العَوَز يهدّد التعبئة العامة.. محاضر المخالفات لن تردع المواطنين!


2020-03-25    |   

العَوَز يهدّد التعبئة العامة.. محاضر المخالفات لن تردع المواطنين!

دخل قرار مجلس الوزراء التعبئة العامة يومه العاشر، وعلى الرغم من الحملات التوعوية والتحذيرات المتكررة لا يبدو هذا القرار قادراً على الصمود، ولاسيما أنّه لم يلحظ  أيّة آلية لتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطنين، ولعلّ عدد المخالفات المحررة، والتي تبدو في وتيرة متزايدة، خير مؤشر على صعوبة يواجهها الناس في التزام بيوتهم.

فقد بلغ  عدد المحاضر المحررة ضد الأفراد والمؤسسات، حسب آخر ما نشره حساب قوى الأمن الداخلي على "تويتر"، من تاريخ 21 إلى 24 من الشهر الجاري 1161 حالة، فيما سجّل اليوم وحده وحتى الساعة الثانية والنصف 109 مخالفة. ويقول مصدر أمني في حديث مع "المفكرة القانونية" إنّ عدد المحاضر لا يعكس الواقع تماماً لأنّ القوى الأمنية لا تقدم على تحرير المحضر مباشرة عند ضبطها المخالفة،  فهي "تنذر المخالف أولاً ولكنها تضطر أحياناً إلى الحزم فتحرّر المخالفة".

ولا يخفي المصدر صعوبة التعامل مع المواطنين على الأرض ولاسيما أنّ بقاء بعض الناس في بيوتها والتزام قرار التعبئة العامة يعني قطع أرزاقها ولكن في المقابل هناك قرار إداري صادر عن مجلس الوزراء وعلى القوى الأمنية التأكد من الالتزام به حماية لصحة الموطنين.

من التعبئة العامة إلى الحجر الذاتي

تضمّن قرار التعبئة العامة وجوب التزام المواطنين البقاء في منازلهم وعدم الخروج منها إلّا للضرورة القصوى، وفي 21 من الشهر الجاري، دعا رئيس الحكومة حسان دياب اللبنانيين إلى حظر التجوّل الذاتي، معلناً عن تكليف الأجهزة العسكرية والأمنية إعداد خطط لتنفيذ قرار عدم خروج المواطنين من منازلهم إلّا للضرورة القصوى، وفي اليوم ذاته خرج وزير الداخلية محمد فهمي محذّراً من أننا "سننزلق نحو المجهول" قائلاً: "احموا أنفسكم وأولادكم ومجتمعكم. الوضع مخيف، ولو أكلنا لقمة زيتون".

كل ذلك لا يبدو أنّه أقنع اللبنانيين، فكان الالتزام بقرار التعبئة العامة وحسب ما قالت وزيرة الإعلام منال عبد الصمد الثلاثاء "ضعيفاً نسبياً" في بعض المناطق، معتبرة أنه "من الضروري متابعة الأجهزة العسكرية والأمنية، التشدد بشكل أكبر في المناطق، حيث لا يزال الالتزام غير كامل"، كاشفة عن بعض القرارات المتعلقة بحياة المواطنين المعيشية.

وأعلنت الوزيرة أن مجلس الوزراء دعا إلى "اتخاذ قرارات ضمن كل وزارة لتعليق المهل المالية، وتأجيل دفع الرسوم والضرائب المتعلقة بالكهرباء والمياه والهواتف والضمان والميكانيك والعدلية"، كما تحدثت عن خطة عمل لوزارة الشؤون لمتابعة المواضيع الطارئة المتعلقة بالشأن الاجتماعي ليصار إلى رفع توصيات عاجلة وخطوات عملية وسريعة تلبي الحاجات الملحة.

 ولكن على هامش المؤتمر الصحافي قالت الوزيرة إنه من " واجب الدولة مساعدة الناس، وهذا ما ينبغي علينا القيام به، لكن، في الوقت نفسه، من الضروري أن يكون هناك تكافل اجتماعي بين اللبنانيين،  لقد أثبت اللبنانيون عبر التاريخ أنهم يتعاونون ويتقاسمون رغيف الخبز في حالات الخطر".

صرخات المواطنين تتصاعد

الكلام عن تقاسم رغيف الخبز وأكل الزيتون استفز الكثير من اللبنانيين، "نحن نتقاسم الرغيف ولكن دلّونا إلى سبيل الوصول إليه"  يقول أحد المواطنين من سوق العطارين في طرابلس لـ"المفكرة القانونية"، مؤكّداً على صعوبة التزام الناس بيوتهم، ليس لأنهم "بلا مخ" أو لا يدركون خطورة فيروس كورونا بل لأن فئة كبيرة من هؤلاء الناس تعيش "يوماً بيوم" وإذا بقيت في المنزل ستموت من الجوع، ولأن الناس أيضاً يخرجون إلى السوق يومياً لأنّهم لا يملكون المال الكافي لشراء حاجباتهم لشهر أو أقله لأسبوع.

صحيح أنّ قرار التعبئة العامة لا يزال صامداً إلى حدّ كبير ولكنّ صرخات المواطنين بدأت ترتفع في العديد من المناطق، آخرها كان لسائق سيارة أجرة عمومية حاول إحراق نفسه احتجاجاً على تسطير مخالفة بحقّه بعدما أوقفته القوى الأمنية وهو ينقل ثلاث ركاب ما يعني تجمّعاً حسب ما أخبرنا مصدر أمني موضحاً أنّ الرجل أصيب بانهيار عصبي وحاول إحراق نفسه مستخدماً "السبيرتو" الذي كان يحمله لتعقيم يديه، وأنه نقل على الإثر إلى المستشفى.

صرخة سائق سيارة الأجرة سبقتها أيضاً صرخة صاحب بسطة خضار فقد أعصابه ورمى الخضار على الأرض وعلى نفسه وهو يردد: "مين بيطعميني"، وذلك بعدما حاول عناصر من قوى الأمن منعه من البيع تطبيقاً لقرار التعبئة العامة. 

"هل أُطعم الرضيع زيتونا؟"

صرختا بائع الخضار وسائق الأجرة خرجتا إلى العلن، ولكنّ مئات الصرخات لا تزال غير مسموعة كما يقول المواطن أبو خليل لـ"المفكرة". وأبو خليل هو واحد ممن حُرّرت بحقهم مخالفات لعدم التزامه بقرار التعبئة العامة، إذ قامت القوى الأمنية بإقفال مقهى صغير يملكه في باب الرمل في طرابلس، وتسطير محضر بحقه لأن المقاهي ليست من المؤسسات المستثناة من قرار الإقفال.

يجلس أبو خليل جنب المقهى المغلق يراقب الدوريات التي تجول طوال النهار للتأكّد من الالتزام بقرار التعبئة العامة، يتحيّن الفرصة المناسبة ليعيد فتح المقهى ليس لأنه لا يخاف من كورونا إنما لأن الدولة تخيّره "بين موتين: موت من الجوع أو موت من المرض"، حسب تعبيره. ويؤكّد أنه وغيره من فقراء مدينة طرابلس يريدون البقاء بأمان والالتزام بقرار التعبئة العامة "ولكن دور الدولة ليس فرض الاقفال بالقوة بل إعطاء البديل" على حد قوله.

وفي هذا الإطار يعتبر أبو خليل أنّ الإلتزام بقرار عدم التجوّل وإقفال المؤسسات كان سيكون 100% لو أنّ الدولة أمّنت للمواطن قوته اليومي على الأقل، أو أقلّه استطاعت ضبط أسعار السلع الغذائية الأساسية قائلاً: "ما كنت أجنيه من المقهى في الأيام الأخيرة لم يكن يتجاوز الـ 10 آلاف ليرة يومياً، والأسعار ترتفع يوماً بعد يوم. حليب ابني الذي كنت اشتريه بـ 21 ألفاً أصبح بـ 39 ألفاً، فلتراقب الدولة الأسعار ولتؤمّن لنا ما يسدّ جوعنا وبعدها تطلب منا البقاء في المنزل".

ويعلّق أبو خليل على ما قاله وزير الداخلية في مؤتمره الصحافي الأخير ويقول "الوزير تحدث عن الزيتون، نعم أنا استطيع أكل الزيتون وكذلك زوجتي ولكنّ الرضيع هل أعطيه الزيتون بدلاً من الحليب، وهل أعطي صاحب المقهى الذي استأجره زيتوناً؟".

ما يقوله أبو خليل ينطبق على كُثُر من سكان سوق العطارين حيث يعيش وحيث يصعب منع الاكتظاظ والالتزام بالتدابير الوقائية، إذ يقول أحد المواطنين في حديث مع "المفكرة" أنّ سعر الكمامة 2000 ليرة وقنينة السبيرتو الصغيرة والمعبّأة 6 آلاف ليرة وسعر سائل تعقيم اليدين المعبّأ وغير الأصلي 3 آلاف ليرة، ما يعني أنه من المستحيل على من كانت يوميّته لا تتجاوز الـ 10 آلاف ليرة تأمين المستلزمات التي تبقيه بأمان، تماماً كما يستحيل عليه التسوّق مرة في الأسبوع فهو يعيش كلّ يوم بيومه.

أفكر يومياً بمخالفة قرار التعبئة العامة

محال كثيرة أقفلت بالقوّة أو بمبادرة من أصحابها ولكن على قاعدة مجبر أخاك لا بطل، ولكنّ أصحاب هذه المحال يتكبّدون خسائر فادحة، تدفعهم يومياً إلى التفكير بمخالفة قرار الإقفال كما يخبرنا علي وهو صاحب ثلاث محال على أوتستراد الجنوب.

يقول علي إن المشكلة لا تكمن فقط في تأمين القوت اليومي بل تتعدّاها إلى مصاريف لا تتوقف حتى في حال إقفال المحل كاشتراكات الكهرباء (مولّد) وبدل إيجار المحال هذا فضلاً عن أجور العاملين الذين لن يتقاضوا رواتبهم كونهم مياومين هذا إن لم يخسروا عملهم إذا طال الأمر.

ويؤكد علي أنّ "الكلّ مع قرار التعبئة العامة ولكن المواطن يعاني أصلاً من ضائقة مالية، وبالكاد يجني ما يكفيه، فلذلك يجب أن تترافق قرارات مثل قرار التعبئة العامة مع تعاميم تتعلق مثلاً بتجميد دفع الإيجارات بحزمة مساعدات بأي شيء يساعد المواطن على الصمود في منزله والأهم خطة لأصحاب المحال والمؤسسات الصغيرة".

قيمة الضبط

يتناقل البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن قيمة بعض مخالفات قرار التعبئة العامة تتجاوز المليون ليرة لبنانية، ولكنّ المصدر الأمني ينفي ذلك. ويشرح المصدر في حديث إلى "المفكرة" أنّ المحضر إما يكون متعلقاً بقانون السير فتكون قيمته 50 ألف ليرة فقط، وإما بقانون العقوبات فيستنسب القاضي في المحكمة المختصة العقوبة انطلاقاً من قانون العقوبات وتحديداً من المادة 770  المتعلقة بمخالفة قرار إداري والمادة 606 المتعلقة بالأمراض الوبائية.

ويوضح المصدر أنّ المادة 770 تنصّ صراحة على عقوبة الحبس حتى ثلاثة أشهر وغرامة من مئة ألف إلى ستمائة ألف ليرة أو إحدى هاتين العقوبتين لمن يخالف الأنظمة الإدارية أو البلدية الصادرة. أما المادة 606 من الفصل الثالث من قانون العقوبات المتعلقة بالجرائم المضرّة بصحة الإنسان والحيوان فتنصّ على معاقبة "من لا يراعي الأنظمة الخاصة لمكافحة الأوبئة".

فوضى في التطبيق!

ولكن رصد مواطنون ما اعتبروه "فوضى" في تطبيق القرار الإداري، وعدم معرفة العناصر الأمنية على الأرض بتفاصيل القرار. ويقول أحد المواطنين في حديث إلى "المفكرة" إنه تم توقيفه عند نفق شكا وتحرير مخالفة بحقّه بينما كان متوجّهاً إلى بيروت لقضاء أمر طارئ وهو نقل أخيه من السجن إلى المنزل. ويقول الشاب إنّه كان في السيارة برفقة شخصين آخرين وكان يضع كمّامة ولكنّه لم يكن يعلم أنّه لا يسمح بوجود أكثر من شخصين في السيارة.

ولكن حساب قوى الأمن الداخلي الرسمي على "تويتر" نشر تعليمات التنقّل في السيارات العمومية والخصوصية الصادرة عن وزارة الداخلية والبلديات ضمن إجراءات قرار التعبئة العامة والتي تنصّ على وجود 3 أشخاص من ضمنهم السائق كحد أقصى في السيارات العمومية والخصوصية مع وجوب ارتداء السائق كمامة، وبناء عليه لا يعتبر الشاب مخالفاً أصلاً.

والمستغرب في ما حصل هو طلب القوى الأمنية من الشاب الذهاب إلى مفرزة السير في شكا لـ"فك الحجز عن سيارته" علماً أنّ محضر مخالفة قرار التعبئة العامة يحرّر في مكانه ويمكن للمخالف دفعه لاحقاً. ويتابع الشاب إنه لم يكن الوحيد الذي طلب منه التوجّه إلى المفرزة بل توجه إلى هناك مع عدد آخر من السيارات قارب الـ 10 حيث فوجئ بوجود عشرات المواطنين ينتظرون في الخارج لفك حجز سياراتهم. ويتابع أنّه أعطى ورقة المخالفة للمفرزة وتسلّم محضر ضبط بقيمة خمسين ألف ليرة. واستهجن أنه في حين تمّت مراعاة كل التدابير الوقائية داخل المفرزة من حيث عدد الأشخاص المسموح دخولهم والالتزام بلبس القفازات والكمامات، كان الناس في الخارج قريبين من بعضهم البعض ومنهم من لا يرتدي كمامة ولم يتحدّث أي عنصر أمن معهم بهذا الخصوص.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة والتعليم ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *