القضاء يُلزم مستشفى رياق تكرير مياهها المبتذلة: نحو تدابير معجّلة ضدّ ملوّثي الليطاني


2023-09-22    |   

القضاء يُلزم مستشفى رياق تكرير مياهها المبتذلة: نحو تدابير معجّلة ضدّ ملوّثي الليطاني

بعد 5 سنوات من رفض مستشفى رياق في البقاع تركيب محطة لتكرير مياهها المبتذلة، اتخذ القاضي المنفرد الجزائي في زحلة محمد شرف أمس الخميس في 21 أيلول خلال جلسات لمحاكمة 35 مؤسسة مدّعى عليها بتلويث نهر الليطاني، قرارًا يُلزم المستشفى بإنشاء محطة تكرير مخصّصة لتنقية النفايات السائلة الناتجة منها خلال مهلة ثلاثة أشهر من تاريخ التبليغ تحت طائلة غرامة إكراهية بقيمة مئة مليون ليرة لبنانية عن كل يوم تأخير. 

قد تكون هذه هي المهلة الأخيرة لمستشفى رياق لإنشاء المحطة، بخاصّة أنّ خمس سنوات مرّت على ادعاء النيابة العامّة الاستئنافية في البقاع عليها، مع العلم أنّ جميع المصانع المدّعى عليها باشرت بتركيب محطات التكرير مباشرةً بعد تعهدها بذلك أمام النيابة العامّة في البقاع في خريف 2018. 

وهذا القرار يؤشّر إلى أنّ المستشفيات المدّعى عليها بجرائم تلويث نهر الليطاني، وعددها 9، لن تصمد طويلًا في موقفها الرافض إنشاء محطات تكرير، وذلك في حال ذهب القاضي شرف إلى اتخاذ قرارات مماثلة بحق المستشفيات الأخرى، وهي بالإضافة إلى مستشفى رياق: مستشفى البقاع، مستشفى اللبناني الفرنسي، مستشفى تل شيحا، مستشفى شتورا، مستشفى خوري العام، مستشفى المياس، مستشفى تعنايل، ومستشفى الرئيس الهراوي الحكومي. 

يشار إلى أنّ هذه المستشفيات تمتنع وحدها من بين المدّعى عليهم بتلويث الليطاني عن تركيب محطات تكرير، عدا مستشفى تل شيحا التي كانت أدلت بأنّها تملك محطة تكرير، لكن تبيّن خلال كشف الخبيرة كارول السخن أنّها غير فعّالة، فأوصت بتعديلها. وتبني المستشفيات الأخرى موقفها على اعتبار أنّ نفاياتها تذهب في الصرف الصحّي وتمرّ عبر محطة تكرير زحلة حيث تُعالج قبل تسييلها في مجرى النهر. وهو موقف رفضه المحامي علي عطايا، وكيل المصلحة الوطنية لنهر الليطاني التي اتخذت صفة الادّعاء الشخصي في هذه القضايا. فقد صرّح عطايا في الجلسة أنّ “محطة تكرير زحلة غير معدّة لتكرير المياه التي تخرج من المستشفيات إنّما فقط معدّة للنفايات المنزلية السائلة”. واستند قرار القاضي شرف بحق مستشفى رياق على ما جاء في تقرير الخبيرة السخن التي كشفت على المستشفى وأوصت في ختامه بضرورة إنشاء محطة تكرير تكون صالحة للنفايات الناتجة منها. 

 تعديل قانون المياه أعطى المحاكم أدوات جديدة لمكافحة التلوّث 

في الواقع ما كان القاضي شرف ليتمكّن من اتخاذ قراره هذا لولا التعديل الأخير لقانون المياه رقم 192 الصادر في تاريخ 16 تشرين الأوّل 2020 الذي أتاح للقضاة اتخاذ تدابير بحق المدّعى عليهم، على غرار الإجراءات التي يتّخذها قضاء العجلة، خلال المحاكمة وقبل صدور الحكم النهائي. 

