الطبيب الشرعي الذي ينتفض ضدّ السلطة من داخل عيادته


2020-10-23    |   

الطبيب الشرعي الذي ينتفض ضدّ السلطة من داخل عيادته

نشر هذا المقال ضمن العدد 66 من المفكرة القانونية حول “الثورة في مواجهة السلطة وعنفها”، وهو يتضمّن سلسلة تقارير توثق أساليب قمع السلطات اللبنانية لحرية التظاهر بعد اندلاع انتفاضة 17 تشرين. تظهر هذه التقارير حجم تضحيات القوى المعترضة في لبنان وتشكّل مضبطة اتّهام بحقّ السّلطة، وتحديداً المرفق القضائي-الأمني، لجهة استخدام القوّة ضدّ معارضيها وارتكاب الأجهزة الأمنية جرائم عديدة وجسيمة بقيت بمنأى عن أيّ محاسبة جدّية.  كما بحث العدد في التصوّر المختلف للمهن القانونية كالمحاماة والطب الشرعي ودورها في حماية الناس بوجه عنف السلطة. وفي هذا المقال، نتناول دور مهنة الطب الشرعي عبر تجربة الطبيب غابي مشعلاني كمثال عن تسخير القدرات المهنية الطبية لدعم ضحايا العنف. 

 

لم يقتصر تسخير الخبرات المهنية لدعم المنتفضين الذين تعرّضوا للعنف على مهنة المحاماة، بل كان لمهنة الطب دور بارز في هذا الإطار في شقّيها الرّعائي والشّرعي.

 

الرّعاية الصحية: حين تحوّل العنف ضد المتظاهرين إلى ضرر صحيّ عامّ

بالإضافة إلى المسعفين من الصليب الأحمر والدّفاع المدني وهيئة الإغاثة الإسلامية، قدّم أطباء ومسعفون خدمات مجّانية لمعالجة المنتفضين الذين تعرّضوا للعنف خلال التظاهرات وفي أماكن الاحتجاز. كما تشكّلت “لجنة الأطباء لحماية المتظاهرين” بهدف مواكبة احتياجاتهم الطبّية والصحّية وتطوّع عددٌ من الأطباء النفسيين لتقديم الدّعم النفسي للمنتفضين وأقيمت خيم لهذه الغاية في وسط بيروت. شهد هؤلاء الأطباء والمسعفين بصمت على عنف السلطة وعالجوا آثارها على أجساد المتظاهرين ونفوسهم طوال أشهر عدّة وسخّروا قدراتهم المهنيّة لصالح الانتفاضة. إلّا أنّهم خرجوا عن صمتهم بعد تعرّض المتظاهرين لعنف غير مسبوق في 8 آب 2020 خلال التظاهرة الحاشدة في وسط بيروت في إثر مجزرة المرفأ في 4 آب. فبعد أربعة أيام فقط على هذه المجزرة حين امتلأت مستشفيات العاصمة ومحيطها بآلاف القتلى والجرحى وتعرّضت 17 مستشفى في بيروت وضواحيها، منها 4 دمّرت بالكامل تقريباً، لأضرار مادية وبشرية كبيرة، وفي ظل تسارع انتشار فيروس كوفيد-19، فوجئ القطاع الصحّي المرهق بامتلاء مستشفيات بيروت مجدداً. فقد أصيب خلال هذه التظاهرة أكثر من 700 متظاهر نقل حوالي 200 منهم إلى المستشفيات جرّاء إصابتهم بالرّصاص الحيّ والمطاطي والخردق التي استخدمها الجيش والأمن الداخلي وشرطة مجلس النوّاب. هذا ما دفع نقيب الأطباء في بيروت شرف أبو شرف إلى مطالبة قوى الأمن الداخلي بوقف استخدام الرّصاص المطاطي لردع المتظاهرين. ونظراً لاستخدام رصاص الخردق للمرة الأولى لقمع التظاهرات ووقوع إصابات في العيون وأعضاء حيوية، عقدت مجموعة أطباء “القمصان البيض” مؤتمراً صحافياً في 13 آب عرضت خلاله خطورة استخدام هذا السلاح الفتّاك وطالبت القوى العسكرية والأمنية بوضع حد للعنف بحق المتظاهرين. هكذا انتفض القطاع الصحي على طريقته للمرة الأولى ليؤكد أنّ الضرر الناتج عن استخدام العنف المفرط خلال التظاهرات، ليس ضرراً خاصاً محصوراً بالذين تعرضّوا للعنف، بل يشكل ضرراً صحياً واقتصادياً عامّاً.

 

الطب الشرعي: توثيق عنف السلطة بشكل آمن

لمهنة الطب الشرعي أهمية خاصة في حماية الأشخاص الذين تعرّضوا للعنف كونها لا تكتفي بإثبات آثار العنف فقط، بل تقيّم أيضاً خطورة الإصابة من خلال تحديد مدّة التعطيل عن العمل للمصاب. فلتقرير الطبيب الشرعي آثار قانونية على إجراءات التحقيق في الجرائم المرتكبة بحق المتظاهرين وعلى العقوبة التي قد يفرضها القضاء على مرتكبيها. ونظراً لأهمية هذا التقرير، شعر العديد من المنتفضين الذين تعرّضوا للعنف من قبل الأجهزة الرسمية أو مناصري أحزاب السلطة بالحذر من اللجوء إلى أطباء لا يعرفونهم. أمام هذه المخاوف، تعاون عددٌ من الأطبّاء الشرعيين مع “المفكرة القانونية” و”لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” لضمان حصول هؤلاء على تقارير طبية بشكل آمن وسريع وبكلفة قليلة. ومن أبرز هؤلاء، الطبيبان سامي قوّاص وغابي مشعلاني اللذان فتحا عيادتيهما لمصابي التظاهرات منذ حراك صيف 2015 واستمعا بكل صبر لرواياتهم عن عنف السلطة ووثّقوها في تقارير تتمتع بمهنية عالية. في هذا السياق، اخترنا عرض تجربة الطبيب الشرعي غابي مشعلاني الذي تطوّع لمعاينة المصابين من دون أتعاب كمثال عن تسخير القدرات المهنية الطبية لمصلحة الأشخاص المنتفضين، مع الإشارة إلى أنّ هذه التجربة لا تختزل بحال من الأحوال تجارب العشرات من الأطباء الذين تطوّعوا لحماية المتظاهرين. (المحرر)

 

بعد 17 تشرين الأول 2019، لم يعد الطبيب الشرعي غابي مشعلاني يغلق عيادته عند انتهاء دوام العمل في الخامسة عصراً بانتظار أيّ متظاهر قد يتعرّض للاعتداء على أيدي القوى الأمنية ويحتاج إلى تقرير شرعي.

يشغل مشعلاني غرفة في عيادة مشتركة في عين الرّمانة في بيروت للكشف على المرضى، وهي غرفة متواضعة تحتوي على أسرّة ومعدّات طبيّة وبضعة أوراق ولباسه الطبّي المعلّق وراء مكتبه. الرجل قليل الكلام، يحاول إيصال أفكاره بقليل من العبارات، ويعبّر عن ذلك قائلاً: “أفضّل الاستماع إلى الناس على الكلام”.

تلقّى الطبيب في بداية الانتفاضة اتصالاً من “لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين” تطلب منه الكشف على بعض المصابين من المتظاهرين، فعمد بسرعة إلى تحديد موعد لاستقبالهم عارضاً أن يقدّم خدماته الطبية بشكل تطوّعي. وحتى حين كان يتلقّى الاتّصالات من “لجنة الدفاع” أيام العطل تطلب منه تحديد موعد في أقرب يوم عمل ليكشف على المتظاهرين، كان يجيب: “الثورة ما بتعطّل”، فيقبل أن يأتي الناس إلى عيادته حتى في أيام الآحاد.

 

حين يضع الطبيب مهنته في خدمة الناس

تمكّنت الانتفاضة من استيلاد أشكال مختلفة من التكافل الإجتماعي. فالطبيب مشعلاني مثلاً اختار بدلاً من النزول إلى الشارع للتظاهر، أن يضع خبرته في تصرّف المتظاهرين الذين يتعرّضون للإصابات. وعليه، فتح عيادته أمامهم لمعاينة إصاباتهم وتنظيم تقارير طبية شرعية: “مثلما ينزل المتظاهرون كلّ يوم للتظاهر حتى في أيام العطل، أنا وإن لم أنزل معهم إلى الشارع أكون موجوداً في عيادتي لاستقبال المصابين”. وهو يؤيّد الثورة ويصفها بالحضارية، لذلك أراد أن يشارك على طريقته فيها، معتبراً أنّ “هذه المشاركة لو لم تكن تطوّعية ومجّانيّة لكانت شكّلت مصلحة وليست مشاركة حقيقية. لذلك حين سألوني عن تكلفة التقرير أجبت ‘لا أريد المال بل أُريد أن أساعد قدر المستطاع’. وكل إنسان يمكنه أن يساعد ضمن مهنته، مثل المحامي الذي يقدّم دعاوى مجانية”. ويؤكّد استعداده للاستمرار في استقبال المصابين “مهما طالت الثورة” بعد أن عاين حتى الآن زهاء 30 مصاباً ونظّم لهم تقارير. ولا يخفي تعاطفه “مع الشباب والشابات الذين يتظاهرون في الساحات، ففي الوقت الذي فقد كُثر من اللبنانيين الأمل، لا يزال الثوار مستمرّين”.

 

مسيرة بدأت في زمن الحرب الأهليّة

سنوات الحرب اللبنانية كانت شاهدة على تعليم مشعلاني الجامعي وعلى بداية عمله في الطبّ. ويروي لـ”المفكرة القانونية” أهمّ المنعطفات في مسيرته: “عاينت عن قرب ويلات الحرب كمواطن وتلميذ يتنقّل تحت القصف إلى المدرسة ومن ثم الجامعة. فحين بدأت الحرب كان عمري 12 عاماً، ولم نترك البلاد أنا وأهلي مع العلم أننا كنّا نسكن بين عين الرمانة وفرن الشباك أي المنطقة التي عُرفت بخط التماس آنذاك. وبعد تخرّجي شهدت على هذه الويلات في المستشفيات. حينها كان الأخوة أبناء البلد الواحد في لبنان يتقاتلون”. درس الطب العام في الجامعة اللبنانية ثم انتقل إلى الجامعة اليسوعية ليتخصّص في الطب الشرعي، مع الإشارة إلى أنّ الجامعة اليسوعية فتحت مجال التخصّص في الطب الشرعي لفترة ثم أقفلته.

للطبيب مشعلاني ولدان في أوائل العشرين، وهما من أسباب تمسّكه بضرورة المساهمة في التغيير، واصفاً عمله التطوّعي بأنه نشاط “لمصلحة الكلّ ومصلحة أولادي أيضاً”.

 

معاناة واضحة في روايات المصابين في العيادة

روايات كثيرة سمعها الطبيب مشعلاني من المتظاهرين الذين دخلوا عيادته، روايات أكدّت له ضرورة الاستمرار بما يقوم به من خلال عمله التطوّعي: “رأيتهم مقهورين مما يعيشونه في البلاد، كثر منهم لديهم أمل بتغيير الواقع، لكن آخرين يئسوا وبانت عليهم علامات الاكتئاب حتى أنّ بعضهم قالوا لي حرفياً أنهم يفكرون في الانتحار”. ويتابع: “أستمع لرواياتهم وأشعر أنهم مثل أولادي، أرى أنهم تعرّضوا للظلم. لا أحد يريد أن يتعرّض لهذا الكم من العنف”، مشدداً على أهمية معالجة الأوضاع النفسية لهؤلاء المتظاهرين.

ويرى مشعلاني أنّ “الأوضاع المادية لهؤلاء المتظاهرين والمعاناة التي يعيشونها هي من الأسباب الرئيسية وراء نزولهم إلى الشارع”، مشيراً إلى أنّ “غالبية من دخلوا عيادتي قالوا لي إنّه ليس في جيبهم ليرة واحدة وأنّهم عاطلون عن العمل، منهم من تمكّنوا من تحصيل علمهم وآخرون لم تشأ ظروف حياتهم مساعدتهم على التعلّم”.

 

عنف يرقى إلى التعذيب

كشف مشعلاني على حالات تُظهر قسوة شديدة من العناصر الأمنيّة تجاه المتظاهرين، “ضرب مبرّح على كل الجسد، وكسور في الأيدي والأرجل والأخطر هو الضرب على الرأس الذي قد يولّد مشاكل صحية في المستقبل بينها مشاكل عصبية”. ويرى أنّ هذه القسوة “ترقى إلى مصاف التعذيب”، مشيراً إلى أنّ “بعض الشبّان الّذين دخلوا عيادته أكدّوا أنّ الضرب المبرّح حصل حتى بعد توقيفهم، أي أنّه ليس نتيجة ردّة فعل العناصر على أعمال شغب يُفترض أنّ المتظاهرين افتعلوها”. ويضيف: “سمعت روايات متشابهة من الشبّان، مثال أنّه تم رميهم من الآليّة التي تنقلهم والتي ترتفع نحو متر عن الأرض. وقالوا لي أيضاً أنه تم إيقافهم ووجههم إلى الحائط وبين الفينة والأخرى يأتي عنصر أمني ويركلهم، حتى أنّ هناك من طلبوا شرب المياه فتم إعطاؤهم ماء من الحنفية”. وقبل توقيفهم، “تعرّض كثر منهم للضّرب بالعصي والرّكل بالأرجل في ساحة رياض الصلح، وذلك بعدما تمّ سحلهم أرضاً”. ويشدد الطبيب على أنّه متفهّم لغضب العامّة على السلطة ولكنه يرى أنّ ردة فعل القوى الأمنية غير مبررة، ويقول: “لا يوجد ضرورة لكل هذا العنف، خصوصاً بعد الاعتقال حيث يستسلم الشخص ويكون مُقيّداً”.

 

من دون الطب الشرعي تغيب العدالة

يُعرّف مشعلاني الطب الشرعي بأنه الطب الذي لولا وجوده لكانت العدالة مصابة في صميمها. فلا يُمكن الوصول إلى حكم قضائي عادل من دون تقرير طبيب شرعي نزيه. وبحسب تعبيره، “هو الطب المرتبط بالعنف بشكل عام، مثل حالات العنف الأسري وجرائم القتل والاعتداء والاغتصاب وغيره”.

والحال أنّ المتخصصّين في الطب الشرعي لا يتجاوز عددهم 41 طبيباً بحسب جدول نقابة الأطباء في بيروت. هذا في الوقت الذي تتعاقد فيه وزارة العدل في لبنان مع 75 طبيباً، كثر منهم غير متخصصين في الطب الشرعي. الأمر الذي يدلّ على انخفاض معدل انجذاب الطلاب اللبنانيين لهذا المجال، ويُقابله انخفاض في عدد الجامعات التي تُدرّس الاختصاص، علماً أنّه حتى كلية الطب في الجامعة اللبنانية لا تتضمن هذا التخصّص.

مشعلاني درس إلى جانب تخصّصه في الطب الشرعي ماجستير في الإدارة في مجال الصحّة، وقدّم رسالة تضمّنت مشروعاً لإنشاء معهد جامعي للطب الشرعي في لبنان مع دراسة مالية للمشروع. بعد نجاحه في الماجستير عهد على نفسه ألّا تكون فكرته مجرّد طرح على الورق إلّا أنّه ووجه بالتجاهل. ويقول: “حملت المشروع إلى وزارة العدل ومرّة إلى جامعة خاصّة، وقدّمت فكرتي من دون أي مقابل مادي. إلّا أنّه لم يتم التواصل معي من كلا الجهتين، مع العلم أنّ هدفي ليس العمل في المشروع ولا أن أكون جزءاً منه بل هدفي المصلحة العامة التي تفرض ضرورة وجود اختصاص طب شرعي في لبنان”.

 

نشر هذا المقال في العدد 66 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. للاطلاع على مقالات العدد اضغطوا على الرابط: الثورة في مواجهة السّلطة وعنفها

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، المرصد القضائي ، المهن القانونية ، انتفاضة 17 تشرين ، تحقيقات ، حراكات اجتماعية ، حركات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، لبنان ، مجلة لبنان ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *