الضبطية القضائية للقوات المسلحة .. أول القصيدة قمع


2013-02-19    |   

الضبطية القضائية للقوات المسلحة .. أول القصيدة قمع

أصدر مجلس الشورى القانون رقم 1 لسنة 2013 بشأن إشتراك القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية في الدولة[1]، بعد أربعة أيام من الذكرى الثانية لثورة يناير. وقد أقره رئيس الجمهورية بالتصديق عليها.
وقد نص هذا القانون على أن تدعم القوات المسلحة أجهزة الشرطة وبالتنسيق الكامل معها في إجراءات حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية في الدولة، حتى إنتهاء الإنتخابات التشريعية، وكلما طلب رئيس الجمهورية منها ذلك، بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني، وعلى أن يحدد وزير الدفاع الأماكن وأفراد القوات المسلحةومهامها، مع عدم الإخلال بدور القوات المسلحة الأساسي في حماية البلاد وسلامة أراضيها. بل أكثر من ذلك، منح القانون سلطة الضبطية القضائية والصلاحيات المرتبطة بها والمقررة لمأموري الضبط القضائي لضباط القوات المسلحة وضباط الصف المشاركين في مهام حفظ الأمن، وذلك وفقاً لأحكام قانون الإجراءات الجنائية، وبالشروط والضوابط المقررة في قانون هيئة الشرطة للضباط والأمناء.
إن هذا القانون قد جاء بالمخالفة للدستور، حيث أن الدساتير المصرية المتعاقبة منذ دستور 1923 قد حرصت على إفراد نصوص مستقلة للقوات المسلحة وأخرى للشرطة، فنصت المادة (194) من الدستور القائم على أن "القوات المسلحة ملك للشعب مهمتها حماية البلاد والحفاظ على أمنها وسلامة أراضيها، والدولة وحدها هي التي تنشىء هذه القوات …"، ونصت المادة (199) من ذات الدستور على أن "الشرطة هيئة مدنية نظامية، رئيسها رئيس الجمهورية، وتؤدي واجبها في خدمة الشعب، وولاؤها للدستور والقانون، وتتولى حفظ الأمن والآداب العامة، وتنفيذ ما تفرضه القوانين واللوائح، وتكفل للمواطنين طمأنينتهم وحماية كرامتهم وحقوقهم وحرياتهم، ذلك كله، على النحو الذي ينظمه القانون..".
وحيث أن ما تضمنته الدساتير المتعاقبة من مراعاة التفرقة والفصل بين الأحكام التي تنظم القوات المسلحة عن تلك التي تنظم هيئة الشرطة إنما جاء عن وعي وبصيرة بإختلاف وظيفة وإختصاص كل جهة من الجهتين، فالقوات المسلحة تختص بالدفاع عن الدولة ضد أي عدوان خارجي ويحفظ وجود الدولة وإستمرارها. أما الشرطة فهي هيئة مدنية وظيفتها تنفيذ أحكام القانون وكفالة الطمأنينة والأمن للمواطنين، وتتولى حفظ النظام العام والأمن العام والآداب العامة داخل البلاد ويشمل عملها منع الجرائم، وفي حال وقوع أية جرائم تختص بالبحث عن مرتكبيها وتقديمهم إلى القضاء، والشرطة هي المعنية – دون القوات المسلحة – بتنفيذ أحكام القانون على المواطنين المدنيين جميعهم بحسبان ذلك إختصاصها، وعين واجبها ويظل الحد الفاصل بين إختصاص القوات المسلحة وبين إختصاص الشرطة واضحاً جلياً لايشوبه غموض أو إلتباس أو تداخل، حيث كانت السلطة التشريعية حريصة دائما على تقنين المجالات التي تتدخل فيها القوات المسلحة في غير إختصاصها، وأن يكون ذلك بقدر، وفي حالات مستثناة، ومنها – على سبيل المثال – ما تضمنته المادة (4) من قانون الطوارىء من إختصاص قوات الأمن أو القوات المسلحة بتنفيذ الأوامر الصادرة من رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه. على أنه إذا تولت القوات المسلحة هذا التنفيذ يكون لضباطها ولضباط الصف ابتداء من الرتبة التي يعينها وزير الحربية سلطة تنظيم المحاضر للمخالفات التي تقع لتلك الأوامر.
فوفقاً لهذا النص يشترط لقيام إختصاص لأفراد القوات المسلحة يمتد إلى المواطنيين المدنيين أن تكون هناك حالة طوارىء معلنة وأن يصدر أمر من رئيس الجمهورية للقوات المسلحة بتنفيذ أمر من الأوامر التي يجوز له إصدارها وفقاً لقانون الطوارىء ويمتد أثره على المدنيين، ولم تتضمن هذه المادة منح ضباط وضباط صف القوات المسلحة صفة الضبطية القضائية، بل جعل إختصاصها لا يتعدى "تنظيم المحاضر" هذا في ظل الظروف الإستثنائية.
لكنه يمكن أن يمنح أفراد القوات المسلحة – في حالات الضرورة طبقا للمادة (23) من القانون رقم 148 لسنة 1959 بشأن الدفاع المدني – تلك الصفة وذلك بقرار من وزير الداخلية، وتلك الصفة تكون بالنسبة للجرائم الواردة في هذا القانون. وبالتالي، لا يجوز منح صفة الضبطية القضائية لأفراد القوات المسلحة على إطلاقها. 
هذا القانون عمل على توسيع دائرة إختصاص القوات المسلحة. حيث أن صفة الضبط القضائي العسكري المنصوص عليها في المادة (12) من قانون القضاء العسكري والممنوحة لضباط صف المخابرات الحربية وضباط صف الشرطة العسكرية كل في دائرة إختصاصه تتعلق بتطبيق أحكام قانون القضاء العسكري،  (المواد 4[2]، 8[3]، 8[4]مكرراً) من القانون المشار إليه وعلى الجرائم التي تقع في المعسكرات أو الثكنات أو المؤسسات أو البضائع أو السفن أو الطائرات التي يشغلها العسكريون أو التي تقع على معدات ومهمات وأسلحة وذخائر القوات المسلحة.
أن هذا القانون يمثل إفتئاتاً على الحقوق والحريات، حيث أنه يخل بمبدأ خضوع الدولة للقانون، الذي يقوم على عدم إخلال تشريعاتها بالحقوق التي يعد التسليم بها في الدول الديمقراطية مفترضاً أوليا لقيام دولة القانون، وضمانة أساسية لصون حقوق الإنسان وكرامته وشخصية المتكاملة. ويندرج تحتها تلك الطائفة من الحقوق وثيقة الصلة بالحرية الشخصية والتي أعلى من شأنها الدستور. بل أنها صارت من المبادىء العالمية إذ تبنتها وأمنت بها سائر المواثيق والعهود الدولية بلا ريب.
أن هذا القانون قد صدر بعدما يقرب من ستة أشهر من القرار الصادر من وزير العدل السابق – أثناء تولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة مسئولية إدارة شئون البلاد – رقم 4991 لسنة 2012 في 4 يونيو 2012[5]، والذي منح بموجبه ضباط وضباط صف المخابرات الحربية، وضباط وضباط صف الشرطة العسكرية – الذين يمنحون سلطة الضبط القضائي من وزير الدفاع أو من يفوضه – صفة مأموري الضبط القضائي في الجرائم المتعلقة بأمن الحكومة من جهة الخارج والداخل، المفرقعات، مقاومة الحكام وعدم الإمتثال لأوامرهم والتعدي عليهم بالسب وغيره، إتلاف المباني والآثار وغيرها من الأشياء العمومية، تعطيل المواصلات، التوقف عن العمل بالمصالح ذات المنفعة العامة والإعتداء على حرية العمل، الترويع والتخويف والبلطجة.
وقد طعن العديد من المراكز الحقوقية[6]في هذا القرار أمام محكمة القضاء الإداري لإلغائه، وبالفعل قررت المحكمة في 26 يونيو 2012 وقف تنفيذ القرار المطعون عليه. ومن المفارقات الغريبة أن من بين الطاعنين على هذا القرار جماعة الأخوان المسلمين – الطعن رقم 46337 لسنة 66 قضائية – والذين تعالت أصواتهم منددين بصدور مثل هذا القرار معتبرين أنه بمثابة سيطرة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة وإفتئات على الحقوق والحريات. هذا فضلاً عن التنديد بما فعلته المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين. إلا أنه مع صدور هذا القانون لم نشاهد أي ردة فعل مماثلة من أي من أوساط الحكومة أو أفراد الجماعة. وأكثر ما نخشاه هو أن يهدف هذا القانون الى مجاملة القوات المسلحة على حساب المواطنيين المصريين، بهدف إحداث توازن بين مؤسسة الرئاسة والقوات المسلحة.
 
محام وباحث قانوني


[1] نشر بالجريدة الرسمية – العدد 4 (أ) مكرر بتاريخ 29 يناير 2013.
[2] المادة 4 ((يخضع لأحكام هذا القانون الأشخاص الآتون بعد: 1. ضباط القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية 2. ضباط الصف وجنود القوات المسلحة عموماً 3. طلبة المدارس ومراكز التدريب المهنى والمعاهد والكليات العسكرية 4. أسرى الحرب 5. أى قوات عسكرية تشكل بأمر من رئيس الجمهورية لتأدية خدمة عامة أو خاصة أو وقتية 6. عسكريوا القوات الخلفية أو الملحقون بهم إذا كانوا يقيمون في أراضي جمهورية مصر العربية إلا إذا كانت هناك معاهدات أو اتفاقيات خاصة أو دولية تقتضي بخلاف ذلك 7. الملحقون بالعسكريين أثناء خدمة الميدان ، وهم كل مدني يعمل في وزارة الدفاع أو خدمة القوات المسلحة علي أي وجه كان )).
[3] المادة 8 ((كل شخص خاضع لأحكام هذا القانون ارتكب خارج جمهورية مصر العربية عملاً يجعله فاعلاً أو شريكاً في جناية أو جنحة داخلة في اختصاص القضاء العسكري يعاقب بمقتضى أحكامه ولو لم يعاقب عليها قانون البلد الذي وقعت فيه. أما إذا كان الفعل معاقباً عليه فإن ذلك لا يعفي من المحاكمة ثانية أمام المحاكم العسكرية إلا أنه يجب مراعاة مدة العقوبة التي يكون قد قضاها)).
 
[4] المادة 8 مكرراً ((يختص القضاء العسكري بالفصل في الجرائم التي تقع من الأحداث الخاضعين لأحكام هذا القانون، وكذلك الجرائم التي تقع من الأحداث الذين تسري في شأنهم أحكامه إذا وقعت الجريمة مع واحد أو أكثر من الخاضعين لأحكام هذا القانون وذلك كله استثناء من أحكام القانون رقم 31 لسنة 1974 بشأن الأحداث.
ويطبق علي الحدث عند ارتكابه إحدى الجرائم، أحكام القانون رقم 31 لسنة 1974 المشار إليه عدا المواد (25،27،28،29،30،31،38،40،52) منه.
ويكون للنيابة العسكرية جميع الاختصاصات المخولة لكل من النيابة العامة والمراقب الاجتماعي المنصوص عليها في قانون الأحداث ويصدر وزير الدفاع بالاتفاق مع وزير الداخلية والوزير المختص بالشئون الاجتماعية، القرارات اللازمة لتنفيذ التدابير التي يحكم بها في مواجهة الحدث )). مستبدلة بالقانون رقم 21 لسنة 2012 – نشر بالجريدة الرسمية العدد 18 مكرر (ب) بتاريخ 9 مايو 2012.
 
[5] نشر بالوقائع المصرية – العدد 136 بتاريخ 13 يونيو 2012.
[6]مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مركز هشام مبارك للقانون، المركز المصرى للحقوق الإقتصادية والإجتماعية.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية