القضاء في مهب الشأن السياسي:القضاء المصري نموذجا


2013-08-21    |   

القضاء في مهب الشأن السياسي:القضاء المصري نموذجا

نشرت صحيفة المصري اليوم بعددها الصادر بتاريخ 19 أوت 2013 خبرا مفاده ان مجموعة من القضاة والحقوقيين المتخصصين في الجرائم الارهابية بصدد اعداد ملف قانوني تمهيدا لتقديمه لمقاضاة التنظيمات والدول التى تساند الإرهاب داخل مصر طبقاً للقواعد القضائية الدولية وتضمن المقال موقفا للمستشار محمد عبد الرازق، رئيس لجنة الدفاع عن القضاة، اتى فيه «إننا نرحب بالانضمام إلى الحملة خدمة للوطن، بشرط أن تضم عناصر قضائية»، مشدداً على أنهم سينسقون مع المستشار أحمد الزند، رئيس نادى القضاة، باعتبار أن لجنة «الدفاع عن القضاة» منبثقة عن نادى قضاة مصر. كما كشف ذات المقال أن المستشار خالد محجوب، رئيس محكمة استئناف الإسماعيلية هو أحد المشاركين في المبادرة وقد نقل عنه قوله "أنه إذا تعارض عمل اللجنة مع عمله القضائى فسيترك العمل القضائي للتفرغ لتلك المهمة".
وكانت ذات الصحيفة قد تولت بمقال نشر على أعمدتها بتاريخ 14 أوت 2013 سبر آراء ثلة من القضاة عن موقفهم من مسألة فض اعتصامي رابعة والنهضة ونقلت عن المستشار حسن الغزيري رئيس نادي قضاة طنطا قوله إن الاعتصامين كانا مخالفين للقانون، وأن فضهما استعادة لهيبة الدولة.
ويتجلى من جملة المواقف المشار اليها ومن غيرها من التصريحات أن جانبا هاما من القضاء المصري اختار بدعوى التصدي للإرهاب واستعادة هيبة الدولة أن يكون طرفا فاعلا في المواجهة التي شغلت الرأيين العامين المصري والعربي والتي تدور رحاها على أرض مصر بين أنصار شرعية الرئيس محمد مرسي وبين مساندي تنحيته. وكانت الغالبية الفاعلة من القضاة الذين انغمسوا في الأمر قد اختاروا التعبير عن دعمهم للحكومة القائمة بعدما عدوا التحركات التي تناوئها أعمالا فوضوية تقف وراءها أطراف ارهابية.
وعلى اعتبار أهمية الحراك القضائي المصري في المشهد القضائي العربي بالنظر لما عرف عن هذا القضاء من ريادية في صناعة المواقف، فان النظر في تطور تعاطي قضاة مصر مع الشأن السياسي يكون مسألة بالغة الاهمية خصوصا وأن الحراك كان في إطار انشغال القضاة بالشأن العام وهي من المسائل التي تشهد جدلا كبيرا خصوصا في دول منطقة الربيع العربي.
لعبت انتفاضة قضاة مصر ضد قرارات الرئيس محمد مرسي سواء تلك التي تعلقت بإعلانه الدستوري او قراره بتنحية المستشار عبد المجيد محمود من منصبه كنائب عام دورا مركزيا في الاطاحة بالرئيس. كما كانت مشاركة نادي القضاة بتحركات 30 جوان التي انتهت الى اعادة تشكيل المشهد المصري معلنة وذلك رغم ان رئيس نادي قضاة مصر أكد ان النادي لن يسمح لمنتسبيه بصفة رسمية بالنزول للساحات والميادين بعدما أكد ان قضاة مصر يقفون الى جانب الشعبي المصري في مطالبه. ويتبين مما سلف ان موقفا سياسيا مناوئا لسلطة الرئيس المعزول محمد مرسي تشكل في اوساط القضاة خصوصا تلك التي تحتل المواقع القيادية في نادي القضاة وقد تحول بعد عزله الى موقف مدافع عن المؤسسات التي تولت الحكم من بعده.
ويذهب في الاعتقاد أن القضاء المصري تجاوز بفعل المواقف المعلنة التصور المحافظ لعلاقة القضاء بالشأن العام من خلال صياغته لأطر نظرية تعتبر القاضي مواطنا معنيا بالشأن العام ولا يمكن له ادعاء الحياد أمام التحديات الكبرى التي تواجه بلده. الا ان الرجوع لمواقف ذات الشق الذي يصنع التحول في الموقف القضائي يكشف أن الخطاب القضائي في الشأن السياسي ظل محكوما بتناقضات تمنع من اعتبار الحراك الحاصل نتيجة لتطور مفهومي في هذا المجال: فقد عبر القضاة الذين ساندوا تنحية محمد مرسي من منصب رئاسة الجمهورية وطالبوا بالتصدي للإخوان المسلمين أمنيا وقضائيا عن مواقفهم دون تحفظ  بعدما اكدوا ان مواقفهم غير متحزبة بما يمنع من اعتبارها خروجا عن التقاليد القضائية ولم يجد رئيس نادي قضاة مصر المستشار احمد الزند أي حرج في أن يكون اول المعلنين عن الدعم المالي الخليجي الذي انصب على مصر عقب ثورة/انقلاب 30 جوان في رسالة تطمين للشعب المصري على مستقبل بلده الاقتصادي. وفي موازاة ذلك، تصدى ذات الشق من القضاة بمبادرة من ناديهم لغيرهم من زملائهم الذين خالفوهم الرأي في قراءة المشهد المصري أي القضاة الذين اعتبروا أن الاطاحة بالرئيس محمد مرسي انقلاب على مبادئ التداول السلمي للسلطة واستعادة لنفوذ العسكر في الساحة السياسية. فقد تولى نادي قضاة مصر في إطار حملته على الشق المناوئ شطب عضوية المنتسبين اليه ممن ساندوا اعتصام رابعة العدوية وبادر الى التشجيع على استهدافهم بعد ان تقدم ببلاغ ضدهم لرئيس مجلس القضاء الاعلى ناسبا إليهم الخروج عن التقاليد والقيم القضائية، ومناصرة فصيل سياسي وفقدان صلاحيتهم لتولي القضاء، مع طلب اتخاذ الإجراءات القانونية ضدهم. فيما تولت لجنة شباب القضاة والنيابة توجيه مراسلة لوزير العدل دعته فيه إلى تصحيح مسار الوزارة، بإعادة النظر فى كامل تشكيل إدارة التفتيش القضائى من أجل تأهيل القضاة وتقييمهم ومساءلة المتجاوزين. وطالبت اللجنة، فى بيان لها بتكليف إدارة التفتيش القضائي، بعد إعادة تشكيلها، بضرورة اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة ضد كل من تجاوز فى حق مصر وفى حق القضاء، متاجراً بالصفة القضائية ومستتراً فى وشاح القاضي.
برز من تحركات الاطراف التي تتنازع المواقف في الساحة القضائية المصرية سعي الى اخراس من عارضوا التغيير في السلطة السياسية في مصر وأبرزوا تحفظات على مجرياته بدعوى ان موقفهم دليل على انتسابهم لجماعة الاخوان المسلمين وكان ذلك كافيا بذاته لانطلاق الحديث في الاوساط القضائية عن قضاة الاخوان وواجب تطهير القضاء منهم لعدم صلاحيتهم لتوليه. وأدى المزاج القضائي المستحدث عمليا الى تحول الحديث عن قضاة مصر من حديث عن قضاة التيار الاستقلالي والتيار المحافظ الى اعادة تصنيف على اعتبار ان من كانوا سابقا يوصفون بالتيار الاستقلالي او جزء منهم على الاقل فئة خرجت عن عرف القضاء ووالت شقا سياسيا فيما تم اعتبار من ساند أطروحات الشق المقابل مدافعا عن الدولة في مواجهة الارهاب والعنف الاخواني بما يمنع من اتهامه بالتسيس.
 لم يقطع انغماس قضاة مصر المعلن في الازمة التي تمر بها بلدهم مع فكرة الصوت الواحد بل ان الحدث اعاد انتاج اصطفاف قسري يمنع من بروز الرأي المخالف بفعل سطوة التأديب وانتكس بالتالي الحراك السابق الذي كان ميز المشهد القضائي بين تيارات واطروحات متناقضة تنازعت السعي لكسب ثقة قضاة مصر في إطار تعايش ديمقراطي ضمن نادي قضاة مصر. وحولت تهمة التحزب قضاة مصر الى موضوع تفتيش على المعتقدات وبينت ان فضاءهم يستعد ليكون مشروعا لتصفيات كبرى عنوانها اجتثاث قضاة الاخوان من المشهد القضائي المصري.
أدى انخراط القضاة في النزاع الحاصل الى زعزعة الثقة خارجيا في قدرتهم على التحقيق النزيه والمحايد في الاحداث الطارئة كما برز ذلك من دعوة جمعية القضاة التونسيين[1] الى اجراء تحقيق دولي مستقل في أحداث رابعة العدوية وميدان النهضة. كما ادت حماسة القضاة في الدفاع عن مواقفهم الى شق وحدة صفهم وعودة معيار اللون السياسي في تصنيفهم.
وقد تكون أهمية الصراع الحاصل في مصر وآثاره العميقة على مكتسبات الثورة المصرية ونمط المجتمع علاوة على المنزلقات الخطيرة التي تنبئ الازمة الطارئة بها سببا كافيا بذاته ليبرر خروج القضاة عن صمتهم غير أن اشكال تحركهم وطبيعة تحالفاتهم تعيد طرح السؤال حول علاقة القاضي بالسياسي خصوصا وان تهمة التسيس كانت سلاحا استعمل في حرب القضاة على القضاة وهو امر يفرض طرح السؤال حول ما إذا ما كان الادعاء بحياد القضاء عن الشأن السياسي خطابا سياسيا غايته ضمان تواصل سيطرة القضاء المتسيس على سلطة القضاء.


الصورة منقولة عن موقع اليوم السابع


[1]اصدرت جمعية القضاة التونسيين بتاريخ 15 جويلية 2013 بيانا عن مكتبها التنفيذي تضمن تعبيرها عن اداتها الكاملة لاستعمال الجيش والشرطة المصرية العنف في فض اعتصامي رابعة والنهضة مما ادى لسقوط ضحايا في ظروف مروعة ودعت لاجراء تحقيق دولي مستقل في الوقائع
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية