القضاة التونسيين يحملون شاراتهم الحمراء مجددا: حصاد سنتين بعد الثورة


2013-02-04    |   

القضاة التونسيين يحملون شاراتهم الحمراء مجددا: حصاد سنتين بعد الثورة

 في الوقت الذي ينشغل فيه السياسيون  بالصراع على حقيبة وزارة العدل في التركيبة الحكومية المرتقبة، بين شق يعتبر أن الأغلبية الحاكمة يحق لها أن تتمسك بمقاليد وزارة العدل على اعتبار أنها وزارة سيادة وشق يقدر أن وزارة العدل يجب أن تؤول لوزير غير متحزب لتحقيق توافق سياسي، نأى القضاة بأنفسهم عن الخوض في الموضوع بمنظاره السياسي وكشفوا أن الصراعات السياسية أدت بالوضع القضائي الى التردي. في ذات الوقت الذي التفت فيه السياسيون عن معالجة ملف إصلاح القضاء واتجهوا للبحث في منصب وزير العدل أعلن القضاة سأمهم من تواصل ما اعتبروه بطءا في التعاطي الايجابي مع استحقاقات القضاء خلال المرحلة الانتقالية. ألهت التجاذبات السياسية مكونات السلطة عن الإيفاء بتعهداتها التي تضمنها قانون التنظيم المؤقت للسلط العمومية. فلم يتم سن قانون الهيأة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي ولم تتم صياغة قوانين أساسية جديدة للقضاء تتلاءم مع المعايير الدولية لاستقلال السلطة القضائية رغم كثرة الحديث عن ضرورة الإصلاح التشريعي للقضاء. وفي مقابل ذلك واصل السياسيون استغلال الحديث عن إصلاح القضاء وتطهيره من الفساد في إطار دعايتهم السياسية فتبادلوا التهم بين شق يدعي أن الحكومة توظف القضاء لخدمة مصالحها وآخر يدعي أن المعارضة تستغل هياكل القضاة في إدارتها للصراع السياسي. لم يصلح السياسيون القضاء وعلى نقيض ما هو مطلوب منهم ساهموا في تعميق أزمة الثقة بينه وبين المتقاضين رغم ما بذله القضاة من مجهود لإبراز صدق توجههم نحو إصلاح مؤسستهم وتحويلها إلى فضاء للعدالة المستقلة. فقضاة تونس الذين بادروا الى رفع شعارات تطهير القضاء واصلاحها وكتبوا البيانات والمقالات وصاغوا مشاريع القوانين ورفعوها للسلطة التنفيذية والتأسيسية لم يكن لهم من مجيب وظلت تهمة الفساد تلاحقهم وتنامى تحريض السياسيين  للعموم ضدهم بخطبهم واعتصاماتهم أمام المحاكم وداخلها للتأثير على مجرى القضايا التي تشمل أنصارهم.
كان ينتظر أن يكون حديث التحوير الوزاري مناسبة لتقييم الاداء وطرح السؤال حول معوقات إصلاح القضاء ومرفق العدالة في اطار ينتهي الى تحميل المسؤوليات ويتوصل لايجاد تصورات تنهي جمود حركة الإصلاح الفعلي بعد أكثر من سنة من تجربة الحكم. الا أن عجز الطبقة السياسية عن تحقيق المطلوب ورفضها تقييم أدائها، ألزم هياكل القضاة على التحرك في اتجاه اعلان الاحتجاج في مواجهة رفض التجاوب مع تطلعاتهم ولو في حدودها الدنيا.
عاد القضاة بعد سنة كاملة ليكرروا أساليبهم الاحتجاجية التي مارسوها في السنة السابقة. وتكرار الاحتجاج في اطار يستنسخ أساليب جربت سابقا يهدف لتوجيه رسالة لمن يهمه الأمر مفادها أن حال القضاء لم يحمل الجديد عما كان عليه في السنة الماضية وانما زاد سوءا. فبعد الوقفة الاحتجاجية التي نظمتها جمعية القضاة التونسيين أمام مقر المجلس الوطني التأسيسي يوم13 جانفي 2013- في تكرار لوقفتها الاولى التي نظمتها أمام ذات المجلس يوم 27 افريل 2012 احتجاجا على اهمال السلطة التأسيسية لسن قانون الهيأة المؤقتة للاشراف على القضاء العدلي- عادت جمعية القضاة لتدعو القضاة بداية من يوم 04 فيفري 2013 لحمل الشارة الحمراء تعبيرا عن احتجاجهم على تردي وضع القضاء كما حملوا ذات الشارة لمدة أسبوع كامل بداية من يوم 18 افريل 2012 لذات السبب.
 عاينأعضاء المجلس الوطني لجمعية القضاة التونسيين المجتمعين بصفة طارئة بتاريخ 27 جانفي 2013 فشل السلطة السياسية ممثلة في المجلس الوطني التأسيسي ووزارة العدل في إحراز أي تقدم في إصلاح القضاء وضمان استقلاله وهو أمر فاقم حسب تقديرهم من تردي الوضع القضائي واهتزاز الثقة العامة فيه. وقد أكدوا أن  من نتائج هذا الوضع:
أولا: فقدان القضاة لأدنى الضمانات المؤسسية التي تنأى بهم عن ضغوط السلطة السياسية ممثلة في وزارة العدل والمسلطة عليهم في عملهم مما يهدد استقلال قرارهم.
ثانيا:اطلاق يد وزير العدل في إدارة المحاكم والضغط على القضاة من خلال التحكم المباشر في مساراتهم المهنية تسمية ونقلة وترقية وتأديبا وفي غياب تام للمعاير الموضوعية ولأدنى الضمانات الأساسية لاستقلال القضاء. وكانت معاينتهم واصرار وزارة العدل على مواصلة احياء المجلس الاعلى للقضاء الذي دعته نهاية الشهر الفائت لتجري بواسطته حركة قضائية جزئية رغم الاعتراضات التي سجلها القضاة على تركيبته ودوره الشكلي، سببا في قرار القضاة بالدخول في تحركات احتجاجية تصاعدية تنطلق بحمل الشارات الحمراء وتمر لاحقا بتاريخ 14 فيفري 2013 لتأخير موعد انعقاد الجلسات بساعة كاملة لتصل أخيرا لإعلان الإضراب الذي تركوا أمر تحديد تاريخه للمكتب التنفيذي .
أبرز القضاة قدرة على تحريك المشهد ونزع الجمود عنه ففرضوا طرح السؤال حول إصلاح القضاء وآلياته على من ألهاهم صراع الحقائب الوزارية عن ذلك. الا أن انقسام القضاة وصراع هياكلهم قد يجعل صوتهم مشوشا فنقابة القضاة التي شارك أعضاؤها جمعية القضاة في تشخيصها لحالة القضاء واتحدوا معها في مطالبها لم يعلنوا تضامنهم مع التحرك وهو ما يجعل الاحتجاج مناسبة أخرى تكشف أن خلافات القضاة سبب من أسباب تردي أوضاعهم. تخوض نقابة القضاة احتجاجاتها في ظل سعي جمعية القضاة لافشالها وتمارس نقابة القضاة ذات محاولات الافشال فيخسر القضاة قدرتهم على التأثير. وتظل قضية استقلال القضاء الخاسر الأكبر وسط تشتت القضاة وتجاذبات الصراع السياسي.
م.ع.ج

انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية