الطبقة السياسية في حضرة هيئة التنسيق: إقرار بمطالبها أم التفاف على حراكها؟


2013-03-08    |   

الطبقة السياسية في حضرة هيئة التنسيق: إقرار بمطالبها أم التفاف على حراكها؟

في يوم المعلم المنعقد في 7 آذار، برهنت هيئة التنسيق النقابية أنها "اجتاحت" المشهد السياسي اللبناني، وأنها قادرة على فرض عناوينها على خطابات المسؤولين… في انتظار ساعة الحسم العملي لدى مناقشة السلسلة في الحكومة أو عند إحالتها إلى مجلس النواب، إذا تمت الإحالة.
فيوم الخميس 7 آذار، أجمع ممثلو معظم الكتل النيابية على أحقية مطالب الهيئة وضرورة إقرار السلسلة، بل تخطوا – بمزايداتهم- الصوت العالي للمعلمين أنفسهم. في قصر اليونيسكو، كان المهرجان التضامني تحت عنوان "عيد المعلم يوم للتضامن مع هيئة التنسيق النقابية"، وقد نظمته رابطة أستاذة التعليم الثانوي الرسمي ونقابة المعلمين في لبنان ورابطة المعلمين في التعليم الأساسي الرسمي ورابطة أساتذة التعليم المهني والتقني الرسمي، وكان شعاره الرئيس "من أجل إحالة سلسلة الرتب والرواتب إلى المجلس النيابي"، وجاء السياسيون متضامنين مع هذا الشعار، يشددون على ضرورة إحالة السلسلة، وكأن لا دور لهم في عملية الإحالة هذه.
كان المشهد سريالياً في اليونيسكو، وهو بغرابته إنما يؤكد نجاح تحركات هيئة التنسيق في فرض صوتها، فبعدما اعتبر رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن تحركات الهيئة "مجانية"، ها هي القوى الحزبية تقر بأحقية مطالبها، بل تذهب أبعد من ذلك إذ يقر ممثلوها بأن الهيئة تخطت الإنقسامات المذهبية،  وأعادت الإعتبار لمبدأ المواطنية، وبأن تظاهرات الهيئة مثّلت "أكبر حركة نقابية في تاريخ لبنان"، مؤكدين على جدية وصحة الإقتراحات التي قدمتها الهيئة لتأمين تمويل السلسلة، وتتالت دعوات السياسيين لإحالتها إلى المجلس النيابي، ما أثار استياء المعلمين أنفسهم، وبعدما غاصت القاعة الرئيسة بالمعلمين، حتى ظل عدد كبير منهم خارجها، عبّر المعلمون عن غضبهم مما اعتبروه "تكاذبا سياسيا" بالخروج بالعشرات من القاعة، وكانت أهم التعليقات على غرابة هذه الأجواء تعليق أحد الأساتذة ب "أننا نحن فقط ضد السلسلة والباقون معها".
هل كانت خطابات السياسيين مجرد محاولة للإلتفاف على الحركة النقابية الجديدة، لاستيعابها وتسويف تحركاتها لاحقاً؟ سؤال تردد كثيرا بعد المهرجان، وقد يعكس بالفعل نوايا القوى المسيطرة على البلاد، لكنه لا ينفي أبدا أمرا مهما ألا وهو أن الطبقة السياسية اللبنانية (حكومة ومعارضة) لم تعد قادرة على تجاهل قوة هيئة التنسيق النقابية، ومطالبها التي تشكّل تناقضا كبيرا مع السلوك السياسي القائم على المحسوبيات وتقاسم المنتفعات والهدر والفساد، بل أن مطالب الهيئة وخطابها تشكّل مشروعا يعزز المواطنية ويعتبر مناقضا للمشروع المذهبي الذي اعتمدته القوى السياسية الكبرى في لبنان، وتسعى لترسيخه من خلال مشروع اللقاء الأرثوذكسي للإنتخابات النيابية. ويمكن القول بأن الأمين العام للحزب الشيوعي شكّل استثناء في مهرجان عيد المعلم، فهو ينطق باسم حزب لا طائفي، ولا يملك تمثيلا في السلطتين التنفيذية والتشريعية.
بداية المهرجان كانت مع دخول مجموعة من الأساتذة حاملين العلم اللبناني، ثم تحدثت مارتا دحداح باسم "رابطة التعليم الثانوي" ووجهت كلمتها للسياسيين المتواجدين في المهرجانقائلة "لقد استنهضتم هممنا بتجاهلكم، شكرا لكم، بفضلكم زدنا عددا. لن نسكت بعد اليوم، انفجر الغضب، لن نسكت بعد اليوم، إنها معركة وطن يريد شعبه أن ينهض به"، وكانت المفاجأة بأن استعاد بعض السياسيين هذه الجملة ليشكروا بدورهم هيئة التنسيق لأنها بحراكها شكّلت "التجربة المشرقة الوحيدة في لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية" وفق وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي الذي تحدث باسم "جبهة النضال الوطني"، وكان وزير التربية والتعليم العالي حسان دياب قد أكد على أحقية مطالب الهيئة ولكنه قال أنها تتطلب من الحكومة مزيداً من التعمق في درسها.
 على كل حال، كانت كلمات الخطباء – بمعظمها- تحمل تناقضاً كبيراً مع المشاريع السياسية التي حملتها تياراتهم ورسختها، فالمنسّق العام لقطاع التربية والتعليم في «تيار المستقبل» نزيه خياط قال مشيداً بتحركات الهيئة بأنها ستعيد الإعتبار للطبقة الوسطى في لبنان، متهماً الحكومة الحالية وحدها بالمسؤولية عن الفساد والهدر، وشدد النائب في كلمته باسم "كتلة التنمية والتحرير" على أن "حركة أمل" مع المعلمين "في السراء والضراء… من أجل استعادة الحقوق المغتصبة"، أما النائب نوار الساحلي – عن كتلة الوفاء للمقاومة- فأكد أن الكتلة تقول "كفى افقاراً للطبقة المستضعفة"، وشكر النائب سيمون أبي رميا أعضاء وناشطي هيئة التنسيق "لأنكم أخرجتمونا من العفن السياسي". وكان المعلمون يتساءلون خلال حديثه عن موقف الوزير فادي عبود من الموقف الذي يعلنه أبي رميا، وهما ينتميان لكتلة واحدة "الإصلاح والتغيير". ورأى النائب مروان فارس- عن كتلة الحزب السوري القومي الإجتماعي- بأن مجرد إحالة السلسلة إلى مجلس النواب يعني إقرارها. وعن حزب القوات اللبنانية تكلم العميد وهبي قاطيشا مشيداً بالهيئة، داعياً إلى تلبية مطالبها قائلاً "أخرجوا حنا غريب من الشارع قبل أن يتحول إلى حنا فاليسا"… الكلمة التي رد عليها خالد حداد مشبهاً غريب وقادة الهيئة بالرئيس البرازيلي السابق اغناسيو لولا لاسيلفا الذي كان نقابياً ثم رئيساً ساهم في رفع معيشة شرائح كبيرة في بلاده، وأضاف "فلتحل السلسلة وبعدها نحاسبكم على التمويل". كما كانت كلمات لممثلي حزب الكتائب والحزب الوطني الديموقراطي اللبناني وممثلي لجان الأهل والطلاب، وكلها لم تخرج عن مطلب إحالة السلسلة.
لم ينطلِ كلام السياسيين على المعلمين، حتى أن أحدهم صعد إلى المنبر وقال لهم "لستم هنا في مهرجان انتخابي" ما اضطر حنا غريب إلى تقديم الإعتذار، وكان رئيس رابطة التعليم الأساسي محمود أيوب، قد تحدث باسم هيئة التنسيق وأكد استمرار الإضراب وحمّل الحكومة مسؤولية كل يوم إضراب مؤكداً ان الإمتحانات المدرسية لن تحصل قبل إتمام البرامج المدرسية.
وفي الختام، أُعلنت توصيات الهيئة باستمرار الإضراب المفتوح، رغم وعود سياسيين بإمكانية بتها في 21 الشهر الجاري، كما دعت الهيئة المعلمين والموظفين إلى إقامة جمعيات عمومية للبحث في مصير التحرك في اليومين الجاريين.

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، حقوق العمال والنقابات



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية