلال المجلس البلدي المعني ويترتب عنها كلفة سياسية وانتخابية باهظتان. وقد مثّلت هذه الاستقالات عاملا من عوامل زعزعة ثقة المتساكنين والمتساكنات في المجالس البلدية على وجه الخصوص وفي المسار اللامركزي عامّة. وفيما أن الاستقالات المتزامنة بما ترتبه من مفاعيل امكانية تصوّرها القانون بمقتضى الفصل 205 من مجلة الجماعات المحلية[5]، إلاّ أنه تناولها كحل أقصى. فلم يكن في نيّة المشرّع حينها أن يتم اللجوء اليها بهذه السرعة الفائقة وأن تكون أداة لتصفية حسابات سياسية أو لقياس شعبية أحزاب صاعدة حديثا. ومن المهمّ في هذا السياق الإشارة إلى غرابة تكريس هذه الامكانيّة القانونيّة: فقد أباح المشرّع انحلال الجماعات المحليّة -على خطورته وفداحة نتائجه- بمجرّد توفر أغلبية بسيطة (50 زائد 1) من أعضاء المجلس البلدي وفي المقابل ضيّق الخناق على محاولات سحب الثقة من رؤساء الجماعات المحليّة -المنتخبين بطريقة غير مباشرة من قبل أعضاء المجالس-من خلال اشتراط توفير أغلبيّة معزّزة تساوي ¾ الأعضاء[6]. فكأنّنا بالمشرّع يولي أهمية أكبر للحفاظ على استقرار رئاسات الجماعات المحلية منه على استقرار المجالس في مجملها.

حتى اليوم، تعلّق هذا النوع من الاستقالة ب 25 مجلسا بلديا، عدل 12 مجلسا عنها. وفيما أجريت في 10 بلديات انتخابات جزئية اتّسمت بضعف إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، وأفرزت نتائجها تغير موازين القوى لصالح المستقلين وحركتي النهضة وتحيا تونس، ما برحت 3 مجالس بلدية تنتظر انتخابات جزئية في موفّى شهر مارس المقبل. ولئن اختلفت الخصائص السياسية والاجتماعية والمالية لهذه البلديات، فقد اجتمعت أغلبها على أن الاستقالة تعود أساسا إما لتفرّد الرئيس(ة) بالرأي أو لانعدام الثقة واستحالة التواصل معه(ا)[7].

هذا النوع من الاستقالات ليس الوحيد الذي يهدد استقرار المجالس البلدية، حيث شهدت البلديات استقالات في صفوف رؤسائها ورئيساتها بلغ عددها 31 استقالة. وتعود أسباب الاستقالة أساسا لعدم تفرّغ رؤساء البلديات والى استحالة إيجاد أرضية ملائمة للعمل مع المجلس البلدي[8]. عادت بذلك مسألة التفرّغ إلى طاولة النقاش. فعلى الرغم من كون المشرّع قد انتهج خيار التفرّغ التام للعمل البلدي بالنسبة للرؤساء، ظهرت عديد حالات الجمع الموجبة للإعفاء أو الاستقالة بصفة طوعية من الرؤساء. في نفس السياق، شهدت 8 بلديات حالات سحب ثقة من رؤساء البلديات والتي تعود كلها لسبب وحيد ألا وهو تفرّد الرئيس بالرأي واستحالة العمل المشترك[9]. وهذا الأمر إنما يكشف عن ظاهرتين: أولاها التصوّر الكلاسيكي لدور رئيس البلديّة المتفرّد بمفاتيح الحكم المحلّي وتهميش المقاربة التشاركية في تسيير الشأن البلدي وثانيها عدم استقرار المجالس البلديّة وضعف التوافق بين أعضائها.

إنّ تواتر الاستقالات، على اختلاف أنواعها وأسبابها يطرح نقاط استفهام متعددة يتعلق بعضها بمدى فهم أعضاء المجالس البلدية لمهمتهم في النهوض بالشأن المحلي وتشبّعهم بالتصور اللامركزي بجميع تحدياته ومقتضياته، وكذلك بمدى صحة بعض الخيارات التشريعية، كواجب التفرغ أو اشتراط أغلبية ثلاثة أخماس لسحب الثقة من رئيس البلدية، وأغلبية أقل منها لانحلال المجلس البلدي عبر الاستقالة الجماعية، دون أن ننسى تأثيرها على مشاركة المتساكنين والمتساكنات واهتمامهم بالعمل البلدي، خصوصا أن أزمة الثقة تزداد عمقا يوما بعد يوم على المستوى الوطني كما المستوى المحلّي، وهو ما يظهر من خلال ضعف الإقبال على الجلسات البلديّة.

 

إطار تشريعي ومؤسساتي منقوصان

منذ بداية مسار إعداد مجلة الجماعات المحلية، يتحدّث الجميع عن اللامركزية كمسار طويل سيمتدّ على 27 سنة. سرديّة قدمتها وزارة الشؤون المحلية والبيئة وتبناها كل المهتمين بالشأن المحلّي. الكلّ يدرك الفترة التي سيستغرقها المسار باعتباره مسارا تدريجيا لكن لا أحد يدرك كنهه. في الواقع، لم تصدر حتى اليوم الوثيقة الاستراتيجية "المنتظرة" التي تضبط ملامح إرساء اللامركزية إلى تونس وكيفية القيام بذلك رغم تأكيد ممثلي الحكومة مرارا على وجود هذه الوثيقة واقتراب موعد نشرها للعلن.

يبقى مسار اللامركزيّة أعرج على المستوى التشريعي. فلئن تمت المصادقة على قانون محكمة المحاسبات في بداية السنة الفارطة إلى جانب مجلة الجماعات المحليّة في 26 أفريل 2018، فإن الأوامر التطبيقية لهذا القانون وعددها 38، يتعلّق 28 منها بالبلديّات، لم يصدر منها حتى اليوم سوى 11 أمرا حكوميا فقط. هذه الأوامر كان من المفترض، حسب الأحكام الانتقالية لمجلة الجماعات المحلية، أن تصدر في أجل أقصاه 15 فيفري 2019-أي منذ سنة تقريبا-وحتى اليوم تجد وزارة الشؤون المحلية الأعذار لتبرير هذا التعطيل ملقية إياه تارة على المحكمة الإدارية، وطورا على المصالح الحكومية وأحيانا على المقاربة التشاركية التي تقتضي وقتا طويلا لصياغة نصوص توافقيّة.

كما تبقى مسألة تنظيم اللا-محورية، الوجه الآخر للامركزية، معطّلة حتى اليوم. فقد تمّ بمقتضى مجلّة الجماعات المحليّة تنظيم الصلاحيات الخاصة بالجماعات المحلية المنتخبة، من دون أن يتمّ التطرّق إلى التصوّر الجديد لممثلي السلطة المركزية في ظلّ النظام اللامركزي. فحتى اللحظة، تطرح مسألة تنظيم صلاحيات الولاة دون إدراك الوعاء القانوني للمسألة أو التصوّر الاستراتيجي لها. ولا يقتصر تعثر استكمال الإطار القانوني على الأوامر الحكومية والقانون المنظم للا-محورية بل يمتدّ ليشمل وجوب المصادقة على مجلّة القضاء الإداري للخروج من الفترة الانتقالية التي تمّ بمقتضاها إحداث دوائر جهويّة للمحكمة الإدارية، باعتبارها لاعبا أساسيا في فصل النزاعات المتعلّقة بالجماعات المحلّة، والتوجه فعليا نحو لامركزية القضاء الإداري. كذلك الأمر فيما يتعلق بتنقيح مجلة التهيئة والتعمير، مجلة الجباية المحلية وغيرها من القوانين المؤطّرة للامركزية.

وعليه، فانّ دور المجلس التشريعي الجديد في استكمال الإطار القانوني للامركزيّة يلوح جوهريّا، كما سيكون دوره محدّدا في رسم ملامح الاستراتيجيّة الوطنية لدعم مسار اللامركزية حيث ينصّ الفصل 66 من مجلّة الجماعات المحليّة على أنّ المجلس يصادق في السنة الأولى من المدّة النيابيّة على خطّة لبرنامج دعم اللامركزيّة وتطويرها بناء على مقترح من الحكومة. كذلك الأمر بالنسبة لنظره سنويا في تقييم مدى تقدّم إنجاز اللامركزية.

على غرار الإطار التشريعي الذي يتقدّم بخطى متثاقلة، شهد الإطار المؤسساتي للامركزية بعض التقدم من خلال إنشاء الهيئة العليا للمالية المحلية والهيئة العليا للتكوين، وإحداث اثنتي عشرة دائرة جهوية للمحكمة الإدارية. إلاّ أنّ احداث اللجنة الجهويّة للحوار الاقتصادي والاجتماعي والمجلس الأعلى للجماعات المحليّة -الهيكل الاستشاري الجامع لأصناف الجماعات المحلية- يبقى غير ممكن في ظل غياب تحديد تاريخ إجراء الانتخابات الجهويّة المقبلة. في المقابل، أقرّ مجلس وزاري مضيّق[10] جهة سيدي بوزيد كمقرّ لهذا المجلس وذلك مراعاة لاعتبارات رمزيّة بعدما قام مجلس النوّاب السابق بترحيل النقاش حول المقرّ إلى الحكومة في إثر محاولات متكرّرة لتسييس المسألة واستعمالها في مزايدات انتخابيّة.

من جهة أخرى، يطرح استكمال أصناف الجماعات المحليّة الأخرى من جهات وأقاليم تساؤلات عدّة. حيث لا توجد أي إجابة واضحة حول موعد إجراء الانتخابات الجهوية القادمة والتي سيتوجه خلالها التونسيون والتونسيات إلى صناديق الاقتراع لتركيز مجالس تسعى لتحقيق التنمية الشاملة على المستوى الجهوي. وتتسم المسألة بضبابية أكبر فيما يتعلّق بالأقاليم: فلئن تم تحديد الجهات بوصفها جماعة محلية لامركزية منفصلة تماما عن الولاية وتمارس صلاحياتها وفق مبدأ التدبير الحرّ، فإنّ احداث الأقاليم وتقسيمها الترابي بقي حتى اللحظة موضوعا غير مطروح للنقاش العامّ وتبقى الانتخابات المتعلّقة به -وهي انتخابات غير مباشرة- رهينة انتخاب المجالس الجهويّة وتركيزها.

 

جماعات محلية منتخبة… بأيّ إمكانات؟

تعدّ الموارد المالية والبشريّة العماد الأساسي الذي يرتبط به إنجاح المسار اللامركزي، حيث من غير الممكن تصور جماعات محليّة مضطلعة فعليّا بدورها في التنمية المحليّة وتحسين جودة حياة المتساكنين والمتساكنات دون توفر إطار بشري مكتمل التكوين والكفاءة. وهو ما يمثّل اليوم أكبر التحدّيات التي تواجهها البلديات حيث لا تتجاوز نسبة التأطير 11% من مجموع الأعوان والموظفين البلديين، كما لا تزال البلديّات وجهة غير جاذبة للكفاءات والخبرات التي من شأنها إكساء الجماعات المحليّة إشعاعا محليّا. كما أن وزارة الشؤون المحليّة والبيئة ما زالت متقاعسة عن تنفيذ وعودها التي عرضت في موفّى 2018 أمام البرلمان[11] والمتعلّقة بتكوين الأعضاء البلديّين بالإضافة إلى انتداب الإطارات والانكباب على تكوينهم، دون أن يتمّ تقديم حصيلة رسميّة واضحة لإنجازها حتى اليوم.

كذلك، تبقى المجالس البلدية مكبّلة من حيث الموارد المالية بدرجات متفاوتة. فعلى الرغم من تطوّر الدعم المالي للبلديّات من قبل الدولة خلال السنوات القليلة السابقة (بنسبة 9% خلال 2019-2020)، فإنّ الأصوات البلديّة المطالبة بمزيد دعم الموارد للاستجابة للمتطلّبات المحليّة ما تزال تتعالى. هذا وقد انتهجت الحكومة خلال سنة 2019 "حلا" لدعم الموارد الماليّة تمثّل في عفو جبائي عن الأداءات البلدية إلى حدود سنة 2016، بمجرد دفع أداءات سنوات 2017 و2018 و2019. وقد ضخّت هذه الخطوة حسب تصريحات ممثلي الحكومة 76 مليون دينار إلى خزينة البلديات. وفي سياق متّصل، يبقى الدعم المالي خاصة بالنسبة للبلديات ذات الموارد الضعيفة مرتبطا إلى حد ما بإنشاء صندوق دعم اللامركزية والتعديل والتضامن باعتباره أداة تهدف لتحقيق التوازن المالي للبلديّات الأقلّ حظا وتحسين ظروف عيش المتساكنين والمتساكنات بناء على مبدأ التمييز الإيجابي.

سنوات معدودات منذ الانطلاق في التجربة اللامركزية في تونس وأكثر من سنة ونصف منذ تولّي المجالس المنتخبة دفة الحكم المحلّي، كانت كفيلة بإسراع البعض في الجزم بأن هذه التجربة أثبتت فشلها. تقييم سابق لأوانه ومجانب للصواب في حقّ مسار طويل المدى في إرسائه وإنتاج ثماره. ما يمكن تأكيده اليوم هو أنّ البلديات التونسية لا تزال تتلمس طريقها نحو إرساء النظام اللامركزي. مسار يتقدم بخطى بطيئة في مجملها ولا تزال بعيدة عن الاستجابة لانتظارات المتساكنين والمتساكنات وتغيير حياتهم بصفة ملموسة. إلا أنّ التحديات التي تواجهها البلديات اليوم تتجاوز الإطارين القانوني والمؤسساتي غير المكتمليْن، كما تتجاوز عدم الاستقرار الظرفي في تركيبة المجالس البلدية ومسألة التمويل. حيث تُطرح اليوم من أعلى هرم السلطة "تصورات جديدة" للنظام اللا-مركزي لا ندري إن كان واقع البلديات، التي لم يشتد عودها بعد، يحتملها، وإن كانت فعلا سبيلا أنجع للاستجابة إلى انتظارات الشعب التونسي.

 

  • نشر هذا المقال في العدد 17 من مجلة المفكرة القانونية | تونس |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه:

انتخابات بطعم الثورة أو زهوة انتخابات لم تدُم طويل

 


[1] حسب المعطيات الواردة بموقع مرصد مجلس-مشروع منظمة البوصلة.

[2] محمد أنور الزياني، مجلة الجماعات المحلية في تونس: عودة إلى النقاشات النيابية حولها، المفكرة القانونية، أكتوبر 2018.

[3] حسب موقع الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات.

[4] التقرير السنوي حول تقدّم إرساء مسار اللاّمركزيّة، جانفي 2020، منظّمة البوصلة، ص 37.

[5] ينصّ الفصل 205 من مجلّة الجماعات المحليّة على أنّه "… ينحلّ المجلس البلدي بالاستقالة الجماعيّة أو بالاستقالة المتزامنة لأغلبيّة أعضائه التي توجّه الى الوالي المختصّ ترابيّا."

[6] ينصّ الفصل 255 من مجلّة الجماعات المحليّة على أنّه " بناء على لائحة معلّلة يمضيها نصف أعضاء المجلس البلديّ على الأقلّ، للمجلس أن يسحب الثقة من رئيسه بأغلبيّة ثلاثة أرباع الأعضاء…".

[7] التقرير السنوي حول تقدّم إرساء مسار اللاّمركزيّة، جانفي 2020، منظّمة البوصلة، ص 38.

[8] التقرير السنوي حول تقدّم إرساء مسار اللاّمركزيّة، جانفي 2020، منظّمة البوصلة، ص 46.

[9] التقرير السنوي حول تقدّم إرساء مسار اللاّمركزيّة، جانفي 2020، منظّمة البوصلة، ص 47.

[10] انعقد في 6 أوت 2019 تحت إشراف رئيس الحكومة يوسف الشاهد.

[11] خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2019، تم الاستماع لوزير الشؤون المحليّة والبيئة في جلسة انعقدت في 27 نوفمبر 2018.

 

انشر المقال

متوفر خلال:

تونس ، مجلة تونس ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *