القضاء التونسي: الغاء ترخيص السفر .. بداية اصلاح أم سعي الى تجميل قوانين الاستبداد؟


2012-07-30    |   

القضاء التونسي: الغاء ترخيص السفر ..  بداية اصلاح أم سعي الى تجميل قوانين الاستبداد؟

صادق أعضاء المجلس الوطني التأسيسي بجلستهم العامة التي انعقدت يوم 27 جويلية 2012 على تنقيح الفصل 22 من القانون عـدد 29 لسنـة 1967 المـؤرخ فـي 14 جويلية 1967 المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة. تعلق التنقيح بشكلية الترخيص المسبق للسفر فألغاه واستبدله بمجرد إعلام  بنية السفر يقدمه القاضي لرئيس المحكمة التي يعمل فيها. كان القانون يلزم القاضي التونسي الذي يرغب في السفر إلى خارج البلاد التونسية خلال فترة إجازته السنوية بالتحصل على ترخيص مسبق من وزير العدل. وارتبط شرط الترخيص المسبق في أذهان القضاة والأوساط الحقوقية التونسية بنظرة الريبة التي كانت السلطة السياسية تتعامل بها مع القضاة. إذ أنها  أخضعتهم لشكلية الترخيص المسبق لتمنع القضاة الذين لا تثق في ولائهم من السفر والمشاركة في المنتديات والملتقيات العلمية التي تعقد بخارج البلاد. ويذكر تاريخ القضاء انه اثر تعمد قضاة عرفوا بولائهم للسلطة السياسية بالانقلاب على المكتب التنفيذي المنتخب لجمعية القضاة سنة 2005 لاتهام أعضائه بنزعتهم الاستقلالية، بات ترخيص السفر امتيازا لا يمنح إلا بعد الدراسة الأمنية. فمنع عدد هام من القضاة من مغادرة البلاد وتم إجبار العديد منهم على إلغاء سفراتهم للخارج بعلة رفض إسناد تراخيص السفر لهم، فبات ترخيص السفر المسبق اعتداء على حرية تنقل القضاة تمسكت جمعية القضاة التونسيين بإدانته وناضلت من اجل إلغائه.
ومن هذا المنظور، يشكل إنهاء العمل بالترخيص المسبق للسفر اعترافا للقضاة بحق أساسي حرمهم منه قانون عمل على جعل اتصالهم بخارج البلاد يخضع لرقابة مسبقة لوزير العدل والادارات الامنية خوفا من أن يكشف أحدهم أثناء رحلة سفر أو في مداخلة بندوة علمية أن القضاء يتبع السلطة التنفيذية ويعاني سطوتها وأن الأحكام القضائية كانت أداة من أدوات ادارة الصراع السياسي تستعملها السلطة لقمع معارضيها .
أصرت الحكومة بصفتها الجهة التي اقترحت التعديل التشريعي على تنقيح فصل من القانون الأساسي للقضاة يتعلق بحقهم في التنقل في وقت يستوجب فيه القانون المنظم للسلط العمومية اصدار قانون أساسي جديد للقضاة يحترم القواعد الدولية لاستقلال السلطة القضائية. ويبدو أن الحكومة في اصرارها هذا، تغازل القضاة فتسعى لأن تبدي لهم حرصها على تمتعهم بحقوقهم في التنقل وتحاول أن تنقل رسالة للشارع السياسي مفادها أن مشروعها لاصلاح القضاء قد انطلق تنفيذه.
ورغم أن الهياكل المهنية للقضاة طالبت بذلك بعدما عانى قضاة كثيرون من الإجراء الجائر، فانها تجاهلت التعديل الحاصل ممتنعة حتى عن الترحيب. وعلى نقيض ذلك، كان سؤالهم عن المغزى من تنقيح قانون أساسي للقضاة لغاية ترقيعه وتجميله فيما أنه كان من المرتقب الغاؤه بالتمام والكمال بسبب تعارضه الكامل مع متطلبات المرحلة التي تقتضي التأسيس لقضاء مستقل. يشعر القضاة أن هدية الحكومة التي قدمت لهم وهم على أبواب العطلة القضائية تنذر بأن تعطل مسار اصلاح قوانينهم ما زال مستمرا. ويبدو أن قفز المشاريع الحكومية على الاصلاحات الجوهرية باستعمال اصلاحات شكلية جزئية قد يؤشر الى غياب الارادة الحقيقية في الاصلاح الجذري.
م.ع.ج   

انشر المقال

متوفر من خلال:

غير مصنف



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية