القضاء الإسرائيلي وأيديولوجية الكتاب العدوّ


2020-06-19    |   

القضاء الإسرائيلي وأيديولوجية الكتاب العدوّ

قبل نحو خمسة أشهر، وفي تنظيمي للدورة الثالثة من معرض فتّوش للكتاب في حيفا، منعت الحكومة الإسرائيلية قبيل افتتاح المعرض دخول ما يقارب 80% من كتب المعرض، الآتية من بيروت. ولم تُفرّق بين كتب غسان كنفاني ونيلسون مانديلا أو ترجمات جورج أورويل أو حتى سوزان سونتاغ. واستندت في قرارها إلى أمر انتدابيّ بريطاني يعود إلى أيام الحرب العالمية الثانية، على اعتبار أنّ الكتب مثلها مثل أيّ بضاعة يُمنع أن تتاجر بها إسرائيل مع دولة "عدوّة" كلبنان. ويُعّرف نصّ الأمر الانتدابيّ (رقم 36، لسنة 1939)  بنسخته الإسرائيلية الدولة "العدوّة" بأنّها المنطقة التابعة لقوّة في حالة حرب مع إسرائيل، أو منطقة تسيطر عليها هذه القوّة، بدلاً من إسرائيل أو أحد حلفائها. وينطبق الأمر كذلك على أي منطقة يختارها وزير الماليّة. وفي الشقّ الأخير من التعريف تتجلّى الدهماويّة (الديماغوجيّة) الإسرائيليّة التي تضع القانون وباب الخروج منه في نصّه. ثمّ يذهب النصّ إلى ما هو أكثر جسارة من ذلك كونه يعرّف الشعب العدوّ بدلاً من الدولة العدوّة. ومن بين التعريفات التي يوردها البند الرابع لاصطلاح "عدوّ": كل شخص يعيش في دولّة عدوّة، وكل جهة/ شخص/ تنظيم يرى فيه وزير الماليّة عدوّاً. إذاً، لم يمهّد الانتداب البريطانيّ لإقامة دولة إسرائيل تمهيداً رمزيّاً، بل شمل عناصر إنشائيّة تبنّتها الدولة الفتاة حتّى يومنا هذا. دخل الأمر الانتدابيّ الذي وضعته بريطانيا حيّز التنفيذ في الثالث من أيلول/أيلول 1939. ولا عجب أنّ اندلاع الحرب العالميّة الثانية في الأوّل من الشهر نفسه شكّل فرصة عظيمة لتكريس اصطلاح "العدوّ" بمفهومه السياسيّ وترجمة معناه في حقول الحياة اليوميّة، كالتجارة.

إنّ صناعة العدوّ هذه التي تنتهجها إسرائيل لا تستهدف الدول العربيّة، إنّما العرب كمجتمع وثقافة وحضارة. ولا تستهدف فلسطين كمشروع دولة أو ثورة بالذات، إنّما المجتمع الفلسطينيّ ككل، والفلسطينيين كأفراد. يتبدّى ذلك في القضاء الإسرائيليّ وخارجه. نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، قانون منع لمّ شمل الفلسطينيين الذي سنّ عام 2003 والذي يمنع زواج الفلسطينيّات والفلسطينييّن في أراضي 48، أي حاملات وحاملي الجنسيّات الإسرائيليّة بالفلسطينيّات والفلسطينيّين في الضفّة وغزّة. فلا يمكن للمشروع الصهيونيّ أن يستمرّ بمجرّد أن يتغذّى على عقائده، بل يحتاج إلى الآخر- "العدوّ"- كي يجعل من شرعيّته مسألة حياة أو موت. إنّ ترويج إسرائيل للتهديد الحاصل من الوجود الفلسطينيّ على وجودها وأمنه هو الغذاء الأساس الذي يضمن لها وجودها. فتتجنّد جميع مؤسّسات الدولة وسلطاتها في صناعة هذا العدوّ الذي يسهّل على إسرائيل شرعنة صورتها المتمثّلة بالولد الشقيّ الذي لا يسمع كلام الكبار، فتنتهك الاتفاقات الدوليّة وتحتفظ بسلاحها النوويّ بهدوء وتجرّب ما يخطر ببالها من أسلحها على وفرة من الأجساد القريبة بدون حسيب.

يحترف المشروع الصهيونيّ صناعة مفاهيم واصطلاحات جديدة. لكن من الواضح أنّ استمرار حياة هذه الاصطلاحات يحتاج إلى السلطة التشريعيّة كإحدى الجهات المشاركة في تشييد هذه الصناعة. نذكر مثلاً، اصطلاح القوميّة اليهوديّة، وتدعيمه، كذلك، بقانون القوميّة الذي ينص على أنّ إسرائيل هي "الدولة القوميّة للشعب اليهودي"، وأن حقّ تقرير المصير فيها "يخصّ الشعب اليهودي فقط". وكما تترتّب على هذا القانون أضرار ثقافيّة تخصّ الفلسطينيين كاستثناء اللغة العربيّة من الحيّز العام، تترتّب على الأمر الانتدابي أضرار ثقافيّة تخصّهم في مسألة استيراد الكتب. 

هكذا تربط إسرائيل المظلوميّة التاريخيّة التي وقعت على الشعب اليهوديّ بالرّاهن السياسيّ لتبرير الأخير. وهذه مجرّد نماذج تُضاف إلى قائمة طويلة من الصناعات التي يضع المشروع الصهيونيّ كلّ طاقته وأمواله فيها، بروافده العديدة، حتّى يصبّها في الإبقاء على مشروع الدولة، مشروعاً نابضاً بالحياة.

اللحاق بلقمة الفلسطينيّ وغذائه الفكري

إحدى المطامع التي شكّلت هذه الصناعة وقوانينها حجر أساس فيها هي سلخ الفلسطينيين الذين لم تفلح آلة التهجير الإسرائيليّة في تهجيرهم، عن فلسطينهم وعن امتدادهم العربيّ. ربّما مرّت الأجيال الفلسطينيّة بتجارب مختلفة في سياق علاقتها بمحيطها العربيّ. لكن بالرّغم من الانتصار الذي حقّقناه من خلال خرق الحدود في زمن الإنترنت، سيظلّ الواقع المادي  شبحاً يلاحقنا في زمن الاحتلال. وسيظلّ قانون مثل قانون منع التجارة مع العدوّ يتماشى مع سياسة إسرائيل في تجهيل الفلسطينيين وحصرهم في زنزانة كبيرة أشبه بصحراء ثقافيّة، ويتواءم وجريمة الجزّ التي أجهزت فيها إسرائيل عام 1948 على كافّة الخيوط التي تربط الفلسطينيّ بالكتاب، من خلال إغلاق المطابع ودور النشر في المدن المركزيّة، فمنع الكتاب العربيّ من الدخول إلى الأراضي المحتلّة، ثمّ تأسيس المنظّمة العمّاليّة الصهيونيّة (الهستدروت) لدار نشر عربيّة لقّمت الفلسطينيين بوجبة واحدة ما يراد لهم أن يقرأوا.  

لكنّ العجيب في إسرائيل أنّها لا ترضى رمي الجثّة بدون لثم آخر نقطة دم عليها. فقبل أن تُطبّق هذا القانون على الكتب نهبت كتب الفلسطينيين عام 1948، وسرقت كتبهم من مركز الأبحاث الفلسطينيّ في حربها على بيروت عام 1982، إلى جانب كتب لبنانيّة أخرى. أنا نفسي قرأت عشرات الكتب العربيّة في مكتبة جامعة حيفا خُتمت صفحاتها الأولى بأختام تابعة لمكتبات عامّة في بيروت. 

في شهادته التي دوّنها الصحافي أوس يعقوب في مجلّة "رمّان"، سرد فيصل حوراني تفاصيل نهب مركز الأبحاث: "حوت كتباً بأربع لغات، هي العربيّة والعبريّة والإنكليزيّة والفرنسيّة، بلغ عددها عند نهبها خمسة وعشرين ألف كتاب، ضمنها الموسوعات العامّة والقواميس ومجلّدات الأطالس وما إلى ذلك ممّا لا يُستغنى عنه في أيّ مكتبة لمركز أبحاث محترم". وعن محتويات الأرشيف يقول: "أمّا الأرشيف فضمّ ما أمكن جمعه من أدبيّات الأحزاب والفصائل الوطنيّة الفلسطينيّة قبل 1948 وما صدر بعد هذا العام، كما ضمّ الأرشيف قصاصات من الصحف الرئيسة شملت ما نشرته هذه الصحف من أنباء وآراء ذات صلة بمسائل الصراع الذي اختصّ بها المركز. وضمّ الأرشيف الأدبيّات السياسيّة الإسرائيليّة التي تمّ نشرها منذ تأسيس إسرائيل، وضمنها محاضر اجتماعات الكنيست وما إلى ذلك من محاضر جرى نشرها هناك".[1]

تعتبر هذه الجريمة تصفية للثقافة الفلسطينيّة البحثيّة والأدبيّة التي كانت قد تشكّلت ملامحها مع بيان الملامح الحضريّة للمجتمع الفلسطينيّ قبل نشوء المشروع الصهيونيّ. وهكذا ستبدأ الأجيال اللاحقة بالبناء فوق الخراب، على مستوى التأسيس لبنية تحتيّة قادرة على خلق سوق للكتاب. 

فرصة لإحراق القانون

يُدخل الفلسطينيون الكتب الصادرة في لبنان إلى فلسطين بطرق التوائيّة "تزمط" فيها الكتب من تحت أعين الحرّاس وموظّفي الجمارك. وبالرّغم من نجاح بعض هذه المحاولات، إلّا أنّ إخفاق البعض الآخر يودي بالكتب التي تُشحن من بيروت، إلى عمّان، ففلسطين، إلى الإتلاف أو الإرجاع في أحسن الأحوال. وما يزيد من هذا المشهد ترهّلاً هو انعدام وجود دور نشر فلسطينيّة توفّر الكتاب وتردم هوّة الحرمان السحيقة.

في هذا السياق قدّم مركز "عدالة" القانونيّ في حيفا عام 2009، التماساً إلى المحكمة العليا مطالباً فيه بالسماح لمكتبة "كل شيء" أحد مستوردي الكتب في أراضي 48 أن تستورد كتباً من الأردن ومصر يصدر معظمها عن دور نشر في سوريا ولبنان.

وكان صالح عباسي صاحب المكتبة قد تلقّى في شهر آب/أغسطس 2008 رسالة من وزارة الصناعة والتجارة والتشغيل الإسرائيليّة تبلغه عن عدم تجديد رخصته لاستيراد الكتب. لكنّ الالتماس الذي قُدّم للمحكمة العليا جلب نجاحاً للمستورد وتمّ إدخال شحنة الكتب الآتية من لبنان.[2]

لم تشكّل هذه الخطوة سابقة قانونيّة. وظلّ قانون المنع ساري المفعول. ولم تشكّل الكتب، بالنسبة للدولة التي تتفاخر بثقافتها وترثي الزّمن الذي أحرقت فيه النازيّة كتبها، حالة تستوجب الاستثناء نظراً لتغنّي الكيان المفتَرض بالحرية الفكرية. ومن المهمّ أن نذكر أنّ إسرائيل تمنع هذه الكتب العدوّة من الدخول لأنّها صدرت في لبنان أو العراق أو غيرها من الدول المدرجة في القائمة، وليس لأنّها تحمل عناوين سياسيّة قد تعتبرها إسرائيل خطراً على أمنها القوميّ.

لا يمكن للفلسطينييّن أن يستمرّوا في الخضوع لهذا القانون. ومهما تكن الأسباب التي دفعت المحكمة الإسرائيليّة العليا إلى السّماح، لمرّة واحدة، بدخول كتب لبنانيّة إلى أراضيها، فإنّ ذلك يشكّل شرارة على الفلسطينيين استغلالها من أجل إشعال النار في وجه القانون وإلغائه إلى الأبد. صحيح أنّ معركة الفلسطينيين مع الاحتلال ليست معركة قانونيّة وحسب، وقد يرى البعض، وأنا منهم، بعبث مطالبة القضاء الإسرائيليّ بالعدالة، إلّا أنّ قضيّة الكتب على وجه الخصوص، تستأهل خوض ساحة هذه المعركة. لكن في السؤال حول اللاعب أو المقاتل الفلسطينيّ، ثمّة إحباط كبير. قام مركز عدالة، على سبيل المثال، بدوره المأمول منه. لكنّا لن نشهد إبطال  هذا القانون من دون نضال حقيقيّ وتكاتف في المجتمع الفلسطينيّ. المجتمع الذي عليه قبل أن يشمّر عن ذراعيه ويناضل، أن يرى خطراً في إحراق كتبه كي يتحرّك لإحراق هذا الخطر.

 

 


[1] فيصل حوراني، القصّة الكاملة لنهب مركز الأبحاث الفلسطيني ببيروت، مجلّة رمّان، 30-11-2017. 

[2] "عدالة" في التماس تمهيدي: منع استيراد الكتب الصادرة عن دور النشر في سوريا ولبنان يمسّ بالحرية الأكاديمية والحق بالمعرفة والثقافة لمتحدثي اللغة العربية، بيان للصحافة، 11-12-2008.

 
انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، فلسطين ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *