القضاء والإعلام

القضاء والإعلام

 
باشر المرصد المدني لاستقلال القضاء وشفافيته في لبنان (المنشأ بمبادرة من المفكرة القانونية) تحرير تقرير فصلي دوريّ للاضاءة على أبرز المستجدات القضائية. وقد نظمت تقاريره من زوايا عدة: زاوية التنظيم القضائي، وزاوية الأعمال القضائية، فضلا عن مبادرات التقاضي الاستراتيجي أي اللجوء الى القضاء لتحقيق غاية حقوقية استراتيجية معينة (تكريس قاعدة معينة أو وقف ممارسة مخالفة للقانون أو لحق أساسي..). وتنشر المفكرة القانونية تباعا خمسة من هذه التقارير تشمل الفترة الممتدة من شباط 2014 حتى تموز 2015.
 
في تنظيم القضاء:
في هذه الفترة، أضاءت المفكرة القانونية على ثلاث مسائل أساسية بشأن التنظيم القضائي وهي على التوالي: العلاقة بين القضاء والاعلام من جهة، ومشروع قانون تعديل قانون المحكمة العسكرية وأخيرا تفعيل محكمة حماية المستهلك.
 
الأول، القضاء والاعلام: هل نشهد تحولا في البيئة المهنية للقضاة من خلال تزايد الاهتمام الاعلامي في مراقبة الأعمال القضائية؟
انطلقت التساؤلات بشأن العلاقة بين القضاء والاعلام تبعا للحكم الصادر في 24-2-2014 عن محكمة مطبوعات بيروت لصالح القاضية رندة يقظان ضد جريدة الأخبار ومحمد نزال. وقد أدانت المحكمة المدعى عليهما بالقدح والذم ونشر خبر كاذب وألزمتهما بتسديد تعويض للقاضية يقظان. وكانت الجريدة قد عبرت عن غضب شديد إزاء أعمال هذه المحكمة، طالبة من أعضاء هيئتها التنحي.
وبالعودة إلى تفاصيل هذه القضية، نسجل أن القاضية يقظان أحيلت الى المجلس التأديبي وتمّ إنزال عقوبة تأديبية بحقها تبعاً لمقال نشرته "الأخبار" يتصل بدورها في عدم استئناف قرار قاضي التحقيق بالإفراج عن اثنين من كبار مروجي المخدرات.
وقد بررت الجريدة غضبها إزاء الحكم الصادر بحقها في مطالعة طويلة. وقد بينت خلالها أن الحكم الأخير يشكل مؤشرا أساسيا على انحياز المحكمة لأصحاب النفوذ (في القضية المذكورة القاضية يقظان) لتحصينهم إزاء أي نقد أو فضح.
واللافت أن انتفاضة الجريدة جاءت عقب سلسلة من المواقف النقدية لأعمال قضائية، أبرزها الحكم الصادر في قضية رلى يعقوب، حيث وجه الاعلام ممثلا بعدد من الصحف (السفير، الأخبار) والتلفزيونات (NTVوLBC) أسئلة حول اهمال عدد من أدلة جرمية، بقيت من دون إجابة.
وقد ولدت هذه الانتقادات المتزايدة من حيث حدّتها ووتيرتها شعورا لدى القضاة بحصول تحوّل هامّ في بيئتهم  المهنية. وبالطبع، شكل نشوء المفكرة القانونية كمنظمة إعلامية نقدية متخصصة وتطور أعمالها ونشاطاتها عاملا إضافيا في هذا الخصوص.
واستفادة من الجدل الحاصل، اعتمدت المفكرة خطة من أربعة مستويات:
1-  المستوى الأول: الاحاطة بالمسألة وبأبعادها بحثيا واعلاميا من خلال عددها رقم 15 لهذا الغرض (الرابط على العدد). وقد انعكس ذلك في الرسم المعبر المنشور على الصفحة الأولى من هذا العدد، والذي بدا فيه اعلاميون يشهرون كاميراتهم كأسلحة في مواجهة ضد قضاة شهروا هم مطارقهم (رابط على الصورة). وتخلصا مما توحي به الصورة، اقترحتالمفكرة مقاربة تصالحية في هذه العلاقة المتوترة، للتخلص مما يرافقها أو تثيره من تصورات نمطية وهواجس لدى القضاة. فالقضاء والاعلام ليسا محكومين بالعدائية بل على العكس يدخل في صلب أعمالهم المهنية التشارك في محاسبة النافذين، فيحمي القضاة حرية الاعلام الذي ينقدهم ويفضح مخالفاتهم، ويحمي القضاء استقلالية القضاة من خلال فضح التدخلات في شأنه. وفي هذا المجال، كتب مدير تحرير المفكرة القانونية نزار صاغية، مقالا تمت عنونته بالتساؤل المحوري الذي طرحه: "هواجس القضاة ازاء تغير نسبي في بيئتهم المهنية: كيف نكسر نمطية العلاقة بين الاعلاميين والقضاة؟" (رابط على المقال+ رابط على نسخته الانكليزية). وقد انبنى المقال على وجوب فهم مخاوف القضاة وهواجسهم في هذا المجال ومناقشتها جديا. وقد خلص المقال الى وجوب اعتماد قراءة جديدة لمقومات هذه العلاقة أكثر تواؤما مع الواقع ومقتضيات المصلحة العامة. وهذا الأمر يفرض بالضرورة الابتعاد عن اللغو والمبالغة في تقدير مخاطر الاعلام، كما الابتعاد عن استصغار الدور الذي بامكانه أن يؤديه في تحصين استقلالية القضاء في مواجهة القوى النافذة. وللوصول الى ذلك، قد يكون من الضروري تجاوز عدد من المسلمات التي يرتدي بعضها طابعا تقليديا موروثا:
الأولى، إعادة النظر في مفهوم "هيبة القضاء". فعدا عن أن هذا المفهوم هو في تعارض تام مع فكرة العدالة بما فيها من مهابة وخوف، فان كرامة القضاء تتحقق من خلال الدفاع عن استقلاليته إزاء من يتدخل في هذه الأعمال وليس في التعامي عن هذا التدخل. هذا فضلا عن أن ثقة الناس بالقضاء لا تكتسب بفعل لزوم الصمت ازاء طرح علامات استفهام كبرى انما في إعطاء أجوبة واضحة ومقنعة في هذا الصدد، بحيث تزداد الثقة بالقضاء بقدر ما تزداد الشفافية في أعماله.
الثانية، إعادة النظر في احتكار مجلس القضاء الأعلى لمهام اصلاح القضاء. فخلافا لما يصرح به المجلس، يثبت الواقع أنه أعجز من القيام بهذه المهمة منفردا، ولا سيما أن صلاحياته تبقى محدودة وأعضاؤه غير محصنين. فماذا فعلت مجالس القضاء إزاء تعنت السياسيين فيما يخص التشكيلات القضائية؟ ولا يعني ذلك بالضرورة انتقاصا من قدره أو من قوة ارادته أو تشكيكا في نواياه، انما مرده هو تقدير واقعي وموضوعي لحجم المهمة التي تتطلب جهودا اجتماعية جمة تشكل قدرة كافية لجبه قوى النفوذ الجاثمة على صدر القضاء. وهنا، من اللافت أن يطالب المجلس القوى الاجتماعية بدعمه للمحافظة على هيبة القضاء، في موازاة اعلانه تفرده في اصلاح الخلل القضائي. كأنما الجهود الاجتماعية تهدف الى إخفاء الحقائق وليس الى صناعة حقيقة مختلفة. 
الثالثة، إعادة النظر في مفهوم التدخل في القضاء. فغالبا ما تضع المؤسسات القضائية الانتقادات الإعلامية للقضاء في خانة التشويش على أعمال القضاء والتدخل فيها[1]. والواقع أن هذا الهاجس على أهميته، يرشح عن نظرة ضيقة ومجتزأة للأمور. فالثقافة السائدة قضائيا كما سبق بيانه ليست ثقافة استقلال القضاء فيأتي الاعلام ليعكرها، انما على العكس تماما، هي أقرب ما تكون الى ثقافة تدخل في القضاء، بحيث يستبيح كل ذي نفوذ لنفسه مباشرة أو من خلال وسطاء قضائيين التدخل في القضاء (وهو جرم جزائي) من دون أن يستتبع ذلك أي ملاحقة قضائية. وأمام واقع كهذا، تصبح الانتقادات الموجهة الى القضاء بالدرجة الأولى انتقادات لفضح هذه التدخلات أو على الأقل لإحداث توازن معين في واقع غير متوازن. هذا مع العلم أن "التدخل" الإعلامي يحصل علنا ويبين أسبابه ويكون قابلا مبدئيا للرد والمناقشة ومعرضا للملاحقة في حال التعسف، فيما أن "التدخل" غير الإعلامي يحصل سرا ويستخدم وسائل غالبها غير مشروع، من ترغيب وترهيب، وهو بطبيعته غير قابل للرد أو المناقشة وتشكل سريته مانعا من بين موانع عدة أمام ملاحقته. ومن هنا، يكون جد معبر أن يبقى مجلس القضاء الأعلى والنيابات العامة على اختلاف درجاتها ومجمع القضاة صامتين إزاء التدخلات السياسية والقضائية في أعمال القضاء فلا يعترضون عليها علنا، فيما تعلو الصرخة كلما تناول الاعلام موضوعا قضائيا.    
الرابعة، إعادة النظر في مفهومي موجب التحفظ والتقاليد القضائية. وفي هذا المجال، غالبا ما يبرر الخطاب القضائي الرسمي وجوب ابعاد الاعلام عن القضاء لعدم جواز انغماسه في سجالات إعلامية بشأن عملا بموجبي الحيادية والتحفظ[2]. وإذ شكل انشاء مكتب اعلامي لمجلس القضاء الأعلى مدخلا هاما في هذا الخصوص في اتجاه تنظيم حق الرد والتوضيح على ما يتصل بالقضاء، فان مراقبة أعماله تظهر عددا من الشوائب: فقد بدا المجلس من خلال بياناته وكأنه يمنح  ثقته الكاملة للقضاة الذين يتم التعرض لهم، مع  تجنب الإجابة على التساؤلات المطروحة إعلاميا بطريقة أو بأخرى. وهو بذلك بدا وكأنه يقول إن للقاضي موضوع النقد من يدعمه من دون أن يبيّن فيما إذا كانت حقيقة أعمال القاضي تستحق الدعم أم لا. الا أنه ورغم هذه الشوائب، ما تزال تجربة المجلس في أولها، ويؤمل تطورها مع تراكم الخبرة في هذا المجال. 
الخامسة، إعادة النظر في الاتهام السهل بالتعميم. فكما سبق بيانه، قد يكون مرد اتهام انتقاد معين بالتعميم هو الحساسية المفرطة للقضاء إزاء الانتقاد أكثر مما هو مضمون الانتقاد بحد ذاته والذي قد يكون مركزا بدرجة أو بأخرى. وقد يكون من الأفضل تاليا التأني في هذا المجال مع مقاربة الملاحظات العامة على القضاء عند وجودها مقاربة مختلفة، فلا ينظر اليها على أنها استعداء للجسم القضائي بل استدعاء له للقيام بما يلزم لاعادة الكرامة القضائية الى ما كانت عليه.
 
كما وثقت المفكرة في العدد المذكور بعض التجارب المنسية والتي شهدت تشاركا بين قضاة ووسائل اعلامية، بهدف تحقيق أهم ما لهما من وظائف مشتركة، أي الانتصار للفئات الأكثر ضعفا في مواجهة القوى الأكثر نفوذا كما حصل في 2009- 2010 بهدف التنفيذ الآيلة الى وضع حد للاحتجاز التعسفي لعشرات اللاجئين العراقيين من قبل الأمن العام (رابط على المقال+ رابط على نسخته الانجليزية).
كما أوضحت للرأي العام الاستراتيجيات القضائية الثلاث في التعاطي مع الاعلام، من باب ضبط تعدديتها والتحول الحاصل بشأنها وذلك بهدف تسهيل تجاوز النمطية التي تصور بأن المواقف القضائية التقليدية الرافضة للاعلام ثابتة لا تتغير. وهذه الاستراتيجيات الثلاث هي على التوالي: (1)، انكار حق الاعلام بالتعرض للقضاء(ترجمته بالانجليزية) على نحو قد يؤدي الى المس بكرامة القضاة أو زعزعة الثقة بالقضاء، وذلك تحت مسميات عدة، منها هيبة القضاء ومراعاة عدم إمكانية القضاة في الدفاع عن أنفسهم بفعل موجب التحفظ. وقد شهدت هذه الاستراتيجية في بعض الأحيان ارتفاعا في وطيسها (1998 و2008) بلغ أحيانا (2008) حد نكران مبدأ المحاكمة العادلة وقرينة البراءة من خلال المطالبة بفتح الباب أمام التوقيف الاحتياطي الفوري لكل من يتعرض للقضاء. (2) الاستراتيجية الثانية (2012) (رابط على نسخته الانجليزية)، وهي تتمثل بالسعي الى تنظيم ميثاق شرف أو وضع آليات تفاهم بين ممثلين عن الاعلام (رؤساء هيئات إعلامية رسيمة ومدراء تحرير) وبعض كبار القضاة (وعلى رأسهم النائب العام التمييزي). وهي استراتيجية غامضة مبنية على الشخصنة والمجاملة بالدرجة الأولى حسبنا نستشف من الشهادات التي تم ضبطها عن طبيعة الأحاديث الجارية آنذاك ويفهم منها وجود تفاهم على عدم تجاوز خطوط حمراء معينة وعلى كيفية حل الإشكالات التي قد تنشأ بين الجسمين المهنيين. أما الاستراتيجية  الثالثة (2013 ..)، فهي تهدف مبدئيا الى التعامل إيجابا مع الحرية الإعلامية من خلال تنظيم حق الرد وهي تتمثل في انشاء مكتب اعلامي لمجلس القضاء الأعلى يتولى النطق باسم القضاء والقضاة. الا أنه وعلى الرغم من أن انشاء المكتب قد حصل انطلاقا من مبدأ الشفافية ومن حق الاعلام بالتداول في الشؤون القضائية ومن حق المواطن في الاطلاع على هذه الشؤون، فان درس بيانات المكتب تعكس أحيانا حنينا للمنطق السابق الآيل الى انكار الحرية الإعلامية بهذا الشأن (نزار صاغية وبيرلا شويري، المكتب الإعلامي لمجلس القضاء الأعلى من خلال بياناته، المفكرة عدد 14، شباط 2014) (رابط لنسخته الانجليزية). ويؤمل طبعا أن ينجح المكتب الإعلامي في تطوير ذاته مع تزايد خبرته.
 
2- على صعيد العمل الاجتماعي: 
دعت المفكرة مع جمعية مهارات عددا من المؤسسات الاعلامية إلى اجتماع انعقد في 12 آذار 2014 وقد ضم ممثلين عن كلا من صحف السفير والأخبار وتلفزيون LBCو NTVوالمستقبل وOTV. وقد ضم السادة شخصيات اعلامية بارزة مثلوا أهم الوسائل الاعلامية المؤيدة لجميع الفرقاء السياسيين: نصري الصايغ ومحمد زبيب ويارا زلعوم ومريم البسام وديانا مقلد وجان عزيز. وقد عقد الاجتماع في مركز المساحة المشتركة في ساحة النجمة في بيروت في 12 آذار 2014 وقد خلص الى وجوب التحرك افراديا وجماعيا لصياغة مطالب موحدة بشأن أمرين: الأول، وضع وثيقة لحماية حرية التعبير، والثاني، العمل على اصلاح محكمة المطبوعات وجميع الوسائل التي تؤول الى المس بهذه الحرية. وقد عبرت شبكة LBCعن انخراطها في هذا الشأن من خلال برنامج انعقد بعد يومين فقط من الاجتماع تنديدا بالمس بحرية التعبير وأيضا من خلال افتتاح نشرتها الأخبارية(الدقيقة 20:35 – 24:30) في 14 آذار 2014 بمقابلة مع المدير التنفيذي للمفكرة نزار صاغية للحديث عن واجب الاعلام في هذا الصدد. كما عبر ابراهيم الأمين عن دعمه الكامل لمبادرة مهارات والمفكرة. وقد أدى هذا التحرك الى تعزيز التضامن ولو نسبيا ومرحليا بين الاعلاميين من مختلف الفرقاء، وصب في تعزيز التوعية بشأن العلاقة بين القضاء والاعلام. وقد حقق نتائج مباشرة وان توقف فيما بعد تبعا للادعاء ضد الأخبار وشركة الجديد بتهمة تحقير المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.
3-   أن المفكرة استغلت المناسبة لاستعادة افكارها بشأن حماية حرية التعبير ولا سيما لجهة تكريس موجب التشهير حق حين يكون واجبا. وهذا ما سنعود اليه في الجزء الثاني من هذا التقرير. كما استغلت المناسبة للتفكير في محكمة المطبوعات (وهي محكمة متخصصة) والمعايير الواجب توفرها لدى القضاة العاملين فيها. وهذا ما تم في العدد 21 من خلال الدعوة الى اعادة النظر في مناهج معهد الدروس القضائية.
   
4-  باشرت المفكرة من موقعها كاعلام متخصص في وضع شرعة تحريرية للشؤون القضائية. واذ تم انهاء هذه الشرعة، فهي لم تعلن بعد ومن المزمع نشرها في العدد المخصص للمرصد القضائي.
 
 
الثاني: الاعتراض على مشروع قانون المحكمة العسكرية:    
في 14-2-2014، نشر مشروع قانون تعديل قانون المحكمة العسكرية من اعداد وزارة العدل، في ظل الحكومة المستقيلة. ووضعت مشروع القانون لجنة مكوّنة من أعضاء عينهم وزير العدل شكيب قرطباوي وهم رئيس مجلس القضاء الحالي جان فهد ونقيبي محامين سابقين بطرس ضومط ورشيد درباس (بات وزيرا في الحكومة الجديدة) فضلا عن رئيس مجلس قضاء سابق (منير حنين) وقاضيين متقاعدين آخرين. وقد نشر المشروع على موقع وزارة العدل اللبنانية كخاتمة أعمال الوزير قرطباوي قبيل تشكيل الحكومة الجديدة. غداة نشره، نشرت المفكرة القانونية تعليقا على مشروع قانون تعديل قانون المحكمة العسكرية للمحامي المتدرج نجيب فرحات حمل عنوان (الإصلاح من دون منهجية ولا مبادئ). كما عادت ونشرت مقالا في عددها 14 الصادر في أوائل آذار 2014 تحت عنوان: "الاستثناء معززا في مشروع قانون المحكمة العسكرية اللبنانية، ولا مكان لأي اضطراب ضميري"، شكل ما يشبه موقفا رسميا في هذا الصدد. 
وأول عيوب المنهجية المتبعة تمثلت في مواصفات أعضاء اللجنة. فعدا عن أن أياً منهم لم يعرف لا بأبحاثه في مجال القضاء ولا بطروحاته الإصلاحية، فان اختيار رئيس مجلس القضاء الأعلى كعضو فيها انما يشكل عاملا سلبيا يخشى منه أن يؤدي الى تغطيس المجلس برمته في تكريس المحاكم الاستثنائية وعلى نحو يناقض تماما أهدافه التي هي ضمان استقلال القضاء وشروط المحاكمة العادلة.
كما أن هذه اللجنة لم تضم أيا من ممثلي الجمعيات غير الحكومية التي ربما تعنى بإصلاح القضاء أو من الأساتذة في القانون أو من ذوي الاختصاصات غير القانونية، مما جرد بالطبع عملها من أي بعد مجتمعي وعلمي. وما زاد الأمر قابلية للنقد طبعا هو مراكمة مشاريع القوانين، بحيث أضيف هذا المشروع الى مشروع وضعته لجنة تحديث القوانين البرلمانية، وكل ذلك بأكلاف عالية تسدد لأعضاء اللجان، وبمعزل عن أي مناقشة اجتماعية لما تصل اليه هذه اللجان من اقتراحات وحلول.
ولكن أخطر من ذلك، هو أن اللجنة بدت منسلخة تماما عن محيطها القانوني لبنانيا ودوليا. فهي لم تعر ولا أدنى انتباه للانتقادات الموجهة السابقة للمحاكم العسكرية لجهة إبقاء القاضي العسكري أو المحامي العسكري أو لجهة توسع صلاحياتها بشكل سرطاني. وتاليا، لم تعر أي انتباه الى ما قد يترتب على ذلك من تأثير على مبادئ المحاكمة العادلة، والخروج عن الخطة الوطنية لحقوق الانسان التي التزمت وزارة العدل بتطبيقها. كما أن اللجنة سهت عن قصد أو غير قصد عن مجمل الورش الإصلاحية الحاصلة في دول الحراك العربي ومآل مبدأي "القاضي الطبيعي" أو "عدم جواز محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية" في دساتير هذه الدول. وتبيانا لذلك، نشرت المفكرة في 18 أذار 2014، مقالا بينت فيه كيفية تعديل قانون المحكمة العسكرية في المغرب.
وبخصوص أولوياتها ومرجعيتها، أوضحت اللجنة ما أسمته أسبابا موجبة وذلك على هامش كل مادة على حدة، من دون أن تبين أو تلتزم بأي مبدأ أو توجه إصلاحي عام في أي حين. وعليه، فان الإشارة الى الطابع الاستثنائي للمحكمة وردت فقط لاستبعاد مقترح في انشاء هيئات اتهامية تشكل مرجعا استئنافيا لقضاة التحقيق العسكريين، وبكلمة أخرى لاستبعاد مقترح كان من شأنه أن يصب في تحسين حقوق المتهم وبوجه خاص حقوقه بالمحاكمة العادلة، فيما نسي تماما الطابع الاستثنائي عند مناقشة صلاحيات المحكمة والتي انتهت اللجنة الى توسيعها (فرحات).
وكان من الطبيعي تبعا لذلك، أن يؤول مشروع القانون ليس فقط الى تكريس الاستثناء والتعامل معه على أنه أمر عادي، انما أيضا الى توسيع دوائره.  
 
محكمة ال RAISON D’ETAT؟
فضلا عن ذلك، من اللافت الجهد الفكري الذي بذله أعضاء اللجنة لاتخاذ قرار بشأن تسمية مفوض الحكومة اللبنانية لدى المحكمة العسكرية، وتحديدا فيما إذا كان من الملائم استبدال هذه التسمية بتسمية نائب عام كما هي حال سائر النيابات العامة أو أيضا تركه على حاله. وقد بررت اللجنة موقفها بالإبقاء على تسمية "مفوض الحكومة" بأن اختصاص القضاء العسكري يشمل مواضيع تتعلّق بالإرهاب والتجسس والإقتتال الطائفي والفتن الداخلية ومحاكمة رجال الجيوش الأجنبية وأن هذه المواضيع بشكل عام تتعلّق بسيادة الدولة وبال RAISON D’ETATأي أنه يعود للدولة أن تتخذ المواقف النابعة من سيادتها أو من علاقتها بالدول الأخرى او بالمؤسسات الدولية. وبالتالي، يكون مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية يمثّل لحدّ ما رأي الدولة في هذه المفاهيم المحكي عنها دون أن يتجاوز مسؤولياته القضائية وصفاته هذه.
ومن خلال هذه الفقرة التوضيحية، أفصحت اللجنة عن أمرين: الأول جهل هائل للمفاهيم القانونية قوامه المزج الكامل بين مفهومي الحكومة والدولة اذ كان بالإمكان حتى في هذه الحالة استبدال التسمية لتصبح "مفوض الدولة"، والثاني، نظرة غريبة بشأن دور مفوض الحكومة بحيث يظهر وكأنه أداة لتنفيذ مآرب الحكومة عملا بمفهوم RAISON D’ETATوالذي يبقى مرادفا لتجاوز القانون وللتسويات التي قد تحصل في إطار المحاكم. ولا نبالغ اذا قلنا أن نظرة كهذه تنعكس على المحكمة برمتها فتزيدها استثنائية.
هذا ما اعلنته المفكرة ونشرته. وقد شكلت هذه المادة مادة فريدة من نوعها، اذ بقيت المفكرة الوسيلة الاعلامية الوحيدة التي علقت على هذا الأمر. بعد أشهر، أعلن وزير العدل الجديد اشرف ريفي ضرورة تجريد المحكمة العسكرية من اختصاصها في محاكمة مدنيين. وهذا ما نعود اليه لاحقا.      
 
الثالث: تفعيل محكمة حماية المستهلك:
هنا ايضا كان للمفكرة دور فريد لم يشاركها فيه أحد. فهي تفردت في لفت النظر الى بقاء هذه المحكمة   المنشأة بموجب قانون حماية المستهلك في 2005 معطلة. وقد أوضحنا في مقال نشر في العدد الثالث عشر، اهمية تفعيل هذه المحكمة الوحيدة المختصة في النظر في البنود التعسفية. بعد نشر المقال، تحركت وزارة الاقتصاد وأعلنت نية وضع مرسوم بتعويضات أعضائها، وقد علقت المفكرة على هذا الأمر (رابط التعليق). الا ان المحكمة ما تزال معطلة.
 
القسم الثاني: الأحكام والقرارات القضائية:   
هنا، ايضا، تمكن المرصد خلال هذه الفترة من ملاحقة عدد من الأحكام الهامة التي كان لها انعكاسات بارزة على عدد كبير من المواطنين. ومن أهم هذه الأحكام الآتية: 
1-القرار الصادر عن مجلس شورى الدولة باعلان حق المعرفة لذوي المفقودين:كيف وجه القاضي المشرع؟
وقد صدر القرار في 4-3-2014 وحظي منذ صدوره بتغطية اعلامية لافتة. ويذكر أن الحكم صدر في الدعوى التي قدمتها الجمعيتان الأكثر تمثيلا لذوي المفقودين بواسطة المدير التنفيذي للمفكرة القانونية وقضى بحق هؤلاء باستلام نسخة كاملة عن تقرير التحقيقات للجنة التقصي عن مصائر المفقودين في 2000. وقد نشرت المفكرة الحكموترجمةعنه على موقعها. كما نشرت عنه تعليقات وردت اشارة اليها على غلافعددها 15. وقد تابعت المفكرة فيما بعد تقدّم الدولة بطعن ضد هذا القرار. فسارعت الى نشر الرسالةالموجهة من محامي اهالي المفقودين الى رئاسة الوزارة للرجوع الفوري عن طلب اعادة المحاكمة، والا اصبح رئيس الوزراء شريكا في تعذيب الأهالي. ومن اللافت أنه بعد ايام، تبنى النائبان غسان مخيبر وزياد القادري مسودة مشروع القانون الذي كانت أعدته جمعية ذوي المفقودين  مع منظمات عدة لضمان حق المعرفة. وقد بين ذلك دور القضاء في توجيه العمل التشريعي.
 مقالات نشرت في المفكرة القانونية عن قرار مجلس شورى الدولة بإعلان حق المعرفة لذوي المفقودين
1)  تبعا لتسليم ذوي المفقودين ملف التحقيقات: استعادة لبعض محطات القضية  (بقلم علاء مروة)
2) بيان ذوي المفقودين بشأن التحرك لتنفيذ قرار الشورى
3)نداء للقضاة والمحامين للالتحاق بدوام ذوي المفقودين: لنتحد حولهم دعما للعدالة واستقلال القضاء
4) بيان للمفكرة دعما لذوي المفقودين في لبنان: وزير العدل يلتزم بحق المعرفة كشرط لبناء السلم الأهلي
5) شورى الدولة اللبناني ينتصر لذوي المفقودين ويحصن حكمه التاريخي: رئاسة الوزراء أمام استحقاق التنفيذ
6) ملاحظات على القرار التاريخي في قضية ذوي المفقودين في لبنان: فاتحة لتكريس حق الاطلاع على المعلومات
7) الحكومة تتنكر مجددا لحقوق ذوي المفقودين في لبنان: طلب بإعادة النظر في القرار التاريخي بتكريس حقهم بالمعرفة
8) شورى الدولة اللبناني يكرّس حقاً طبيعياً لذوي المفقودين في المعرفة(بقلم غيدة فرنجية)
8) Lebanese High Court Consecrates the Right to the Truth: Natural Rights as a Foundation(By Ghida Frangieh)
9) حكم تاريخي يكرس حق المعرفة لذوي المفقودين والمخفيين قسرا في لبنان
9) Lebanon’s Disappeared: Ruling Consecrates Right to the Truth
حكم تاريخي بتكريس حق المعرفة لذوي المفقودين والمخفيين قسرا في لبنان(10
كلمة نزار صاغية، (بصفته وكيل نجاة حشيشو ولجنة ذوي المفقودين في لبنان(11
12)المحكمة العليا في هولندا تقر بمسؤولية قواتها في مقتل بوسنيين في سربرنيتشا: خطوة إضافية لإنصاف ذوي المفقودين(بقلم بيرلا الشويري)
 
مقالات نشرت في الصحف اللبنانية حول قرار مجلس شورى الدولةبإعطاء حق المعرفة لذوي المفقودين
 
ألاخبار
ذوو المفقودين يكسبون جولة في معركة الحق في المعرفة
 
بوابة لبنان للتنمية و المعرفة  

مجلس شورى الدولة ينتصر لحق ذوي المفقودين بالمعرفة

 
Nharkom Said – September 16,2014 Published on Sep 16, 2014  News & Politics
Dima Sadek
Interview with Nizar Saghieh, Wadad Halwani and Paul Achkar
http://youtu.be/TnXjfC8IAMU
السفير
 الحكومة تفرج عن تقرير المفقودين: هل يتضمّن معطيات جدية؟
الاخبار
الحكومة تفرج عن «صندوقة» المفقودين
أهالي المفقودين يفتحون الصندوق: بدأت رحلة الحقيقة
مجلة سكون
ملف المخطوفين "المنظر": مجرد تصنيفات دون تحقيقات رسمية جدية
 
2-القرارات الصادرة في قضايا العنف الأسري: أبعد من توجيه المشرع، تصحيح نصوصه الهجينة   
هنا، كان للمرصد دور داعم في مرحلتين: مرحلة ما قبل صدور القانون، ومرحلة ما بعد صدوره.
مرحلة ما قبل صدور القانون:   
في هذا المجال، تفردت المفكرة من موقعها المختص بنشر تعليق طويل على القرار الظني الصادر في قضية وفاة امرأة رلى يعقوب في حلبا، بمنع المحاكمة عن زوجها. وبينت في تعليقها تفصيليا مخالفات في التعليل. وقد استعادت عدد من الصحف مقاطع من هذا التعيلق بما يؤشر الى أهمية الرصد الذي تقوم به المفكرة. ومن البين أن قضية رلى يعقوب شكلت عامل ضغط لاقرار قانون العنف الأسري.
مقالات نشرت عن القرار الظني الصادر في قضية وفاة امرأة رلى يعقوب
رلى يعقوب، قضيتان في قضية واحدة: جبه العنف الأسري وأحقية المساءلة الاعلامية للقضاء
للمرة الأولى، قرار قضائي لحماية المرأة ضد العنف المعنوي في لبنان
 
كما احتفل المرصد بعيد المرأة من خلال ندوةبعنوان: قرار قضائي يكرس مبدأ "سلامة الانسان تعلو كل اعتبار": أي دور للقضاء في قضية العنف الأسري وفي قضايا الصحة العامة؟، عقدت في 2032014، وخصصها لدور القضاء في حماية المرأة، ولو بغياب أي تشريع. كما نشرت المفكرة عددا من الأحكام ولا سيما الحكم المبدئيالصادر عن محكمة التمييز باعلان سلامة الانسان فوق كل اعتبار. وقد استعاد الاعلام عددا كبيرا من هذه التعليقات كما شهدت الندوة تغطية اعلامية لافتة.
مقالات نشرت في الصحف اللبنانية تسلط الضوء على الندوة بعنوان (قرار قضائي يكرس مبدأ "سلامة الانسان تعلو كل اعتبار)
السفير:

«المفكرة القانونية»: دور القضاء

 
الاخبار:

سلامة الإنسان تعلو كل اعتبار

المدن:

العنف الأسري… الإجتهاد يسدّ فراغ القانون

النشرة:

حماية المعنّفة أسمى من حق الملكية

 
مقالات نشرت حول تعليق المفكرة القانونية على  قضايا العنف الأسري
Home
أول تطبيق لقانون حماية المرأة من العنف الأسري في لبنان: أو حين اجتهد القاضي تصحيحا لقانون مبتور
 
وفي 1-4-2014، تم اقرار القانون في المجلس النيابي. وقد أشارت المفكرة الى عيوبه الأساسية (رابط المقال)، وخصوصا بما يتصل بتعريف العنف. فقد حصر المشرع العنف بالأفعال التي تشملها النصوص الوارد ذكرها في القانون كالايذاء الجسدي واستغلال الدعارة والزنى والتهديد الخ.. وذلك بهدف ابعاد العنف المعنوي ومعه مجمل اشكال العنف التي تمارس بحماية التقاليد الموروثة كاكراه الفتاة على الزواج أو منع الفتاة او المرأة من الخروج.  
 
مرحلة ما بعد صدور القانون:      
هنا، تفردت ايضا المفكرة من خلال مديرها التنفيذي في التعليق على القرارات القضائية الأولى الصادرة في قضايا العنف الأسري. وأهمها القرار الصادر عن قاضي الأمور المستعجلة في بيروت جاد معلوف في 3152014 وقد نشر بالتزامن بين المفكرةوالأخبار. وقد سعى المقال الى تبيان الدور القضائي في تجاوز احد اكبر عيوب القانون المتمثل في منع الاجتهاد في تعريف العنف. وشكل القرار بهذا المعنى انتفاضة ضد حصر العنف بالأفعال التي نص عليها القانون حصرا وذلك على اعتبار ان العنف المعنوي المحمي بالتقاليد لا يقل خطورة عن العنف الجسدي. كما اشارت المفكرة الى مجموعة من الأحكام نشرت كلها على موقعها الالكتروني. وقد استدلت المفكرة من جراء ذلك أمورا عدة: (1) أنه كان للحراك النسوي حول القانون اثر اكبر على القضاة منه على المشرع فبدوا كأنهم على موعد مع الحراك النسوي لتفعيل القانون و(2) أنه للقضاء دور اساسي في تصحيح بعض النصوص الهجينة كحصر العنف المحمي بالعنف الجسدي من دون حالات عنف لا تقل خطورة عنه.    
 مقالات نشرت حول تع

انشر المقال

متوفر خلال:

المرصد القضائي ، لبنان



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *


طورت بواسطة Curly Brackets