القرار الدستوري ملزم لكن لن نلتزم بالكامل:


2015-07-06    |   

القرار الدستوري ملزم لكن لن نلتزم بالكامل:

أعلنت رئاسة مكتب مجلس نواب الشعب أن الجلسة العامة للمجلس التي ستعقد يوم 07-07-2015 ستخصّص الحصة الأولى منها لإعادة نقاش مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء والذي قضت هيئة رقابة دستورية مشاريع القوانين بعدم دستوريته (فيما بعد الهيئة). ورد قرار الإحالة الى الجلسة العامة مباشرة بعدما تمّ نشر تقرير لجنة التشريع العام في الموضوع في الموقع الرسمي لمجلس نواب الشعب. وبذلك، بات تقرير لجنة التشريع العام الوثيقة المرجعية التي ستمحور حولها النقاش حول المشروع بين أعضاء مجلس نواب الشعب. ومن هنا، يعكس التقرير الفنّي توجهات المشرع التونسي في تعاطيه مع آثار القرار الدستوري.

استهلت لجنة التشريع العام تقريرها بالتأكيد على أن أعضاءها أجمعوا على ضرورة الخضوع لقرار الهيئة الدستورية مشاريع القوانين احتراما للدستور. لكن هذا الالتزام المطلق في عباراته لم يمنع اللجنة النيابية من أن تبرز في تقريرها رأي الأغلبية الذي يعتبر أن قرار الهيئة تضمن إخلالات قانونية وتناقضات.وقد تكوّن تقرير لجنة التشريع العام من جزئين: الاول يتركز على المحاججة ويهدف لتأكيد رفض الاغلبية لقرار الهيئة، فيما يعرض الثاني تصورات التعديلات المقترحة لتحقيق حدّ من الاستجابة له.

اللجنة النيابية تقيّم القرار الدستوري وتتنصل منه جزئيا

خصّص الجانب الأكبر من تقرير لجنة التشريع العام لبيان موقف أغلبية أعضائها من قرار هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين. ولم يتضمن التقرير في رده على الدفوعات أي اشارة الى موقف الأقلية – أي المعارضة– في الموضوع.

ويكشف التوجّه نحو إنفراد الأغلبية بنقاش قرار الهيئة الدستورية في خصوص الدفوعات التي تسلطت على تحوير المبادرة التشريعية والعرض الوجوبي لمشروع القانون على الهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي عن تحوّل الخصومة حول مشروع قانون المجلس الاعلى للقضاء الى خصومة شخصية داخل لجنة التشريع العامّ. فهذه الأغلبية هي التي تولّت فعليا صياغة المشروع، وهي التي تولّت لاحقاً ممارسة حقّ الردّ على عريضة الطعن المقدمة امام الهيئة.

ويلاحظ في هذا الإطار أن ممارسة الأغلبية داخل لجنة التشريع العام "للتعقيب" على قرار الهيئة انتهى في محطتين لابراز رفضها الالتزام بقرارها.

 المحطة الأولى: تأكيد الحق في تعديل المبادرة التشريعية للحكومة

اعتبرت اللجنة النيابية أن الهيئة قدّرت أنّ حق لجنة التشريع العام في تعديل مشاريع القوانين التي اصلها المبادرة الحكومية يقتصر على المسائل التي تتعلق بالصياغة فقط. وعادت من ثم لتؤكد أن الهيئة تجاوزت من ثم هذا الاعتبار حين نظرت في دستورية مواد القانون (الأصل) مؤكدة دستورية عدد منها.  

وعدا عن أن هذا الموقف يعني عمليا التحايل للتحرر من رأي الهيئة، فانه ينبني أصلا على تحريف لموقف الهيئة. فهذا الموقف لم يقصر صلاحية التعديل على الصياغة انما بيّن أن "حق التعديل لا يجب أن يصل الى حدّ إدخال "تغييرات جوهرية تنال من كيان المقومات الأساسية القائمة عليها خيارات الحكومة بوصفها مصدر الاقتراح التشريعي في تحديد ماهية توجهاتها في إرساء مجلس أعلى للقضاء".

المحطة الثانية: أعضاء المجلس الاعلى من غير القضاة

عابت الهيئة على أحكام مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء أنه "توخى توجها في تحديد المختصين من غير القضاة انتهى لتمييز تخصصات دون أخرى"، واعتبرت ذلك "من قبيل التخصيص دون مخصص بما يجعل منه غير دستوري". وكان ينتظر تبعا لهذا القرار ان يعدل مشروع القانون في اتجاه يحدد معايير موضوعية لعضوية المجلس من قبل المختصين من غير القضاة. الا ان لجنة التشريع العام اعتبرت بقرار من الاغلبية فيها "أن قرار هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين لم يكن واضحا". وقررت تبعا لذلك الاكتفاء بتغيير تركيبة المجلس الاعلى للقضاء العدلي دون غيره من المجالس (الادري والمالي) في خروج صريح عن فحوى القرار الدستوري.

انتهى توجه الأغلبية داخل لجنة التشريع العام الى فرض حق مستحدث في التصدي لقرار القضاء الدستوري بشكل يكشف عن غياب ثقافة المؤسسات. لكن عدم القدرة على التصدي الكامل للقرار القضائي أدى للقبول بتعديلات جزئية على مشروع القانون.  

إستجابة محتشمة للقرار الدستوري لا تمنع المكابرة

أكدت لجنة التشريع العام صلب تقريرها أنها تولّت في 24-06-2015 توجيه مراسلة للهيئة الوقتية للإشراف على القضاء العدلي تتضمن استشارتها حول مشروع القانون الاساسي للمجلس الاعلى للقضاء. وتكون بذلك لجنة التشريع العام قد التزمت بقرار هيئة الرقابة على دستورية مشاريع القوانين التي اعتبرت أن استشارة الهيئة وجوبي.

لكن القبول بقرار الهيئة الدستورية وتنفيذه لم يمنع الأغلبية بلجنة التشريع العام من تكرار ما تمسكت به في ردودها على عريضة الطعن في دستورية هذا الاجراء من كون الخلل قانونيا وليس دستوريا وأنه يخرج تاليا من ولاية القضاء الدستوري.

ذات المنحى برز في التعاطي مع أحكام الفصل 81 من مشروع القانون. فكان هذا الفصل ينص على أن "يتواصل العمل بأحكام الأمر عدد 1062 لسنة 1974 المؤرخ في 28 نوفمبر 1974 المتعلق بضبط مشمولات وزارة العدل والأمر عدد 3152 لسنة 2010 المؤرخ في 1 ديسمبر 2010 المتعلق بتنظيم وزارة العدل وحقوق الإنسان فيما لا يتعارض مع أحكام هذا القانون".       

واعتبرت الهيئة أن التنصيص على تواصل سريان أمرين ترتيبيين يمنعان رئيس الحكومة من حقه الدستوري في إنهاء مفعولهما، بما يوفره لهما من حصانة تشريعية وهو أمر يتعارض مع  مبدأ الفصل بين السلط. واذ استجابت لجنة التشريع العام لرأي الهيئة واقترحت حذف الفصل القانوني المذكور من مشروع القانون، فإن الأغلبية داخل اللجنة أصرت على أن تؤكد مرة أخرى على إستمرار مفعول الأمرين الترتيبين.

ذات التمسك بالتبرير والمحاججة برز في تعاطي لجنة التشريع العام مع مؤاخذات الهيئة على تركيبة مجلس القضاء العدلي. فاذ اعتبرت الهيئة "أن لا متسع … لإيواء القضاء العسكري في مجال القضاء العدلي وأن إقحام وكيل الدولة العام مدير القضاء العسكري فيه يعتبر حشرا له فيما لا يتجانس مع طبيعته وتطويحا له عن بيئته مخالفا لمقتضيات الفصل العاشر من الدستور المتعلقة بالتنظيم القضائي"، إقترحت لجنة التشريع العام أن يكون رئيس محكمة الاستئناف بتونس بدلا عنه في تركيبة المجلس. ولكن، ورغم الالتزام بالقرار الدستوري، فإن الاغلبية داخل اللجنة لم تجد حرجا في الدفاع عن موقفها السابق في زجّ مدير القضاء العسكري في مجلس القضاء العدلي. فهي رأت "أن مطلب بناء قضاء عسكري مستقل متخصص في الجرائم العسكرية فقط ويدخل ضمن ضمانات ونظام القضاء العدلي كان مطلبا للحقوقيين من محامين وناشطين في مجال حقوق الإنسان قبل الثورة وان ما ذهبت اليه اللجنة في هذه التمثيلية كان استجابة لذلك وكذلك تماشيا مع روح الدستور الجديد ومع حلم بناء سلطة قضائية مستقلة".

بالمقابل، امتنعت اللجنة النيابية عن المحاججة بخصوص وجوب استبدال محام بأستاذ جامعي في تكوين المجلس الأعلى للقضاء العدلي. وربما يعود هذا الأمر لرغبة الأغلبية في لجنة التشريع العام بقفل النقاش حول ما سبق واتهمت به من رضوخ للحسابات الفئوية لأعضائها من المحامين.

وذات الغياب للمحاججة سجل في التنقيحات التي شملت الفصول 04 -42-43 و 60 من مشروع القانون والتي تعلقت بتوزيع الاختصاصات بين هياكل المجلس وتدقيق المصطلحات التي تتعلق بها. وربما يعود غياب الالحاح في النقاش للطبيعة التقنية لهذه المسائل.

ختاما، يتبين أن لجنة التشريع العام التي تحظى بدعم الأغلبية داخل مجلس نواب الشعب أبدت مقاومة لقرار الهيئة الدستورية وتوجها للتنصل من بعض أحكامها. وهذا الأمر يطرح السؤال حول مآل مشروع القانون الأساسي المرتقب للمجلس الأعلى للقضاء، ولا سيما أن الفصل 23 من القانون الأساسي عدد 14 لسنة 2014 المتعلق بالهيئة الوقتية للرقابة على دستورية القوانين يلزم رئيس الجمهورية أن يعرض مشروع القانون بعد اعادة المصادقة عليه على هيئة مراقبة دستورية مشاريع القوانين للنظر في مدى التزام السلطة التشريعية بقرارها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية