القضاء التونسي في محضر “النافذين الجدد”


2012-08-07    |   

القضاء التونسي في محضر “النافذين الجدد”

عرفت العلاقة بين الاتحاد العام التونسي للشغل أهم منظمة نقابية عمالية تونسية والسلطة السياسية الحاكمة توترا وانتهى الأمر في مستشفى الهادي شاكر بصفاقس إلى ما يشبه المواجهة المعلنة بين الطرفين: فقد عمد ناشطون نقابيون بالنقابة الأساسية بالمستشفى المذكور إلى طرد مدير المستشفى ومنعوه من مباشرة عمله مما اضطر المدير لاستصدار حكم قضائي يمكنه من دخول مكتبه. ورفضت السلطة تغيير المدير وساندته بعد ان أكدت تعرضه لمضايقات على خلفية كشفها لتورط نقابيين في فساد مالي نخر المؤسسة. نفذ حكم المحكمة وتصدى النقابيون للتنفيذ واستعملوا في ذلك الحجارة والعصي واعتدوا على أعوان الأمن فتم إيقاف مجموعة منهم. أعلنت المركزية النقابية منذ بداية المحاكمات أنها ترفض إيقاف مناضليها وأنها ستنظم مجموعة من الإضرابات لحين رضوخ القضاء وإفراجه عن النقابيين وحفظ التهم في حقهم. رفضت المحكمة الابتدائية في صفاقس الخضوع لمنطق التهديد فلم تفرج عن المتهمين واعتبرت الأفعال التي صدرت عنهم جنايات توجب إيقافهم.
اعتاد النقابيون من مناضلي الاتحاد العام التونسي للشغل على مر أجيالهم أن يتصدوا لأحكام القضاء. فقد كانت السلطة السياسية طوال حقبة الجمهورية الأولى تعمد إلى محاربة العمل النقابي بالمحاكمات. كان صراع القضاء مع النقابة حربا خاضها قضاة يوالون الإدارة بالوكالة عن السلطة السياسية ولغاية تصفية خصومها. كان القضاة فيما مضى في جانب السلطة والجهة التي تحتكم بأمرها. واعتاد النقابيون ذلك فكانت ثقتهم في القضاء مهتزة لما علموه من ضعف القضاء وتبعيته. وكانت القيادة النقابية في فترات تقاربها مع السلطة متعالية على القضاء تعاليها على القانون فيما كانت في أزمات علاقتها بالسلطة ضحية لقضاء التعليمات. أنهت الثورة نظريا منظومة خضوع القضاء للسلطة واستعماله كأداة لإخضاع النقابيين.وعوض افتراض استقلالية القضاء وخضوع الجميع للقانون في إطار دولة القانون، كانت لقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل رؤية مغايرة لمرحلة ما بعد الاستبداد.أعلنت قيادة الاتحاد في أكثر من مناسبة رفضها محاكمة النقابيين لأجل ما ينسب اليهم من تورط في فساد مالي مع النظام السابق أو بسبب تعسفهم في استعمال حقهم النقابي وتعمدهم الخروج عن القانون.
تعمدت النقابة استغلال ما لها من قوة ضغط وما تبين لها من ضعف القضاء في مواجهة الضغط الشعبي والإعلامي لتفرض حصانة فعلية للنقابيين ضد أي محاسبة. كانت محاكمة الأمين العام السابق للاتحاد العام التونسي للشغل عبد السلام جراد على خلفية اتهامه بالتورط في فساد مالي مع نظام الرئيس الأسبق للجمهورية زين العابدين بن علي مناسبة أولى لإعلان المركزية النقابية تعاليها على القانون: فبعد ان اتخذ قاضي تحقيق تعهد بالأبحاث في قضية الفساد إجراء احترازيا يقضي بتحجير السفر عن الأمين العام لاتحاد الشغل، كان الرد المدوي للنقابة التي طالبت بقفل ملف التتبعات ضد كل النقابين وهددت برد فعل عنيف وكان أن تراجع القضاء في اليوم التالي عن الإجراء وسكن حديث المحاكمة.
عادت النقابة بمناسبة أحداث مستشفى الهادي شاكر بصفاقس إلى السعي الى فرض إرادتها بلغة التهديد بالاضطرابات الاجتماعية. أعلنت النقابة صراحة أنها تهدف بحركاتها الى الزام القضاء باطلاق سراح النقابيين وحفظ القضية في حقهم. وكان أن صدر يوم 02 اوت 2012 بلاغ عن الاتحاد العام التونسي للشغل يؤكد أن مفاوضات اجريت بين كوادره ووزير الشؤون الاجتماعية انتهت الى الاتفاق على انهاء الازمة والافراج عن المتهمين الموقوفين وتوالت اثر ذلك تصريحات النقابيين الذين أكدوا تلقيهم وعودا بالافراج عن المتهمين الموقوفين.ونشر نفس الخبر على الصفحة الاجتماعية لوزارة الشؤون الاجتماعية .. كأن الاتفاق بين خصمين سياسيين يقضي بالزام القضاء بتنفيذ بنوده .
لازمت هياكل القضاة الصمت عند بداية الأزمة، فيما بدت رغبة منها في منع تسييس القضية الا أن اصرار المركزية النقابية على فرض ارادتها في الافراج عن مناضليها على المحكمة بتواطؤ مع الحكومة أخرج جمعية القضاة التونسيين عن صمتها. اعتبرت جمعية القضاة التونسيين أن الزج بالقضاء في مفاوضات بين الحكومة والنقابة اهانة لاستقلال القضاء وتدخل سافر من السلطة والنقابة يمس من الاحترام الواجب للمحاكم. كشفت جمعية القضاة على خطورة السعي الى ارهاب القضاة والضغط عليهم لغاية فرض حصانة لجهات معينة تجعلها فوق القانون. أتى موقف جمعية القضاة بمناسبة قضية احداث مستشفى الهادي شاكر وتجاوز ذلك ليكشف عن تحديات جديدة لاستقلال القضاء أوجدتها الثورة . فقبل انهيار الدولة الاستبدادية، كانت السلطة الحاكمة تحتكر لوحدها قوة التحكم في القضاة بما لها من سلطات تحكم في مساراتهم المهنية وبما لها من قدرة على اغراء ذوي الطموحات المهنية الجارفة بعطاياها.وبعد الثورة، ذهب الوزير الحاكم بامره فتفطن السياسيون وكبار رجال الأعمال وبعض المحامين أنهم أضحوا الأكثر أهلية للتحكم في القضاة. عمد الحكام الجدد الى العزف على وتر تاريخ القضاء: تمسكوا كلما دعتهم الحاجة الى ذلك بكون المحاكمات سياسية والقضاء غير مستقل. اختار الحكام الجدد أن يوظفوا التحركات الشعبية والاعتصامات في مسعاهم، فتحولت المحاكم الى ساحات للمظاهرات. وكانت التصريحات في وسائل الاعلام مرافعات هدفها اقناع الرأي العام بكون من يحاكم مناضلا يتعرض لمؤامرة بسبب مواقفه.
اوجدت المنظومة الجديدة واقعها فبرزت أسماء محامين يجيدون صنعة الفرجة في قاعات الجلسات ويزرعون بصراخهم وقدرتهم على اطلاق التصريحات النارية الخوف في قلوب القضاة  يلتجئ اليهم من يرغب في تسييس قضيته.وكانت فضاءات اعلامية توظف في الضغط على القضاة والمتقاضين ممن يتجرؤون على النافذين فتحول المحاكمات لعملية جلد ممنهج لهم. كما تحول عدد من القضاة "المنسجمين" مع الادارة اي أولئك القضاة الذين كانت تستعملهم سلطة الاستبداد في محاكماتها إلى استرضاء النافذين الجدد خوفا من التعرض لتاريخهم وطمعا في رضوان السلطة الجديدة.
شكل البيان الذي اصدرته جمعية القضاة في 04 اوت 2012 اعلانا عن بداية مواجهة بين التيار الاستقلالي وأصحاب النفوذ الذين يسعون الى اضعاف القضاء وتحويله الى اقطاعيات يحكمها الولاء الشخصي والحزبي والنقابي. سارعت الحكومة لتنفي تورطها في مفاوضات المقايضة على استقلالية القضاء، فيما اعلن اتحاد الشغل اصراره على ارغام المحكمة على الافراج عن النقابيين. تبدو معركة الاستقلالية وقد تعدد أعداؤها أبرز تحد يواجه اعادة تأسيس القضاء التونسي: ويكشف تعطل مسار تحديث القوانين التي تضمن شروط الاستقلالية صعوبة المعركة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية