القاضي والسياسي والإعلامي: تجاذب حول مكان المحاكمة … ومرجعيتها


2018-05-15    |   

القاضي والسياسي والإعلامي: تجاذب حول مكان المحاكمة … ومرجعيتها

كاد الأمس أن يكون نهاراً استثنائياً في قصر العدل في بيروت لولا غياب رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عن جلسة المواجهة الأولى مع رئيس مجلس إدارة المؤسسة اللبنانية للإرسال الشيخ بيار الضاهر المحدد تاريخها في 14 أيار 2018. حجة الغياب قدمها وكيل جعجع المحامي والنائب في البرلمان اللبناني جورج عدوان، مفادها أنه لا يمكن لجعجع الانتقال إلى المحكمة لأسباب أمنية. وقد طلب عدوان بالنتيجة من المحكمة الانتقال إلى مقر جعجع في معراب. أمام هذه الوقائع، أرجأت رئيسة المحكمة القاضية المنفردة الجزائية فاطمة جوني الجلسة إلى يوم الجمعة الواقع بتاريخ 22 حزيران 2018 واستمهلت أسبوعاً للبت في تحديد المكان الذي ستعقد فيه الجلسة.

يُذكر أن النزاع على ملكية المؤسسة اللبنانية للإرسال بين الشيخ بيار الضاهر وحزب القوات اللبنانية مستمر منذ 10 سنوات. ويعود الأمر إلى ادّعاء جعجع في العام 2007 على الضاهر والذي أعقبه قرار بإحالة الضاهر ورئيف بستاني وعدة شركات أمام القاضية المنفردة الجزائية في بيروت بجرم إساءة الأمانة. وإذ كانت الدعوى أرجئت لإصدار الحكم، عادت القاضية فاطمة جوني وقررت بتاريخ 4 نيسان 2018، إعادة فتح المحاكمة. حينها عللت القاضية جوني قرارها بأنه يستوجب الاستماع لممثل المدعية أي جعجع وإعادة استجواب الضاهر والاستماع لإفادة بقرادوني لتكوين القناعة التامة تمهيداً للفصل بالنزاع.

 

وقائع الجلسة

استدرج طلب عدوان بانتقال المحكمة إلى معراب أخذاً ورداً بينه وبين القاضية جوني من جهة، ورداً مستنكراً من وكيل الضاهر المحامي نعوم فرح. في بداية الأمر أدلت جوني بأن جعجع يتنقل أي أنه يخرج من معراب، فكان رد عدوان بأنه يتنقل بصورة محدودة. من جهته، استنكر فرح انتقال المحكمة إلى معراب، وذلك لأسباب تتعلق بسلامة التحقيق، خصوصاً إذا انعقدت المحكمة على أرض الخصم. هنا، وإذ أبدت القاضية جوني حرصها على الوضع الأمني للمدعي وعلى سلامة التحقيق، اقترحت اتخاذ تدابير لضمانة سلامة جعجع أثناء تواجده في قصر العدل في بيروت كاتخاذ إجراءات أمنية كتلك التي تتخذ عند انعقاد المجلس العدلي أو عدم الإعلان عن موعد الجلسة. رفض عدوان اقتراح المحكمة، واعتبر أن تسريب تاريخ الجلسة هو أمر سهل في بلد مثل لبنان كما أن الإجراءات الأمنية ليست كافية نظراً لأن مداخل قصر العدل "محصورة ولا يمكن ضبطها" وفقاً لتعبيره. لذا، بعد الأخذ والرد استمهلت القاضية مدة أسبوع لاتخاذ القرار المناسب بشأن انتقال المحكمة، وأرجئت الجلسة إلى نهار الجمعة في 22 حزيران 2018، والذي يصادف انعقاد المجلس العدلي وفقاً لمعلومات المفكرة.

بعد انتهاء الجلسة، توجّه كل من الضاهر وعدوان إلى خارج قصر العدل، وأدلوا بعدد من التصريحات أمام الإعلاميين. من جهته، أوضح عدوان أن "الظروف الأمنية لا تسمح بحضور جعجع إلى قصر العدل، فهو منذ مدة غير بعيدة قد تعرض لمحاولة اغتيال". وأضاف: "لا يوجد أي مسؤول في لبنان ينتقل إلى مكان محصور بمداخل معينة" قاصداً قصر العدل في بيروت. عدا عن ذلك، يعزز عدوان حجته بـ "النجاح الذي أحرزته القوات اللبنانية بالانتخابات النيابية الأخيرة، إذ أصبحت القوات رقما صعبا وأعداء لبنان جاهزون لزعزعة الاستقرار".

من جهته، اعتبر وكيل الضاهر المحامي نعوم فرح بأن الجهة المدعى عليها "ترفض أن تُعقد الجلسة في المركز الأساسي لحزب القوات اللبنانية في معراب". وعليه اقترح فرح "مركز بلدية غدراس لعقد الجلسة أو أي مكان آخر محايد يضمن المساواة بين كافة الأطراف مع حرصنا على سلامة وأمن رئيس حزب القوات". أما الضاهر فقد أضاف على هذا الأمر، "إن تمسك جعجع بأن تُعقد الجلسة في معراب، سنتمسك بأن تُعقد الجلسة في استوديوهات LBCI". وغمز الضاهر أنه في هذه الحالة سيتسنى للرأي العام الاطلاع على تفاصيل المحاكمة مباشرة. حجة الظروف الأمنية لم تقنع الضاهر الذي وصل إلى قصر العدل قبل نصف ساعة من انعقاد الجلسة، إذ أدلى بأن "الوضع الأمني لم يمنع جعجع من حضور الاحتفالات والرقص وسط أجواء شعبية" مضيفاً "يُشرف جعجع القدوم إلى قصر العدل". وأوضح الضاهر بأنه ينتظر هذا اليوم منذ ثماني سنوات، أي منذ أن "قام قاضي التحقيق فادي العنيسي بارتكاب خطاً والاستماع إلى جعجع بصفته شاهداً لا مدعياً". فقد حصل الاستماع لجعجع حينها "بشكل محايد دون حضور الجهة المدعى عليها"، بحسب تعبيره.  يقول الضاهر أن "القاضي العنيسي تسرع بالحكم، في ظل وجود تناقضات كثيرة وأقوال غير مطابقة، كما أنه قفز فوق الخبرة المالية وكل ما يظهره العقد من انتقال الملكية من شركة إلى أخرى". ولدى الانتهاء من الجلسة عاد الضاهر وأعطى مساحة للإعلام وأدلى بتصريح شدد فيه على ملكيته لـ LBC، معززاً كلامه بإفادات الشهود الثلاثة وهم كريم بقرادوني وإبراهيم اليازجي وانطوان شويري. وهؤلاء وفقاً للضاهر، "أدلوا جميعهم بأقوال تناقض إفادة جعجع علماً أنه هو، أي جعجع، قدم أسماءهم للمحكمة لاستدعائهم للشهادة". ويضيف الضاهر بأن "المرحوم أنطوان الشويري تحديداً قد أدلى بوقائع تفاصيل الاجتماعات التي حصلت بين جعجع والضاهر لأجل بيع الشركة".

أما في سياق النزاع القائم، رأى عدوان أن "الكلام عن LBC لا يتعلق بشركة تجارية، فإن LBC أنشئت لتخدم قضية". وما حصل وفق لعدوان يتعلق "بأمانة سلمها رئيس حزب القوات اللبنانية إلى عنصر من الحزب وقام الأخير بالاحتفاظ بها ورفض إعادتها". واعتبر عدوان أن "القضية شهدت من الجهة المدعى عليها مماطلة طوال 11 عاماً". وعلى نقيض ذلك، رأى الضاهر أن تغيب جعجع عن المحكمة يشكل مماطلة من طرفه. أما وكيله المحامي فرح، فيشير إلى أنه "لو حضر جعجع اليوم لما كان هناك أية مماطلة".

في السياق نفسه، تجدر الإشارة إلى أن قناة الـ LBCI بثت منذ يوم الجمعة الماضي تقارير عدة حول تفاصيل القضية ضمن نشراتها الإخبارية، داعية المواطنين للمشاركة بهاشتاغ "هيك باع جعجع LBC". وقد ردت القوات اللبنانية على بث هذه الأفلام ببيان اتهمت فيه الضاهر بالسعي إلى تحويل المواجهة القضائية إلى مواجهة إعلامية. وأعلنت القوات في بيانها أنها ستتخذ الإجراءات القانونية بحق الضاهر، "خصوصا لجهة استخدامه الإعلام في محاولة للتأثير على مسار العدالة".

 

على هامش القضية: معراب، ستوديوهات LBC ومرجعية المحكمة

أجواء قصر العدل أمس كانت هادئة، الأمر الذي أعطى قناعة لدى الصحافيين المحتشدين أمام قصر العدل بعدم حضور جعجع جلسة المواجهة المنتظرة. أما داخل قاعة المحكمة فقد أظهرت القوى الأمنية تشدداً في وضع ضوابط على الصحافيين، حيث طُلب منهم تسليم هواتفهم الخليوية خارجاً وهو أمر لا تشهده المحاكم في كافة جلساتها إلا في حالات استثنائية. كما يُشار إلى أن القاضية جوني دعت قبل انعقاد الجلسة الصحفيين (ومنهم كاتبة هذا المقال) إلى مكتبها، متمنيّة عليهم نقل وقائع الجلسة بموضوعية والابتعاد عن التحليلات التي تحوّر سياق المحاكمة. وتعبر هذه الاجراءات على حرص القاضية على المحافظة على رصانة المحاكمة وإبعادها عن التجاذبات الإعلامية، بالرغم من قوة طرفيها وأهميتها الفائقة.

من هذه الزاوية، بدت المحكمة متوجسة إزاء أمرين ذات دلالة كبيرة: من جهة، توجه أحد أكثر السياسيين نفوذا لنقل المحاكمة إلى مكان إقامته، ومن جهة أخرى، توجه أحد أكثر الإعلاميين نفوذا لنقلها إلى الإعلام. فكيف تصون المحكمة مكانتها ومرجعيتها ورصانتها في ظل هذا التجاذب، انتصارا للمواطن والدولة؟ هذا هو السؤال الذي يتعين على المحكمة الإجابة عليه خلال مدة أسبوع من تاريخه. يتبع…

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية