القطب القضائي المتخصص في قضايا الارهاب: وزارة العدل التونسية تفشل في تجسيد تصوراتها


2015-10-13    |   

القطب القضائي المتخصص في قضايا الارهاب: وزارة العدل التونسية تفشل في تجسيد تصوراتها

جاء الاعلان عن الزيارة  التي أداها وزير العدل التونسي في 09-10-2015 للقطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية بمثابة محاولة ثانية في تركيز الهيكل القضائي الجديد.وكانت الحكومة التونسية افتتحت في 16-12-2014 مقرّ القطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية  في ظلّ دعاية إعلامية هامة واكبت حفل التدشين الذي أشرف عليه رئيس الحكومة حينها مهدي جمعة ووزيرالعدل حافظ بن صالح.  ومباشرة بعد نهاية الافتتاح الرسمي آنذاك، تبين أن مقر القطب لم يهيأ ليؤمن عملهم القضائي علاوة على كون وزارة العدل لم توفر لهم تجهيزات العمل. وتحسبا لذلك، تولت الحكومة التونسية بمناسبة صياغتها لمشروع القانون الاساسي لمكافحة الارهاب تطوير تصورها لهذا القطب في اتجاه أن يكون هيكلا قضائيا تابعا تنظيميا للمحكمة الابتدائية بتونس العاصمة وإن كان ذات اختصاص قضائي شامل، يتم تسمية قضاته  في إطار الحركة القضائية. وعليه، جاء الافتتاح الثاني القطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية مغايراً للافتتاح الأول، بحكم أن وزارة العدل حرصت على إصلاح أخطائها الماديّة التي عرقلت الافتتاح الأول .

أدّى توفّر إطار تشريعيّ ينظم اختصاص القطب القضائيّ في القضايا الإرهابيّة لأن تتعهد الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي بتسمية قضاته خلافا لما تم سابقا من انتقاء لقضاة القطب من قبل المشرفين على المحاكم وبقرار من وزارة العدل. وتولت فعليا  الهيئة الوقتية للقضاء العدلي بتاريخ 25-08-2015 الاعلان عن  فتحها باب الترشحات للتسمية بالقطب القضائي وذلك ل42 خطة قضائية تشمل مختلف التخصصات القضائية الجزائية، وليتم لاحقا في اطار حركة خاصة لم تنشر تعيين قضاة القطب.

كان يفترض لاحقاً أن تتكفل وزارة العدل بتوفير الاعتمادات اللازمة لتخصيص مقر خاص بالقطب القضائي متعدد الاختصاصات. وكان ينتظر أن يكون مقر القطب القضائي مقرا لمحكمة تضم قضاء الادعاء العام وقضاء التحقيق والقضاء الجالس الجزائي بصنفيه الجناحي والجنائي بمختلف الدرجات الابتدائية والاستئنافية. لكن وزارة العدل لم تلتفت لفكرة تعدد الاختصاصات القضائية صلب القطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية الذي كرسه المشرع، واختارت أن تعيد افتتاح القطب القضائي الخاص بقضاء التحقيق الابتدائي دون سواه على أن تواصل الدوائر القضائية الأخرى المتخصصة في القضايا الارهابية العمل بمقر المحكمة الابتدائية بتونس ومحكمة الاستئناف بتونس. ويبدو أن الاكتفاء بانجاز جزئي فيما تعلق بالقطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية يعود أساسا لكون المقرر المخصص للقطب لا يفي بحاجياته وخصوصا ما يتعلق منها بقاعات الجلسات. وبذلك، ظهر بوضوح التباين بين التصور التشريعي والتجسيد لذلك التصور فيما يتعلق بالمؤسسات القضائية في ممارسة الحكومة التونسية، لتتبدى مرة أخرى النصوص القانونية وكأنها أحلام تشريعية مخصصة للدعاية السياسية.

ويبرز في هذا الاطار عديد الأمثلة منها أن المشرع التونسي تولى بموجب القانون عدد 29 لسنة 1994 الذي نقح الفصل 183 من مجلة الشغل إستحداث دوائر شغلية متخصصة بنظر القضايا الشغلية. وقد تدخل ذات المشرع لاحقا بموجب القانون عدد 18 لسنة 2006 المؤرخ في 02-05-2006 المنقح للفصل 184 من مجلة الشغل ليؤكد استقلالية هذه الدوائر في مرجع نظرها الترابي عن محاكم الحق العام.  لكن احداث هذه الدوائر لم يتم وتم الاكتفاء بما ينص عليه الفصل 185 من مجلة الشغل لجهة أن محاكم الحق العام تنظر في القضايا العرفية في صورة عدم وجود دوائر شغلية.

يجتر افتتاح القطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية فشل وزارة العدل ومن خلفها الحكومة التونسية في تطوير هيكلة المحاكم بما يتناغم مع النصوص التشريعية. ويطرح هذا الفشل بحدة السؤال حول إمكانية الحديث عن اصلاحات عميقة للقضاء التونسي قد تستدعي ضخ امكانيات أكبر من تلك الاصلاحات الجزئية التي لم تخصص لها اعتمادات كافية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية