العدالة الضائعة في ملفّات موقوفي الحراك التونسي


2021-03-08    |   

العدالة الضائعة في ملفّات موقوفي الحراك التونسي

لا تزال الفعاليّات المدنية والسياسية التونسية تطالب بإطلاق سراح معتقلي الحراك الاحتجاجي الذي اندلع في أواسط جانفي. فقد شهدت أحياء شعبية ومناطق داخلية عديدة تحرّكات احتجاجية واجَهَتْها السلطات بحملة اعتقالات طالت المئات من الشباب والأطفال وتخلّلتها تجاوزات قانونية كثيرة. ورغم أنّ السلطات التونسية أفرجت عن بعض الموقوفين تحت الضغط الحقوقي والسياسي، بخاصّة القصَّر، لا يزال العديد منهم يواجه تهماً تصل أحكامها إلى ثلاث سنوات سجن.

يروي سيف عبد اللاوي (20 سنة)، من مدينة طينة التابعة لمحافظة صفاقس، لـ “المفكّرة القانونية” تعرّضَه للاحتجاز والعنف على يد دوريّة أمنية كانت تقوم بعملية تفتيش بالقرب من محلّ إقامته: “ليلَ الأحد 17 جانفي، كنت عائداً من منزل شقيقتي عندما تفطّنتُ إلى وقوف سيّارة شرطة بجانبي، اعتقدت للوهلة الأولى أنني سأواجه مساءلة متعلّقة بخرق حظر الجولان، لكنّني وجدت نفسي أتعرّض للركل والشتم داخل سيّارة الشرطة، وتمّ اقتيادي إلى مقرّ فرقة الأبحاث والتفتيش أين أُخبِرتُ ببعض التهم المنسوبة إليّ، وهي أساساً التعدّي على الملك العامّ والخاصّ والتجمّع بقصد إضرام النار في ملك الغير وغلق الطريق الوطنية، رغم أنّني كنت بعيداً عن مكان الاحتجاج”. وأضاف عبد اللاوي بخصوص ظروف الاحتجاز: “لقد تمّ افتكاك هاتفي تحت الضرب والتهديد ومُنعت من الاتّصال بعائلتي قصد التمتّع بمحامٍ. وعندما رفضتُ الإمضاء على محضر البحث، الذي تضمّن جرائم لم أقترفها، ضربني أحد أعوان الأمن من أجل إجباري على الإمضاء”. يُذكَر أنّ سيف عبد اللاوي أُودِع السجن بعد يوم من احتجازه بدون محاكمة ليُفرَجَ عنه لاحقاً إثر صدور حكم بعدم سماع الدعوى لبطلان إجراءات التتبّع.

من جهته، قال طالب الحقوق والناشط النقابي منتصر سالم (20 سنة)، من مدينة أريانة، لـ “المفكّرة” اعتُقل ظهرَ الأحد 17 جانفي بسبب آرائه السياسية وتوثيقه للاحتجاجات التي شهدتها مدينته، إذ اقتيد إلى مركز الأمن أين تعرّض للتهديد وافتكاك هاتفه الجوّال. فقال: “لقد طالبت بحقوقي التي يكفلها القانون عدد [1]5، بصفتي طالب حقوق، ولكنّ أعوان الأمن اعترضوا على مطالبي ولم يُسمَح لي بمحامٍ إلّا بعد ساعات من إيقافي. فوُجّهت لي تهمٌ متعلّقة بالتحريض على الاحتجاج وتكوين وفاق وحيازة عبوات مولوتوف، وسُئلتُ عن نشاطي النقابي والسياسي، كما تمّ اختراق بياناتي الشخصية بعد افتكاك هاتفي الجوّال”. وأضاف: “لاحظت، خلال فترة الاحتجاز، العديد من الاعتداءات الجسدية والمعنوية على الموقوفين وبخاصة القُصَّر منهم. ثمّ اقتادونا إلى مركز الاحتفاظ في بوشوشة وسط العاصمة الذي كان مكتظّاً بسبب حشد عشرات الموقوفين في غرفة واحدة بدون احترام البروتوكول الصحّي”. يُذكر أنّ منتصر سالم أُطلق سراحه بعد يومين من إيقافه إثر صدور حكم بعدم سماع الدعوى لبطلان إجراءات التتبّع.

إيقافات تخلّلتها خروقات قانونية

في ظلّ غياب الإحصاءات الرسمية حول عدد موقوفي الحراك الاحتجاجي، تشير بعض التقارير الحقوقية إلى أنّ عددهم بلغ 1400 موقوفاً. وقد أُوقف معظمُهم من أمام منازلهم وخلال المداهمات الأمنية الليلية للأحياء الشعبية، وَوُجّه إليهم العديد من التهم التي تضمّنت: “خرق قانون حالة الطوارئ” و”هضم جانب موظّف عمومي” و”محاولة الاعتداء على ملك الغير” و”تشكيل وفاق للاعتداء على ملك الغير” و”رمي موادّ صلبة” و”خرق حظر الجولان”. في هذا السياق، قال المحامي ياسين عزازة لـ “المفكّرة” إنّ “ظروف الإيقاف كانت سيّئة ولم تحترم القانون عدد 5، إذ أنّ نسبة 90% من الموقوفين حُرموا من الحق في التمتّع بمحامٍ ولم يُعرَضوا على الفحص الطبّي”.

من جهته، لاحظ بسّام الطريفي، نائب رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، أنّ “حملة الإيقافات صاحَبها عنف وتهديد وإكراهات مادّية ومعنوية، وترافقت مع الحطّ من الكرامة الإنسانية إلى حدّ تهديد بعض القُصَّر بالاغتصاب من أجل اقتلاع اعترافات بالقوّة”. وأشار إلى أنّ “الحملة الأمنية شملت مختلف مناطق الاحتجاج، وقد كانت محاضر البحث متشابهة. بالإضافة إلى أنّ معظم الموقوفين خضعوا لمحاكمات سريعة، الأمر الذي لم يسمح لعائلاتهم بتوفير محامين”.

وقد سجّلت الإيقافات حالات تعذيب في مراكز الاحتجاز، على غرار حالة الشابّ أحمد قم (21 سنة) المنحدر من منطقة بنان التابعة لمحافظة المنستير، الذي فقد خصيته اليسرى بعد نزع سرواله والاعتداء الوحشي عليه بالحرق أثناء استنطاقه من قِبل أعوان منطقة الحرس الوطني بالمنستير بسبب تهمة “السرقة”. وقد أكّد التقرير الطبّي صحّة ما تعرّض إليه أحمد.

يُذكر أنّ السلطات أفرجت عن بعض الموقوفين خصوصاً الأطفال، في ظلّ الضغط الذي مارسته منظّمات حقوق الإنسان المحلّية والدولية بخصوص التجاوزات المتعلّقة بحملة الاعتقالات. كما أخلى القضاء سبيل البعض المنهم، ولكن لا يزال العديد منهم قيد الإيقاف أو التتبّعات العدلية.

أطفال بلا حقوق

مع بداية الاحتجاجات أواسط جانفي، أعلنت وزارة الداخلية اعتقال عشرات القُصَّر الذين لا تتجاوز سنُّهم الـ15 سنة. وقد سِيق العديد منهم إلى مراكز الإيقاف بينما أُودِع بعضهم في الإصلاحيّات، واجه معظمهم تهماً متعلّقة بـ”التخريب والنهب” و”الاعتداء على الأملاك العامّة والخاصّة”. ورغم الخطاب الرسمي الذي ربط الإيقافات بإنفاذ القانون أشارت التقارير الحقوقية إلى حرمان الأطفال الموقوفين من حقوقهم الأساسية. إذ كشف تقرير شهر جانفي الذي أصدرته المنظّمة التونسية لمناهضة التعذيب أنّ “عائلات الأطفال الموقوفين اشتكتْ من عديد الانتهاكات التي لحقت بأبنائهم، من ضمنها إيقاف الأطفال وتعرّض بعضهم إلى العنف وسوء المعاملة؛ نقلهم إلى مراكز حجر صحّي بعيدة عن مقرّ سكن عائلتهم؛ عدم حضور الولي لدى سماع الأطفال الذين تتراوح سنّهم بين 13 و15 سنة، وهو إجراء وجوبي؛ عدم تمكين العائلات والأطفال من الاستعانة بمحامٍ أثناء البحث الابتدائي؛ وعدم مراعاة أوضاع الطفولة عند اتّخاذ التدابير من طرف النيابة العمومية أو قضاة الأطفال بخاصّة قرارات الإيقاف التحفّظي أو الإيداع”.

من جهتها، رصدت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان تعرُّض العديد من القُصَّر لحالات تعذيب وسوء معاملة في مراكز الاحتفاط مثل “خلع سراويل بعض القُصَّر الموقوفين وتهديدهم بالاغتصاب في محافظة المهدية” و”سكب الماء على قُصَّر والاعتداء عليهم بالعنف الشديد في محافظة صفاقس”.

أنكرت وزارة الداخلية هذه التقارير واعتبرتها بمثابة الهجمة “التي تهدف إلى المساس من مصداقيّة هياكلها واحترامها لمبادئ حقوق الإنسان بما لا يتلاءم مع المجهودات الكبرى المبذولة من أجل الارتقاء بأداء منظوريها”. لكنّ الحضور اللافت للنقابات الأمنية في قمع الاحتجاجات والتحريض على المحتجّين عبر صفحات التواصل الاجتماعي، جاء في معظم الأحيان مخالفا للسرديّة الرسمية الملتزمة باحترام القوانين وحقوق الإنسان. وجاءت الإيقافات التي طالت الناشطين والمحتجّين بعد تحريض النقابات الأمنية، سواء بإصدار البيانات الرسمية أو عبر صفحات الفايسبوك التابعة لها.

الهشاشة الاجتماعية وغياب النفاذ إلى العدالة

تتطابق جغرافيا الإيقافات الأمنية مع جغرافيا الفقر والتهميش الاجتماعي. فمعظم الموقوفين ينحدرون من مناطق الداخل التونسي والأحزمة الشعبية المحيطة بالحواضر الكبرى (تونس، سوسة، صفاقس…) ومن عائلات محدودة الدخل ومحسوبة ضمن الفئات الاجتماعية الهشّة. وعلى هذا الأساس لم يتمكّنوا من تكليف محامٍ، باستثناء الذين حصلوا على مساعدات المنظّمات الحقوقية، وهو ما أثّر على إمكانيّة تمتّعهم بالحق في ظروف إيقاف قانونية وإنسانية والحق في محاكمة عادلة.

في هذا السياق، أشارت الناشطة الحقوقية والنسوية أسرار بن جويرة إلى أنّ ترددّها على المحاكم من أجل المطالبة بإطلاق سراح موقوفي الحراك الاحتجاجي جعلها تدرك أنّ الكثير من العائلات لا تعرف حقوق أبنائها أو طريقة مواجهة الانتهاكات ضدّهم. وقالت في هذا الصدد “عند التردّد على محكمة باب بنات في العاصمة تفطّنت إلى أنّ رجلاً قادماً من أحواز العاصمة يتردّد باستمرار على المحكمة من أجل الاستفسار عن مصير ابنه الموقوف البالغ من العمر 16 سنة. لكنّه في كلّ مرّة يُواجَه بالتضليل والتسويف، وقد اكتشفت أنّ الأب لا يملك هاتفاً جوّالاً ولم تكن له أدنى دراية بالقوانين، علاوة على عدم القدرة المالية على تأمين مصاريف محامٍ”. وأضافت، تعليقاً على هذه الحادثة، “معظم الناشطين يعرفون القانون عدد 5، لكن معظم الموقوفين وعائلاتهم لم تكن لديهم دراية بحقوقهم، ممّا جعلهم أكثر عرضة للانتهاكات الأمنية، وهو ما يتطلّب في المستقبل تكثيف التواصل الحقوقي معهم من أجل تحسيسهم بحقوقهم”.

حمل الحراك الاحتجاجي في جزء كبير منه دلالات اجتماعية واقتصادية، يفسّرها المُعاش اليومي لشرائح شبابية واسعة عانت الوصم والتحقير والإقصاء وراكمت تجارب مُحبِطة مع المؤسّسات والخيارات السياسية الرسمية. لكنّ السلطات راهنت على آليّات العقاب والشيطنة من أجل ترويض الحراك الاحتجاجي، الذي ما زال يتغذّى من عجز الهيكلة الاقتصادية الحالية على تلبية حاجيّات الفئات الهشّة وتقليص التفاوتات البنيوية الحادّة بين الفئات والمناطق.

  1. أدخل تنقيح قانون عدد 5 لسنة 2016 المؤرَّخ في 16 فيفري 2016 تعديلات على منظومة الاحتفاظ في اتّجاه تكريس ضمانات قضائية جديدة للمتَّهمين، من بينها وجوبيّة إنابة محامٍ وواجب الإعلام والحقّ في الخضوع لفحص طبّي.

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، اختفاء قسري ، تونس ، حراكات اجتماعية ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *