قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش (5):القضاء والسياسة في قضية الفيول المغشوش

،
2021-05-03    |   

قضية سوناطراك والفيول-أويل المغشوش (5):القضاء والسياسة في قضية الفيول المغشوش

لا نبالغ إذا قلنا إنّ قضيّة الفيول المغشوش هي إحدى أهمّ قضايا الفساد العالقة اليوم أمام المحاكم في لبنان. وتتأتّى أهميتها ليس فقط من ناحية حجمها أو من مدى نفوذ الأشخاص المدّعى عليهم فيها أو لما كشفت عنه من ممارسات احتكار وفساد على مستويات مختلفة من الإدارة العامّة، لكن قبل كلّ شيء لأنّها تعطينا صورة مكبَّرة عن أداء القضاء اللبناني وإمكاناته في التحقيق في قضايا الفساد وضمناً عن العوائق التي قد يواجهها بفعل الضغوط والتدخّلات على اختلاف أنواعها.

فرغم خطورتها وأهمّيّتها، سرعان ما شهدتْ هذه القضيّة تجاذباً سياسياً تولّت بفعله بعض الزعامات الدفاع عن مدّعى عليهم فيها بحجّة أنّهم يتعرّضون لكيديّة و/أو استهداف سياسي. وقد أدّى هذا الأمر إلى التشويش على القضيّة من خلال إدخالها في بازار السياسة والمصالح، وتالياً التخفيف من إمكانيّة تحوّلها إلى مناسبة لإعادة النظر في طرق إبرام صفقات الشراء العامّ أو أساليب العمل. وقد تمّ ذلك رغم أنّ القضيّة انطلقت في الأساس ليس من حسابات سياسية بل من مستند وثّق ارتكاب شركة سوناطراك، وما تخفيه من شبكة مصالح، غشّاً كلّف الخزينة العامّة مبالغ طائلة. فضلاً عن أنّه وثّق تورّطها في تزوير نتائج فحوصات العيّنات المستخرَجة من الفيول المستورَد منها، وأنّ التحقيقات أثبتت بما لا يرقى إليه الشكّ أنّ هذه الارتكابات لم تكن عابرة إنّما شكّلت نهجاً في ما يتّصل بتنفيذ العقد بين هذه الشركة والدولة.

وفيما لم ينجحْ التشويش في قتل القضيّة في المهد، كما كاد يحصل حين حفظ النائب العامّ المالي علي إبراهيم الملفّ، انعكس على أداء سائر الهيئات القضائية التي بدتْ كأنّها تُقلِّص، مع انتقالها من مرحلة إلى أخرى، مسؤوليّات المتورّطين فيها.

بازار السياسة يشوّش على أهمّيّة القضيّة

كما في كلّ القضايا الكبرى والمهمّة التي يُكشف فيها تورّط أشخاص محسوبين على أيّ من القوى السياسية الوازنة، سرعان ما ينطلق خطاب حول الكيديّة والاستهداف السياسي.

وقد وردتْ أكثر هذه الاتّهامات فظاظةً في المؤتمر الصحافي الذي عقده الوزير السابق سليمان فرنجيّة في تاريخ 11/5/2020 ردّاً على اتّهامه بإخفاء شخصين مطلوبين في هذه القضية وهما سركيس حليس (المدير العامّ لمنشآت النفط) “صديق الطفولة” كما عرّفه وتادي رحمة “صديقي وخيي”. ويُفهم من المؤتمر الصحافي أنّ فرنجيّة ربط[1] مثول الرجلَيْن أمام القضاء برفع يد القاضية عون، التي وصف أداءها بـ”الكيديّة”، عن الملفّ. وقد برّر ذلك بأنها حاولت إهانة حليس عبر طلبها من القوى الأمنية تقييده لدى وصوله أمام باب قاضي التحقيق وأنّ لها سوابق في الملاحقات الكيديّة، أهمّها قضيّة مديرة النافعة “هدى سلّوم” (التي كانت عون ادّعت عليها بالإثراء غير المشروع ممّا كلّفها اعتداءً فريداً من نوعه شنّه عليها النائب هادي حبيش في مكتبها). كما أكّد فرنجيّة أنّ المشتبه بهما المذكورَيْن سيمثلان فعلياً أمام القضاء في مراحل القضيّة اللاحقة، وتحديداً بعد انتهاء مرحلة التحقيقات الابتدائية أمام القاضيين عون ونقولا منصور (قاضي التحقيق) المقرّبَيْن من التيّار الوطني الحرّ. كما ذكّر أخيراً بالعوائق أمام إقرار التشكيلات القضائية الجديدة التي كان من شأنها أن تؤدّي إلى نقل عون من مركزها في النيابة العامّة في جبل لبنان، معتبراً أنّ إعاقة هذه التشكيلات تشكّل مسّاً باستقلال القضاء.

لم يكفِ عون تعرّضها لاتّهامات القوى المخاصمة للتيّار الوطني الحرّ (الذي لا تخفي عون قربها منه)، إذ تعرّضت أيضاً لسهام رئيس هذا التيّار جبران باسيل خلال مؤتمر صحافي عقده هذا الأخير في تاريخ 17/5/2020. فبعدما أكّد باسيل نظافة كفّ المديرة العامّة للنفط أورور فغالي المقرّبة منه، اعتبر أنّ عون تلاحقها فقط بهدف إثبات أنّها مستقلّة في أدائها وغير تابعة لتياّره كما يشاع عنها. وعليه، بدتْ عون كأنّها تتعرّض للنيران العدوّة كما الصديقة، كلّما اقتربت من المسّ بمصالح أيّ جهة سياسية[2]. ومن الجمل ذات الدلالة على تبرّم باسيل من تبعة الادّعاء على فغالي الآتية: “نحن لا نغطّي فاسداً أو مرتكباً أو مشتبهاً به ولو ظُلم بسمعته، ولكنْ، بالتأكيد لا نسمح بتمادي الظلم والافتراء على كرامات الناس وتضييع المسؤوليّات، لأن الخطر يكمن هنا. إنّنا لا نغطّي أحداً، ولا نهرّب أحداً ولا نخبّئ أحداً ولا عندنا شمسيّات حماية لأيّ مرتكب، ولكن لا نقبل الافتراء على بريء ولا نقصّر بالدفاع عن أصحاب الحقّ أكانوا معنا أو ضدّنا في السياسة. والقضيّة ليست ساعات إضافيّة ولا هديّة على عيد الميلاد، بل رشاوى لتحقيق التزوير… ولا يجب تضييع الموضوع والجهاز الأمني الذي يحاول حرف التحقيق معروفة غاياته وارتباطاته، ولن يستطيع تبرئة أو ظلم أحد. ما حدا يحاول يتوسّط معنا لِلَملمة الموضوع ولا أحد يحاول أن يضغط علينا بتوجيه معلومات، حتّى الآن غير مهمّة، لتوقيف أناس محسوبين علينا في السياسة، لنقوم بتسوية في الملفّ. في العدالة لا يمشي منطق التوازنات، ما في 6 و6 مكرّر: فالمرتكب مرتكب والبريء بريء، قال شو منوقّف من الجهتين لنبيّن إنّه نحن مستقلّين كقضاة”.

ومن الشخصيّات المهمّة التي تناولت هذه القضيّة أيضاً البطريرك بشارة الراعي الذي أدان أداء القاضية عون من دون أن يسمّيها. وقد جاء ذلك في عظته في 17/5/2020 التي حصلت بعد أيّام من توقيف أورور فغالي. وقد ورد حرفيا فيها، العبارات الآتية: “أودّ أن أذكّر بنوع خاصّ بممارسة بعض القضاة الذين يقضون من منظار سياسي أو انتقامي أو كيدي، من دون أيّ اعتبار لكرامة الأشخاص وصيتهم ومكانتهم ومستقبلهم” متحدّثاً “عن ممارسة دخيلة متمثّلة باتّهام وتوقيف في آن من دون سماع المتّهم أو فبركة ملفّات مع أمر بالتوقيف” ومتسائلاً عمّا إذا تحوّل النظام “من نظام ديموقراطي يؤمّن للمواطن كلّ حقوقه المدنية والقانونية إلى نظام بوليسي ديكتاتوري، يطيح بالمبدأ الأول في حياة كلّ أمّة: العدل أساس الملك؟ وما هذا الإفراط بالسلطة القضائية وبخاصّة إذا علت؟ إلى من يشتكي المواطن المظلوم؟ إلى زعيمه السياسي ليحميه؟ وإذا لم يكن له مرجعيّة سياسية، أيبقى ضحيّة الظلم موقوفاً صامتاً صاغراً. وماذا يعني هذا القضاء الانتقائي؟ ثمّ أين أصبحت التعيينات القضائية التي كنّا ننتظر معها بزوغ فجر جديد يحمل إلينا قضاة منزّهين أحراراً متّزنين وغير مرتهَنين لأشخاص أو لأحزاب”.

المسار القضائي تحت ضغط السياسة والرأي العامّ

ما تناولناه أعلاه تمثّل في أبرز الاتّهامات العلنية التي وجّهتها قوى سياسية ودينية لبعض الهيئات القضائية الناظر في هذه القضيّة. ومن المرجّح أنّ كمّاً من هذه التدخّلات والضغوط حصل أيضاً بصورة غير مرئية. كما لم يعد خافياً التداخل الحاصل غالباً ما بين القوى السياسية وبعض القضاة المنخرطين في شبكات المصالح نفسها. وفي حين كادت هذه العوامل تقتل القضيّة في مهدها، فإنّ نجاح النيابة العامّة في جبل لبنان في إنقاذ القضيّة سرعان ما اصطدم باتّجاه مقلق لدى هيئات التحقيق إلى تقليص المسؤوليّات الجرمية التي رشحت عنها. وعليه، فإنّ الهيئة الاتّهامية قلّصتْ هذه المسؤوليّات بشكل كبير بالمقارنة مع ما خلص إليه قاضي التحقيق الذي، بدوره، قلّص المسؤوليّات عمّا كانت ادّعت به النيابة العامّة. كما أنّه، بمعزل عن المسؤوليّات الجزائية التي خلصت إليها الهيئات القضائية، نلاحظ اختلافاً كبيراً في عرض الوقائع بين القرار الظنّي والقرار الاتّهامي، حيث حذف هذا القرار الأخير معظم ما يتّصل بتنظيم الاحتكار أو تمديد أمده في جلسات مجلس الوزراء الذي كان القرار الظنّي خصّص له 10 صفحات. ومؤدّى ذلك هو التعامل مع القضيّة على أنّها مجرّد قضيّة غشّ من دون إيلاء أيّ اهتمام لمنظومة الاحتكار والفساد التي هيّأت له وسمحت له بالاستمرار طيلة 15 سنة. وهذا ما سنسعى إلى تفصيله هنا.

مسعى إلى قتل القضية في مهدها

فور وضع يده على الملف بقرار من النائب العامّ التمييزي غسّان عويدات، سارع النائب العامّ المالي علي إبراهيم إلى حفظه تحت ذريعة عدم تكبيد الخزينة أيّ خسارة[3]. وقد سرى في الإعلام أنّ إبراهيم رأى أنّ الخطأ التقني وارد ويُمكن أن يصيب أيّ شحنة نفط قادمة إلى لبنان، وأنّه لم يحمّل أيّ جهة مسؤوليّة الضرر[4]. كما سرى أنّ حفظ الملفّ حصل إثر تسوية مع سوناطراك تقضي باستبدال الفيول “المتضرّر” بشحنة أخرى مطابِقة للشروط والمواصفات، من دون تكبيد ​الدولة​ أيّ فارق مادّي عن الشحنة الأولى. ومجرّد مقارنة هذا القرار مع الوقائع التي توصّلت التحقيقات إلى إثباتها في ما بعد يظهر عدم الجديّة لدى النيابة العامّة المالية. إلّا أنّه وبدل أن يشكّل حفظ الملفّ سبباً لملاحقة إبراهيم، فإنّ بعض الجهات السياسية (فرنجيّة بشكل خاصّ) استمدّت منه حجّة على غياب أيّ جرم، وتالياً على اتّهام القضاة الذين أجروا التحقيقات بالكيديّة وفبركة الملفّات.

السرّيّة المصرفية حدود للمحاسبة

وإن عادت القاضية غادة عون وحرّكت القضيّة فإنّها انتهت إلى الادّعاء على عدد كبير من الموظّفين والشركات وأصحاب الأعمال. ورغم أهمّيّة ما توصّلت إليه التحقيقات التي جرت تحت إشرافها، يُلحظ أنّها اصطدمتْ برفض هيئة التحقيق الخاصّة رفعَ السرّيّة المصرفية وفق ما صرّحت عون في حديث متلفز في تاريخ 18/11/2020، الأمر الذي منعها من تكوين صورة واضحة عن شبكات العلاقات المالية بين مختلِف المشتبه بهم وسهّل على الهيئات اللاحقة بما فيها الهيئة الاتّهامية ومحكمة التمييز استبعاد جرم تبييض أموال. وفي حين برّرت عون قرار هيئة التحقيق الخاصّة بأنّ “ما بدّهم يشتغلوا”، يُلحظ أنّ أحد أعضاء هذه الهيئة هو القاضي علي إبراهيم نفسه الذي كان حفظ ملفّ سوناطراك. ومن هذه الزاوية، تشكّل هذه القضيّة شاهداً آخر على توظيف السرّيّة المصرفية كخاتم سحري لنسف المحاسبة.

تغييب مسؤوليّة الوزراء

كما سبق بيانه، خصّص قاضي التحقيق منصور في قراره الظنّي قرابة 10 صفحات للحديث عن بنود العقد والمخالفات الحاصلة فيه، وعن مداولات مجلس الوزراء في الفترات المختلفة التي سبقتْ التمديد للعقد. وقد منح منصور بذلك الرأي العامّ معلومات مهمّة حول مواقف القوى السياسية والتداخل بين السياسة والمصالح وفق ما أسهبْنا في تبيانه في الحلقة الثانية من هذه المقالة، وكلّها معلومات تمهّد لمحاسبة العديد من الوزراء، وإن امتنع، في نهاية المطاف، عن الظنّ بأيّ منهم.

وبخلاف هذا التوجّه، يسجَّل بداية أنّ الهيئة الاتّهامية تجنّبت الحديث عن أداء مجلس الوزراء مكتفية بتوضيح ما جاء على لسان الوزير محمّد فنيش والوزيرة ندى البستاني في هذا الشأن، على نحو يحصر القضية في مسألة حمولة السفينة، ويحوّلها من قضية احتكار وفساد متماديَيْن إلى مجرّد عمليّة غشّ في استيراد الفيول. وقد عبّرت الهيئة الاتّهامية عن ذلك صراحة في متن قرارها، حيث اعتبرت أنّ الدعوى الراهنة لا تتعلّق بتفسير وبحث مدى قانونيّة العقد الموقَّع بين الدولة اللبنانية وشركة سوناطراك بل تتعلّق بمدى ارتكاب المدّعى عليهم جرائم التزوير والاحتيال والغش بالبضاعة.

الامتناع عن الادّعاء على سوناطراك

امتنع قاضي التحقيق كما الهيئة الاتّهامية عن الظنّ بشركة سوناطراك، بما يخالف مطالب النيابة العامّة التي سبق أن ادّعت على من اعتبرته ممثّلاً لها فقط، أي طارق الفوّال، قبل أن تعود وتطالب بالادّعاء على الشركة. وقد برّرت أكثريّة أعضاء الهيئة الاتّهامية ردّ طلب النيابة العامّة في هذا الخصوص بـأنّ النيابة العامّة في جبل لبنان لم تدّع في ورقة الطلب والادّعاء الإضافي بأيّ شكل من الأشكال على شركة سوناطراك بل على الفوّال فقط، وأنّها طالبت بالظنّ بالشركة أثناء المطالعة بالأساس من دون أن تكون ادّعت عليها بما يخالف المادّة 66 من قانون أصول المحاكمات الجزائية[5]. واعتبرت أنّ من واجبها كهيئة اتّهامية حفظ حقّ الدفاع وأنّه لا يمكن الادّعاء على الشركة من دون دعوتها للاستجواب، إذ لا يمكن مفاجأة أيّ شخص بالظنّ به بجنحة ما أو اعتبار فعله منطبقاً على جناية دونما إعطاؤه حقّ الدفاع عن نفسه. كما اعتبرت أنّ الادّعاء على ممثّل هيئة معنوية لا يعني الادّعاء عليها ويُقتضى الادّعاء على الاثنين.

وقد كان لإحدى أعضاء الهيئة، القاضية أنياس معتوق، رأياً مخالفاً لقرار الهيئة. إذ جاء في رأيها المذكور أنّ القرار الظنّي قد أخطأ باعتباره إبلاغ شركة سوناطراك بواسطة المدّعى عليه طارق الفوّال غير قانوني وعدم دعوتها للاستجواب بصفة مدّعى عليها. وقد بنت على ذلك أنّ على الهيئة الاتّهامية قبول استئناف النيابة العامّة لجبل لبنان شكلاً وفي الأساس فسخ القرار الظنّي المستأنَف والتوسّع في التحقيق ودعوة شركة سوناطراك للاستجواب بصفة مدّعى عليها بواسطة وكيلها الرسمي طارق الفوّال.

ومن شأن الامتناع عن الادّعاء على هذه الشركة أن يحرم الدولة والمواطنين اللبنانيين من أهمّ فرصة لنيل تعويض عادل عن فاتورة الفساد أو لرفع السرّيّة عن حساباتها وعن العلاقات المحتمَلة مع قوى سياسية لبنانية يُرجَّح أن تكون استفادت من العقد الموقَّع لمصلحتها.

استبعاد تبييض الأموال

في حين أنّ النيابة العامّة وقاضي التحقيق قد رجّحا أنّ أفعال الشركات وأصحاب الأعمال المعنيين تشكّل جرائم تبييض أموال، استبعدت الهيئة الاتّهامية، بأكثريّة أعضائها، الاتّهام بهذه الجرائم عن أهمّ المتورّطين في القضيّة، وهو أمر أقرّته عليه لاحقا محكمة التمييز. فقامت الهيئة الاتّهامية باستبعاد جرم تبييض الأموال من الملفّ، لتبدّد إمكانيّة رفع السرّيّة المصرفية لاحقاً عن جميع الجهات النافذة المتورّطة فيه، طالما أنّ صلاحيّة هيئة التحقيق الخاصّة برفع السرّيّة يرتبط بتبييض الأموال حصراً. وقد برّرت الهيئة الاتّهامية قرارها لاستبعاد الاتّهام بتبييض الأموال عن إبراهيم الذوق مدير ZR Energy DMCC بأنّه لم يثبتْ قيام الذوق بإخفاء مصدر أموال غير مشروعة أو إعطاء تبرير كاذب لها. كما برّرت قرارها استبعاد الاتّهام بتبييض الأموال عن تادي رحمة وشركة ZR Energy Group holding sal بعدم إمكانيّة تحميل هذه الشركة وإداراتها ما قد تكون اقترفته شركة ZR Energy DMCC.

وهنا أيضاً، تميّزت القاضية معتوق برأيها المخالف لجهة وجوب اتّهام هؤلاء بتبييض الأموال، على أساس الاعتبارات التالية:

  • أنّ الغش المستمرّ الحاصل في مواصفات الفيول الذي كان يبيعه الذوق للدولة عبر تعديل نتائج عيّنات ومشتقّات النفط والأرباح الناتجة عن ذلك يجعل من الأموال الناتجة عن تنفيذ العقود أموالاً غير مشروعة ناتجة عن الفساد وعن تقليد السلع والغشّ في الإتجار بها[6]؛
  • أنّ تواري ذوق عن الأنظار وقيامه، بالتنسيق مع رحمة، بإخفاء جميع أجهزة الحواسيب التي تتضمّن كلّ بيانات الشركة تشكّل مجتمعة أدلّة كافية لتبيان نيّته إخفاء عدم مشروعيّة الأموال والمصدر الحقيقي للأموال بما يحقّق جرم تبييض الأموال[7]؛
  • أنّ التداخل في إدارة الشركتين ثابت. وقد استندت هنا إلى معطيات عدّة، أهمّها اعتراف سكرتيرة هذا الأخير التي أكّدت أنّها كانت تعمل على تنظيم لوائح جداول “الرشاوى” مع مساعِدة رحمة، وتسجيل موظّفي شركة ZR Energy DMCC كموظّفين في الهولدنغ، والتعاون بين الشركتين للحصول على تسهيلات مصرفية بدليل الكفالة الشخصية من رحمة للتسهيلات الممنوحة لشركة ZR Energy DMCC فضلاً عن التفويض المعطى من الذوق لرحمة.

وقد تعمّدنا هنا الإسهاب في هذه التفاصيل لإثبات أنّه كان بإمكان الهيئة الاتّهامية أن توجّه تهم تبييض أموال وأن تعتبر التداخل حاصلاً بين الشركتين، بما يعني أنّ قرارها هدف في الأساس إلى تقليص المسؤوليّات الجزائية عن الأشخاص المدّعى عليهم، وبخاصّة عن رحمة الذي أمكنه هنا ليس فقط الاستفادة من السرّيّة المصرفية، بل أيضاً ممّا يسمّى ستار الشركات المنشأة.

ويُشار إلى أنّ لاستبعاد جرائم تبييض الأموال نتائج بالغة الخطورة، سواء في لبنان أو عالمياً، حيث تُعدّ مكافحتها أحد أهمّ أوجه مكافحة الجريمة المنظَّمة. ففي لبنان، تسمح مكافحة تبييض الأموال برفع السرّيّة المصرفية التي تُعيق عادة التحقيق في قضايا الفساد كما تسمح بتجميد الأموال المشبوهة بانتظار إنهاء الدعوى. وعليه، وفيما كان يُؤمل أن تدعم الهيئة الاتّهامية جهود النيابة العامّة في إرغام هيئة التحقيق الخاصّة على رفع السرّيّة المصرفية عن حسابات هؤلاء، أتتْ على العكس من ذلك تماماً لتحصّن قرار هذه الأخيرة ومعه شبكات المصالح التي يصعب كشفها من دون رفع هذه السرّيّة. أمّا على الصعيد العالمي، يُعتبر التعاون في مجال مكافحة تبييض الأموال الوسيلة الأسرع لاستعادة الأفراد والدول حقوقَها وهو ما لا يتحقّق بسهولة تحقّقه في حالة جرائم أخرى.

في الاتجّاه نفسه، ذهبت الهيئة الاتّهامية أبعد من ذلك في التخفيف من الاتّهامات الموجَّهة إلى رحمة، حيث منعتْ المحاكمة عنه بجرائم التزوير والاحتيال على الدولة وغشّها وتبييض الأموال لتكتفي بالادّعاء عليه بجرم الرشوة فقط، وهو ما خالفته أيضاً القاضية معتوق. والنتيجة العملية لكلّ ذلك هي أنّ الشركات المتورّطة لا تزال عاملة في العديد من الدول كأنّ شيئاً لم يكن.

أورور فغالي: السياسة تضيّق مسؤوليّتها؟

بقي أن نشير إلى تأثيرات السياسة الواضحة على تقييم الأفعال المعزوّة إلى المديرة العامّة للنفط أورور فغالي، وهي تأثيرات بدت مرتقَبة نظراً إلى انخراط كلّ من جبران باسيل والبطريرك الماروني في الدفاع عنها. وقد تجلّت هذه التأثيرات في القرار الصادر عن قاضي التحقيق منصور الذي حصر الظنّ بها بجرم الإهمال الوظيفي ليمنع في المقابل المحاكمة عنها بجناية التزوير في الأوراق الرسمية (التي كانت ادّعت فيها النيابة العامّة على خلفيّة اختلاق ساعات إضافية لموظّفة في الوزارة). كذلك لم يتمّ الادّعاء عليها بجناية الرشوة وفق المادّة 352 من قانون العقوبات (أي تقاضي منفعة مقابل عمل غير مشروع أو إهمال أو تأخير ما كان عمله واجباً)، رغم بروز أدلّة قويّة على ارتكابها، أبرزها موافقتها على تلقّيها وتلقّي الموظّفين العاملين في إدارتها هدايا ذهب وتواطؤُها للتستّر على مسؤوليّة باخرة لوّثت المياه الإقليمية، أو أيضاً سعيها إلى إفشال عمل التفتيش المركزي في مراقبة حمولات البواخر خوفاً من افتضاح الشركات التي اعتادت تزوير النتائج. فهل تُعدّ هذه الأفعال مجرّد إهمال أم على العكس من ذلك ارتشاء وأفعالاً قصدية يُراد منها إهمال القيام بعمل واجب فضلاً عن عرقلة عمل الإدارات العامّة الأخرى من أداء وظائفها في ملاحقة المخالفات والجرائم؟ وأغلب الظنّ أنّ حصر الادّعاء في الإهمال إنّما يهدف إلى إبعاد أيّ شبهة بتورّطها في جرم فساد مشين، ما يحول دون إقصائها عن مركزها. وقد تبدّت خطورة حصر مسؤوليّتها على هذا الوجه في تكليفها اللاحق بإدارة المنشآت النفطية محلّ حليس المتّهم بالرشوة.

وقد اعتمدت الهيئة الاتّهامية توجّهاً مماثلاً، وإن أضافت على الإهمال جنحة الرشوة. ويُلحظ أنها طبّقت في هذا الخصوص المادة 351[8] من قانون العقوبات التي تنطبق في حال الرشوة مقابل منفعة مشروعة وتصل عقوبتها بالحد الأقصى إلى ثلاث سنوات حبس. في المقابل، استبعدت من دون مبرّر جناية المادة 352[9] من قانون العقوبات التي تنطبق في حال الرشوة مقابل منفعة غير مشروعة أو إهمال وتصل عقوبتها إلى 15 سنة أشغال شاقّة مؤقّتة. وبذلك، تكون الهيئة الاتّهامية أيضاً قد خفّفت بدورها مسؤوليّة فغالي رغم خطورة الأفعال التي ارتكبتها. وما يزيد من قابليّة موقف الهيئة الاتّهامية للنقد هو أنّها كانت بيّنت ضمن حيثيّاتها ما معناه ثبوت أنّ أورور فغالي كانت تأخذ الهدايا في إطار وظيفتها ما يشكّل جرم المادّة 351 عقوبات وليس 376 عقوبات[10]. بالإضافة إلى ثبوت أنّها كانت على علم بحصول أخطاء كثيرة في العمل وكانت تصمت عنها بدون أن تقوم بالإبلاغ عنها أو العمل على منع حصولها أو إصلاحها وفقاً لما تفرضه عليها واجباتها، الأمر الذي يشكّل إهمالاً بواجباتها الوظيفية ينطبق على جنحة المادّة 373 من قانون العقوبات[11].

 

نشر هذا الملف في ملحق خاص في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان.

 

 

  1. جاء على لسان النائب السابق سليمان فرنجيّة: “سركيس حليس ذهب إلى المحكمة، منشان تعرفوا كلكن. أنا منت عليه وراح عالمحكمة. لأن أنا ما ببعته على المحكمة أو بوقّفه أو بقلّه بتجي أو ما بتروح. أنا بمون على الأشخاص بتروح أو ما بتروح. بس وقت اللي بيوصل عند قاضي التحقيق وبتكون غادة عون باعتة عسكريين بتقلّن بتكربجوه وبتجيبولي ياه من باب قاضي التحقيق، إي لا أكيد… أنا ببعت الناس بضمانتي إنه الناس حيوصلوا للعدالة، ما ببعت الناس تينجابوا ينحطّوا أمام عسكري أو ضابط يتبهدلوا جمعة وجمعتين وبعدين يقولولن إنتو أبريا، بس بيكونوا قشّطوهن مراكزن، لأن المركز بالهيدا (يقصد إنه مهمّ).. بيكونوا بهدلوهن بيكونوا ذلّوهن! لا مش هيدا المطلوب”.
  2. قال شو منوقّف من الجهتين لنبيّن إنه نحن مستقلّين كقضاة”. الموضوع ليس سياسياً ولا شخصياً، بل يصوّرونه على هذا الشكل لشلّ القضاء، ولا أحد يحاول أن يحوّل الموضوع إلى “انحياز قاضي إلى جانبنا”، “قال الريسة غادة عون هي قاضية القصر الجمهوري”، وهي ليست كذلك، فليطلبوا تنحّيها عن الملفّ إذا كانوا يرون ذلك، لأنّ أيّ قاضٍ سيستلم هذا الملفّ لن يستطيع تغيير الوقائع والحقائق.
  3. ملفّ الفيول المغشوش : القضاء يتحرّك بوجه وجوه كبيرة متورطة، موقع التيار، 25/4/2020
  4. معلومات تلفزيون “النشرة”: القاضي إبراهيم توصّل إلى تسوية في قضية الفيول المضروب، 8/4/2020
  5. المادة 66: “للنائب العام أن يدعي لاحقا بالأفعال التي أغفل عن الإدعاء بها في ادعائه الاصلي وفي حق من أغفله في هذا الادعاء أو ادعائه اللاحق. على قاضي التحقيق ان يستجوب هؤلاء بصفة مدعى عليهم وأن بعتد بهذه الصفة في إجراءات التحقيق كافة
  6. الفقرتان 9 و14 من المادّة الأولى من قانون مكافحة تبييض الأموال 44/2015.
  7. يتحقّق جرم تبييض الأموال بحسب المادّة 2 من القانون 44/2015.
  8. المادة 351: كلّ موظف وكلّ شخص ندب إلى خدمة عامّة سواء بالانتخاب أو بالتعيين، وكل امرئ كلّف مهمّة رسمية كالحكم والخبير والسنديك التمس أو قبل لنفسه او لغيره هدية أو وعد أو أي منفعة أخرى ليقوم بعمل شرعي من أعمال وظيفته عوقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات وبغرامة أقلّها ضعفاً قيمة ما أخذ أو قبل به.
  9. المادة 352: كلّ شخص من الأشخاص السابق ذكرهم التمس أو قبل لنفسه أو لغيره هدية أو وعد أو أيّ منفعة أخرى ليعمل عملاً منافياً لوظيفته أو يدّعي أنّه داخل في وظيفته أو ليهمل أو يؤخّر ما كان عمله واجباً عليه عوقب بالأشغال الشاقّة المؤقّتة وبغرامة لا تنقص عن ثلاثة أضعاف قيمة ما أخذ أو قبل ب، يقضى بالعقوبة نفسها على المحامي إذا ارتكب هذه الأفعال.
  10. “ثبت من اعتراف فغالي بتلقّي الهدايا ومن العطف الجرمي من طارق الفوّال الذي صرّح أنّها كانت تأخذ الهدايا، ومن أقوال سكرتيرة إبراهيم الذوق التي صرّحت أنّها كانت تأخذ الهدايا من طارق الفوّال، ومن أقوال خديجة نور الدين التي صرّحت أنّها كانت توزّع ليرات الذهب على الموظّفين، أنّ أورور فغالي كانت تأخذ الهدايا في إطار وظيفتها ممّا يشكّل جرم المادّة 351 عقوبات وليس 376 عقوبات”.
  11. “ثبت من الرسائل الصوتية والخطّية بينها وبين خديجة نور الدين رئيسة دائرة المراقبة المالية ورئيسة مصلحة الشؤون الاقتصادية والمالية في الوزارة، أنّها كانت على علم بحصول أخطاء كثيرة في العمل وكانت تصمت عنها بدون أن تقوم بالإبلاغ عنها أو العمل على منع حصولها أو إصلاحها وفقاً لما تفرضه عليها واجباتها. بالتالي إنّ إهمالها القيام بواجباتها الوظيفية ينطبق على جنحة المادّة 373 من قانون العقوبات”.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية



لتعليقاتكم