فقبل التعديل التشريعي، حاول القاضي شرف اتخاذ تدبير مماثل في تمّوز 2019 بحق منظمة “الرؤية العالمية” التي قامت بتركيب حمّامات في عدد من مخيّمات اللاجئين السوريين الواقعة قرب ضفاف نهر الليطاني. وقضى قرار شرف آنذاك بإلزام المدعى عليها إنشاء محطة تكرير مخصّصة لتنقية مياه الصرف الصحّي في كلّ من المخيّمات التي أنشئت على أرضها حمّامات ضمن نطاق زحلة خلال مهلة شهر. وسرعان ما استأنفت المنظمة القرار أمام محكمة استئناف الجزاء في زحلة في تشرين الثاني 2019، فأصدرت الأخيرة قرارًا قضى بقبول الاستئناف وفسخ قرار شرف باعتبار أنّه “… لا يوجد في النص (القانوني) ما يُفيد بإمكانية القاضي المنفرد الجزائي اتخاذ هذا التدبير من تلقاء نفسه”. وفي الخلاصة، فإنّه بعد تعديل قانون المياه أصبح بإمكان القضاة الناظرين في القضايا البيئية اتخاذ تدابير مماثلة خلال مرحلة المحاكمة بدون أن تتعرّض قراراتهم للفسخ.  

كشفت جلسة الخميس عن تحدّيات مقبلة أمام ملوّثي نهر الليطاني، فمن المحتمل أن يتّخذ القاضي شرف تدابير بحق المستشفيات لإلزامها تركيب محطات تكرير، فيما يؤشر مسار محاكمة المنظمات الدولية المعنية بتجهيز  مخيّمات اللاجئين في البقاع، إلى أنّ القاضي شرف قد يتّخذ تدابير بحقها أيضًا. فأمامه إمّا إلزامها بتركيب محطات تكرير لمياه الصرف الصحّي الخارجة من المخيمات (كالقرار الأوّل الذي فسخته محكمة الاستئناف)، أو أن يذهب أبعد من ذلك باتخاذ قرار يتماهى مع مطالب مصلحة الليطاني بمصادرة الحمّامات قبل صدور الحكم، وقصّ قساطل الصرف الصحّي المتصلة بنهر الليطاني وإبعاد المخيّمات عنه.

أحكام جديدة تحاول مواجهة انهيار الليرة

تخلّل الجلسات التي انعقدت أمس، 35 ملفًا، أبرزها ملفات خمسة معامل نبيذ وسبع مستشفيات إضافة إلى منظمتين معنيّتين بالمخيّمات ونظر القاضي شرف في نحو 20 منها فيما غاب الخصوم في الملفات الباقية لتعذّر التبليغ في معظمها. وفيما قرّر القاضي شرف إرجاء جميع الجلسات إلى 2 تشرين الثاني 2023، حدّد التاريخ نفسه موعدًا لإصدار الأحكام في أربعة قضايا.

على مدى سنوات من محاكمة المعامل الملوّثة لنهر الليطاني، صدر نحو 40 حكمًا لغاية اليوم خلصت معظمها إلى إدانة معامل أجبان وألبان ومواد بناء بجرائم التلويث. وانتهت جميع هذه الأحكام، إلى إلزام المعامل بالكشف الدوري وإصلاح الوسط البيئي وبدفع غرامات للخزينة وتعويضات لمصلحة  الليطاني. ونصّت الأحكام على قيمة غرامات وتعويضات أعلى من السابق بعد مطالب المصلحة في الآونة الأخيرة بتعديل التعويضات لتتناسب مع القيمة الفعلية للضرر، إلّا أنّ قيمتها بقيت منخفضة مقارنة بحجم الضرر الناتج عن التلوّث ومع انخفاض قيمة العملة اللبنانية. وكانت المبالغ الأعلى قيمة هي تلك التي حكمت بها القاضية المنفردة الجزائية في بعلبك لميس الحاج دياب في 2 أيّار الماضي بحق “ألبنان لبنان” لارتكابها جرائم بيئية مختلفة إذ بلغ مجموع الغرامات ما يقارب 4 مليارات ليرة،  كما بلغت قيمة التعويضات للمصلحة 150 مليون ليرة. 

وبرز توّجه مماثل في الأحكام الثلاث التي أصدرها القاضي شرف أمس أيضًا، أوّلها بحق شركة “طيبة فودز” ورئيس مجلس إدارتها، وهي شركة تملك معملًا في زحلة يقع على عقار يمتدّ على مساحة 6900 متر مربع على بعد عشرين مترًا عن مجرى النهر، ومخصّصًا لتصنيع المواد الغذائية وتعليبها. وكان تقرير الخبيرة كارول السخن التي تولّت الكشف على المعمل خلص إلى أنّ المياه الناتجة عنه والتي تصبّ يوميًا في مجرى النهر تُقدّر بحوالي 36 ألف ليتر، وأنّ مياه الصرف الصناعي تختلط مع مياه الصرف الصحّي. وشرح تقرير السخن أنّها تحتوي على قولونيات برازية بنسب عالية، وأنّ نسب الاحتياج البيوكيميائي للأكسجين Biochemical oxygen demand في المياه ونسب المواد الأخرى كالنيتروجين والفوسفور، هي أعلى من النسب المسموح بها في القرار رقم 1/8 الصادر عن وزارة البيئة عام 2001. وعليه، اعتبر الحكم أنّ ذلك يعني “مساهمة بصورة أكيدة في تلويث نهر الليطاني وبحيرة القرعون”. واللافت أنّ الحكم أدان الشركة قبل إنهائها الإصلاحات المطلوبة لوقف التلويث، وهذا يعني أنّ الإدانة جاءت على خلفية استمرارها بتلويث النهر جرّاء عدم فعالية محطة التكرير، وهو ما يبرر ارتفاع حجم الغرامات

فقد انتهى الحكم إلى تغريم “طيبة فودز” بـ 440 مرّة ضعف الحد الأدنى للأجور وتغريم رئيس مجلس إدارتها بـ 460 ضعفًا. وبينما كانت المصلحة الوطنيّة لنهر الليطاني قد طلبت حين ادّعت عام 2018 على المعامل، قبل انهيار العملة، تعويضها بـ 100 مليون ليرة لبنانيّة (نحو 67 ألف دولار آنذاك)، كان القاضي شرف قد حكم سابقًا بتعويضات تقارب مليوني ليرة (نحو 1300 دولار آنذاك). المفارقة اليوم أنّ الحكم الصادر أمس  حدّد التعويضات بـ 100 مليون ليرة أي بقيمة مطابقة لمطالب المصلحة، إنّما أصبحت قيمتها اليوم تُقارب 1100 دولار فقط.  

التعويض نفسه (100 مليون ليرة) حكم به القاضي شرف على معمل “تعنايل فرش ميلك” في بلدة مكسة الذي كان يُسيل نحو ألف ليتر يوميًا حسبما ورد في الحكم الثاني، عبر قناة ترابية تنتهي عند مجرى النهر بعد مرورها في محطة تكرير غير فعّالة. مع العلم أنّ هذا المعمل هو من الحجم الصغير، ومن الفئة الثالثة، وكميّة المياه الصناعية الناتجة عنه منخفضة مقارنة مع كبار الملّوثين. فيما فرض عليه الحكم أيضًا دفع غرامات بقيمة 260 مليون ليرة وتنظيف 200 متر من مجرى النهر. 

والحكم الثالث صدر بحق شركة “ديلي ميلك” في برالياس، وهي صاحبة معمل من الفئة الثالثة ومخصص لصناعة الألبان والأجبان. ولفت الحكم إلى أنّ المياه الصناعية المقدّرة بـ 700 ليتر يوميًا الناتجة عن المعمل تذهب إلى قنوات الصرف الصحي وتصبّ في مجاري المياه الطبيعية التي تصبّ مباشرة في نهر الليطاني، فغرّم الشركة بـ 160 ضعف الحد الأدنى للأجور وبالتعويض للمصلحة بقيمة 70 مليون ليرة. 

وتشابهت الأحكام الثلاثة من ناحية التدابير التي فرضتها على المعامل، أي زرع أشجار الصنوبر وتنظيف مساحة من مجرى النهر، كما وإلزامها بالفحص الدوري تحت إشراف المصلحة ووزارة البيئة وتركيب عدّاد للمياه التي تخرج من المحطة، بالإضافة إلى إلزامها بتنفيذ توصيات الخبراء لناحية التعديلات المطلوبة على محطات التكرير. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، استقلال القضاء ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، المرصد القضائي ، تحقيقات ، قرارات قضائية ، الحق في الحياة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية