القوى السياسية تتصارع قضائيا في تونس: ضغط على قضاء لم يتعاف بعد، وعوائق أمام ثقافة التسامح والاختلاف


2013-07-19    |   

القوى السياسية تتصارع قضائيا في تونس: ضغط على قضاء لم يتعاف بعد، وعوائق أمام ثقافة التسامح والاختلاف

دفعت فوبيا تمرد مصر رئاسة الجمهورية التونسية لإيداع شكاية لدى وكالة الجمهورية بالمحكمة الابتدائية بتونس ضد كل من يدعو للتمرد على السلطة القائمة، بعد أن اعتبرت رئاسة الجمهورية دعوات استنساخ المثال المصري تحريضا على قلب النظام وارتأت أن القضاء يظل صاحب الاختصاص في محاسبة الضالعين فيها. ويلاحظ بداية أن توجه أعلى سلطة في الدولة للنيابة العمومية لمواجهة خطاب سياسي قدرت تطرفه ومخالفته للقانون ينسجم بالكامل مع مزاج عام ميز الساحة السياسية بمختلف أطيافها. فقد اعتاد السياسيون في تونس خلال هذه الفترة ان ينظروا في خطب وتصريحات خصومهم بحثا عما يصلح سندا ليطالبوا بموجبه بمحاكمتهم تحت عناوين التحريض على العنف والدعوة الى الكراهية.
تبدو رقابة القضاء على حسن احترام القانون نظريا مسألة بديهية بما يبرر التوجه ويدفع للقول بكون التجاء السياسيون للقضاء للمطالبة بتتبع من يخالف اصول العمل السياسي من دلائل تمسك النخبة بدولة القانون ومؤشرا على صدق توجههم نحو الاعتراف بالقضاء كحام للحريات من كل تعسف. كما أن التمييز بين حرية التعبير ودعوات التحريض على العنف والتعصب يعتبر من أساسيات تخليق العمل السياسي التي تضمن حماية التجربة الديموقراطية من أعدائها الذين قد يستغلون فضاء الحرية الذي توفره ليتآمروا عليها.
دفع وقع تمرد مصر رئاسة الجمهورية التونسية لإيداع شكاية ضد كل من يدعو للتمرد كما ادى ذات حديث التمرد بشخصيات حقوقية لإيداع شكاية مماثلة ضد رئيس كتلة حركة النهضة بالمجلس الوطني التأسيسي أحد احزاب الائتلاف الحاكم بعدما اعتبروا ان خطابه في جمع من مناصريه يحتوي على تحريض على العنف ضد من قد يتمردون.
التجأ السياسيون لقصر العدالة ليصنعوا تمردهم ويواجهوا التمرد بعدما غابت عن الشارع السياسي مؤشرات انتقال العدوى المصرية. فكان قول القضاء في الامر ما ينتظره الجميع وكل منهم يعتقد انه بتصرفه يحمي الخطاب السياسي من العنف ويحافظ على مكتسبات الثورة. كان من الممكن ان يعد الامر دليل ثقة في عدالة القضاء التي سيبت في مشروعية الاقوال، وهذا من صميم دوره، الا أن النظر في خطاب مختلف المتداعين يبين انهم التجأوا لقضاء لا يثقون في استقلاليته.
عهد للقضاء بالنظر في خلافات السياسيين. وكان القضاء متهما من قبل الذين التجأوا اليه بعدم الاستقلالية، رغم كونهم على اختلاف مواقعهم من اختاروا الزج به في آتون نزاعاتهم. تدفع غرابة الوضع الى السؤال عن جدوى تحول النزاع حول الخطاب السياسي الى حلبات المحاكم خلال هذه المرحلة من تاريخ البلاد.
يفترض المنطق القانوني النظري رفض السؤال بشكل مبدئي لاعتبار أن ولاية القضاء تحددها طبيعة الفعل ان كان جريمة ام لم يكن، لا ارادة الاطراف وشهوات القضاة. فالخطاب السياسي لا يمكن أن يحصن ضد التتبع القضائي احتراما لسيادة القانون والمساواة بين المواطنين، ولكن المقاربة بين النظرية وحداثة تجربة المجتمع التونسي لممارسة حق الاختلاف على الساحة السياسية بشكل علني من جهة وحاجة القضاء للتعافي من آثار تبعيته خلال الحقبة الاستبدادية لدائرة التوظيف السياسي وتواصل سريان عدد من القوانين الجزائية المنازع في احترامها لحرية التعبير من جهة اخرى يدفع بشكل فعلي لطرح السؤال مجددا.
تؤدي المبالغة في غربلة الخطاب السياسي بحثا عن مواطن تصلح لمكافحته باستعمال ادوات الردع القانوني الى الخلط بين الانحرافات التي تحصل وقد تبرر بحداثة التجربة الديموقراطية وحاجة ثقافة الاعتراف بحق الاختلاف لقدر من الزمن لتتحول الى ثابت مفهومي وبين الخطاب الذي ينبني في أصوله ومرجعياته وأدواته التطبيقية على العنف واقصاء الآخر. ويستفيد من الخلط الحاصل أعداء الديموقراطية وقد تمت المساواة بينهم في التهمة ومختلف الطيف السياسي فتتحول كل مؤاخذة قانونية للخطاب الذي يتبنى فعليا العنف كعقيدة الى حلقة من حلقات الصراع السياسي بأدوات القانون الجزائي. كما تؤدي ذات المبالغة الى ابقاء القضاء تحت ضغط الفاعليين السياسيين الذين يجيدون تحويل محاكماتهم متى تمت الى محاكمة للقضاء بدعوى استمرار محاكمات الرأي. وتواصل الضغط على المؤسسة القضائية التي لم تتعاف بعد من آثار توظيفها السياسي خلال حقبة الجمهورية الاولى يمنعها من استرجاع ثقة المتقاضين فيها.
بالغ السياسيون في البحث عن تجريم بعضهم وكان مسعاهم في عدد من تجلياته يستند الى وقائع تقبل التجريم فحولوا المحاكم الى ساحات خلفية لصراعاتهم السياسية وفاتهم أن يصلحوا القوانين لكيلا تتم المحاكمات وفق تشريعات يجمعون على كونها من مخلفات الاستبداد وادواته. وبحث الشاكون في صولاتهم بأروقة المحاكم عن ادانة تقصي خصومهم وتثبت في حقهم تهمة معاداة الديموقراطية. وفات الجميع أن السياسة العامة تستدعي قدرا من الحلم والتسامح تكون الاداة الحقيقية التي تقصي خطاب العنف كما غاب عن نظرهم ان العنف الذي يبحثون عنه في ساحتهم يوجد فعليا في هامش مجالهم ويهدد بالاستفحال ان لم يتفقوا على ادانته ويبحثوا في ارساء الآليات القانونية الديموقراطية التي تحمي التجربة الديموقراطية من مخاطره.
قد يكون ادعاء السعي الى تطبيق القانون على الجميع مغريا غير ان أدعاء امكانية التحكم في الساحة السياسية بأداة القانون الجزائي قد يكون البداية الفعلية للقضاء على حركة سياسية وليدة يجب رعايتها وان خطت خطوات خاطئة. يحتاج القضاء الى هدنة وتحتاج السياسة لذات الهدنة لتحقيق الفصل الحقيقي بين ما هو سياسي وما هو قانوني وهو امر ينتظر خلال هذه المرحلة الانتقالية وان كانت النظرية العامة ترفضه في غيرها من الصور والحالات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية