الصّرف متواصل على قدم وساق والحكومة تتفرّج: مليون لبناني فقدوا وظائفهم أو يعملون بنصف راتب أو بلا ضمانات


2021-01-26    |   

الصّرف متواصل على قدم وساق والحكومة تتفرّج: مليون لبناني فقدوا وظائفهم أو يعملون بنصف راتب أو بلا ضمانات
محلات مغلقة في منطقة برج حمود (داليا خميسي)

ضجّت وسائل الإعلام في أيار 2020 بأخبار عن ارتفاع نسب البطالة في لبنان في إثر دراسة نشرتها “الدولية للمعلومات”[1] توقعت فيها ارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى مليون شخص. كان ذلك قبل تفجير المرفأ الذي تسبّب بمجزرة بيروت وسقوط نحو 200 ضحية، و6 آلاف و500 جريح، بينهم معوّقون، وتدمير جزء كبير من بيروت ومؤسساتها السياحية والاقتصادية، وبالتالي فقدان آلاف الوظائف.

ويعتمد رئيس قسم التحرير والدراسات في المرصد اللبناني لحقوق العمال والموظّفين أسعد سمّور على معطيات المسح الذي أجراه المرصد مؤخراً ليؤكد لـ”المفكرة القانونية” أنّ أعداد المصروفين منذ بدء الأزمة الاقتصادية في النصف الثاني من 2019 يقدّر بنحو 500 ألف عامل وموظف “وهؤلاء يشكلون ثلث العاملين قبل الأزمة”. ويشير إلى أنّ صرف هذا العدد يعني أنّ نسبة البطالة في لبنان سترتفع إلى 40% من حجم القوى العاملة. وأتى رقم المرصد من “جمع تصريحات مختلفة من الصحف ووسائل إعلام لنقباء المرافق السياحية، ونقابيين في قطاعات مختلفة، إضافة إلى تقديرات بعض مراكز الأبحاث المحلية والدولية”، وفق سمّور.

أمام هذه المعطيات الخطيرة، تتناول “المفكرة القانونية” وضع الأجراء المهددين بالصرف والقطاعات المهددة بالانهيار إلى جانب سعيها لاستكشاف آليات الحماية التي تؤمّنها مؤسّسات الدولة للعمّال والموظفين الذين خسروا أشغالهم ووظائفهم. وقبل المضي في ذلك، لا بدّ من التذكير بأن الإحصاء المركزي قدّر في العام 2019 حجم العمالة غير النظاميّة بـ 55% من مجمل القوى العاملة، بمعنى أن 45% من هذه القوى فقط  يتمتعون بالتغطية الصحيّة وبالإجازات المرضيّة والإجازات المدفوعة[2].

 

مصروفون بالجملة وقلّة تلجأ إلى القضاء

عمل فؤاد في مجال المطاعم والأنديّة الليليّة لأكثر من 20 عاماً، أمضى 11 منها في مؤسّسة واحدة وكانت آخر وظيفة له بعدما أوصل الانهيار الاقتصادي المؤسّسة إلى إغلاق أبوابها نهائياً بعد تفجير مرفأ بيروت بفعل تضرّر المطعم الذي يعمل فيه. لم ينلْ فؤاد أيّ تعويض صرف، وحين قرّر اللجوء إلى وزارة العمل للشكوى، نصحه كثيرون بأنّها بلا جدوى.

منذ إغلاق المطعم، وفؤاد يُحاول إيجاد فرصة عمل في المجال السياحي لكن بدون جدوى. يقول لـ “المفكرة”: “أنا مستعدّ للعمل في أي مجال آخر، فالمؤسّسات السياحية تحتضر اليوم”. لا يوجد أيّ مدخول للعائلة منذ التفجير، فقط استفاد من الـ400 ألف ليرة التي منحتها الدولة – والتي لا تساوي شيئاً بمعايير اليوم – للأكثر فقراً كون أولاده تلامذة في المدرسة الرسميّة.

فؤاد واحد من الآلاف الذين يدفعهم غياب أي خطّة للحمايّة الاجتماعيّة إلى البحث عن أيّ عمل يقيهم العوَز بعد خسارة وظائفهم ويسلكون مسارات حياتيّة صعبة، حيث يضطرّ البعض إلى العمل لساعات طويلة مقابل مبالغ زهيدة لتأمين مدخول ما، وغالباً ما يتّجه هؤلاء للعمل في وظائف يوميّة.

أحمد (اسم مستعار) مثلاً كان موظّفاً في شركة صرفته وأعطته تعويضاً لا يتخطّى راتب شهرين، يقول لـ “المفكرة” إنّه يعمل اليوم “دليفري”: “أوصل طلبيات للزبائن، وأتقاضى نسبة عن كل طلبيّة، وإذا لم يطلب الزبائن الطعام يعني لا يوجد مدخول”. تغيّرت أوضاع أحمد كثيراً منذ أن أقفلت الشركة: “في السابق كنت أتمتّع بالضمان الصحّي والفرص السنويّة المدفوعة وبعض التقديمات الاجتماعيّة، اليوم خسرتها كلّها”.

من الواضح من القصّتين ومن مقابلات أجرتها “المفكرة” مع عمّال مصروفين عدّة أنّ لا ثقة لديهم باللجوء إلى القضاء ممثلاً بمجالس العمل التحكيمية لقناعتهم بأن محاولتهم تحصيل تعويضاتهم لن تؤول إلى نتيجة مرضيّة، وبسبب عدم قدرتهم على تحمّل أعباء فترة الانتظار. ويقول رياض، وهو صيدلاني يعمل في إحدى كبرى الصيدليات في بيروت، إنّ صاحب الصيدلية لم يثبّته كما وعده بعد مرور 3 أشهر على بدئه العمل كما وعده، بل مدّد فترة التجربة حتى 9 أشهر لغاية اليوم من دون أيّ مبرّرات مقنعة. ومع التعبئة العامّة قلّص له ساعات العمل إلى النصف، وأصبح يدفع له 10 آلاف ليرة على الساعة عندما يحتاجه أو ليحلّ مكان زملاء له قد يتغيّبون أو في ساعات إضافية “يعني بيستعملني وقت الحاجة”. والأسوأ أنّ رياض أصيب بفيروس كورونا خلال عمله في الصيدلية، واضطرّ إلى التغيّب 15 يوماً ريثما يشفى فقام صاحب العمل بخصم كلّ فترة غيابه من راتبه. ومع ذلك لم يشتكِ رياض لسببين: “ما في شغل بالبلد وما بوثق بوزارة العمل ولا بمجالس العمل التحكيمية لبتاخد سنين، قلت خلّيك يا صبي ع القليلة عم تطّلع مصروفك”. ويؤكّد سمير الذي عمل في مطعم في منطقة الجميزة لستّة أشهر، “تمّ صرفنا من العمل تلقائياً بعد تفجير مرفأ بيروت، حيث قرر صاحب العمل ألّا يفتح مجدداً، ولم يدفع لنا أيّة تعويضات”. ويشير إلى أنّه تقاضى طيلة الفترة السابقة التي عمل فيها بعد انهيار الليرة أقلّ من نصف راتبه “كنّا بحاجة للعمل لذا رضينا بسبب علمنا مسبقاً أنّه لا يوجد أيّة فرص أخرى”.

توزّع المليون عاطل عن العمل على القطاعات

بحسب المعطيات المفصّلة لـ “الدولية للمعلومات” التي بنت عليها توقعها بارتفاع البطالة في لبنان إلى مليون عاطل عن العمل في 2020، يبلغ عدد الأساتذة والموظفين الذين سيتمّ صرفهم في المدارس الخاصة 10 إلى 15 ألف، وفي قطاع المطاعم والفنادق والمؤسسات السياحية 50 ألفاً، و20 إلى 25 ألفاً بعد إقفال عدد من المؤسسات التجارية الصغيرة، وإقفال باب الهجرة والسفر أمام اللبنانيين بشكل كبير، وبالتالي انضمام نحو 50 ألفاً-60 ألفاً إلى العاطلين عن العمل. والرقم الأخير يشتمل على نحو 30 ألفاً من الخريجين الجامعيين الجدد. كما توقعت أن يفقد 100 ألف إلى 150 ألفاً وظائفهم من قطاعات مختلفة بفعل تقليص الأعمال والمشاريع لا سيّما في قطاع البناء والمقاولات، وفي الإعلام والصحافة، وفي النقل، في المصارف (حيث يعمل 26 ألف موظف وهناك اتجاه لخفض العدد بعد الدمج المصرفي وإغلاق عدد من الفروع الـ 1080 المنتشرة في كافة المناطق اللبنانية). كما توقعت “الدولية للمعلومات” عودة نحو 200 ألف لبناني من أفريقيا ودول الخليج وأوروبا بعدما فقدوا وظائفهم نتيجة التراجع الاقتصادي بسبب أزمة كورونا وتراجع أسعار النفط في دول الخليج وإلغاء عدد من المشاريع والحد من الإنفاق الحكومي.

اليوم، بعد 4 أشهر على هذه المؤشرات التي أحدثت ضجة، يؤكد الباحث في “الدولية للمعلومات” محمد شمس الدين لـ”المفكرة” أنّه “تبيّن أنّ كل المؤشرات جاءت قريبة من الواقع، وأنّ التوقّعات تحققت في معظم القطاعات، لا سيما الفندقي والسياحي منها، وهو الأكثر تضرراً، ثم قطاع البناء والمؤسّسات التجارية الصغيرة”. وبالنسبة لعودة العاملين في أفريقيا والخليج، يشير شمس الدين إلى رجوع بضعة آلاف وليس عشرات أو مئات الآلاف. ويعتبر أنّ هذا الأمر ترك أثراً إيجابياً على ناحيتين: لم يرتفع عدد العاطلين عن العمل، كما استمرّ هؤلاء المهجّرين برفد البلاد بالعملة الصعبة، وخصوصاً في ظلّ انهيار سعر صرف الليرة مقابل الدولار.

ويشير إلى أنّ الصّرف قد بدأ في القطاع المصرفي الذي نزف حتى اليوم نحو ألفي موظف من أصل 26 ألفاً، مشيراً إلى أنّ “الأعداد الكبيرة سوف تُصرف في الأشهر الثلاثة المقبلة، وتحديداً مع بداية آذار، حيث يكثر الحديث عن دمج مصارف وإغلاق بعضها وإقفال فروع كثيرة، إذ لم يقفل سوى 20 فرعاً حتى الآن من أصل 1083 فرعاً مصرفياً”، وهي أرقام تطابقت مع معطيات مصادر نقابة موظفي المصارف، التي أكدت أنّه منذ 2018 ولغاية 2020 تمّ صرف ألفي موظف. وعلمت “المفكرة” أنّ بعض المصارف تعمد إلى الصرف الدوري لعدد قليل من الموظفين ضمن اتفاقات تسمّى “حبّية” وتتضمّن تعويضات وإغراءات للاستقالة، لكي لا يبدو الأمر صرفاً جماعياً. 

ويقول شمس الدين إنّ ثمّة حديثاً يدور اليوم عن وجود 35% من القوى العاملة عاطلين عن العمل “والبقية يشتغلون أعمالاً مؤقّتة ومتقطعة. أيّ أنّه لدينا اليوم نحو 400 ألف عاطل عن العمل، و300 ألف يعملون بشكل متقطع وغير منتظم ومن دون أي تقديمات صحية أو اجتماعية. هذا مع الإشارة إلى المدخول الضئيل للذين يعملون ويتقاضون ربع أو نصف راتب، وهؤلاء لا يقلّون عن 200 إلى 250 ألف نسمة. وبالتالي يصل مجموع هؤلاء تقريباً إلى مليون نسمة، وهم من الفئات الهشّة في المجتمع.

هذه التقديرات، إضافة إلى معطيات المرصد اللبناني للعمال (500 ألف مصرف عن العمل مؤخراً) قريبة مما وجدته الإسكوا بأنّ الأزمة الحالية تنذر بتقلّص الطبقة الوسطى، وبالتالي بتغيّر التركيبة الاقتصادية للسكان اللبنانيين التي كان ذوو الدخل المتوسط يشكّلون الجزء الأكبر منها. وتشير إلى تقلّص فئة ذوي الدخل المتوسط من أكثر من 57% من السكّان في 2019 إلى أقلّ من 40% في 2020، لترى أنّ التحدّي الحقيقي الذي يواجهه لبنان هو أنّ أبناء هذه الفئة التي تضمّ معظم رأسماله البشري، لربّما يلتمسون الهجرة تلافياً للغموض الذي يلف الآفاق الاقتصادية للبنان. مع العلم، ودائماً وفق الإسكوا، أنّ فئة السكّان الميسورين تقلّصت بشكل كبير هي الأخرى، من 15 إلى 5%

القطاع السياحي أكثر القطاعات تضرّراً

يؤكد الأمين العام لاتحاد النقابات السياحيّة في لبنان جان بيروتي أنّ مئة ألف موظف خسروا وظائفهم في المؤسّسات السياحية وحدها، من أصل 160 ألف موظفاً في القطاع، أي نحو الثلثين، ويبلغ العدد ضعف ما توقعته “الدولية للمعلومات” للقطاع السياحي في دراستها في أيار 2020، وهو 50 ألفاً.

ويوضح بيروتي أنّ “المؤسسات السياحيّة باتت غير قادرة على تأمين استمراريّة الموظفين لديها، فالخسارة هذا العام تخطّت الـ 6 مليارات دولار”. ويُضيف، “حين وقع انفجار مرفأ بيروت، تأثرت 2200 مؤسسة سياحيّة في المدينة وتعرضت لأضرار جسيمة، واليوم لا يتعدى نسبة المؤسسات التي عادت للعمل الـ 20 بالمئة”.

وفي المقابل يقول رئيس اتحاد نقابة موظفي وعمال الفنادق والمطاعم والتغذية ودور اللهو في لبنان جوزيف حداد أن “العمّال في القطاع السياحي يُعانون من انتهاكات متعددة، وبعضها من الحجم الكبير، لافتاً إلى عدم التصريح عن  جزء كبير من بينهم في الضمان الاجتماعي، أو أنّ الشركات لا تقوم بالإعلان عن الرواتب الفعليّة للمسجلين ما يقضم جزءاً من تعويض نهايّة الخدمة”. ويقول إنّ “آلاف العمّال يواجهون الصرف من دون تعويضات ماليّة، فيما يتم تخفيض رواتب من ما زالوا يحافظون على وظائفهم، أو تقليص ساعات عملهم ودفع الرواتب على الساعة”. لكن ما يُثير الريبة بالنسبة لحداد هو قيام بعض المؤسّسات السياحيّة بإقناع الموظف بـ “تجميد” العمل ووعده بالعودة حين يتحسن الوضع من دون أن يتقاضى أيّة رواتب، وهو ما يعده “حيلة للتهرب من دفع التعويضات، حيث يوقّع بعض العمال على براءة الذمّة في البدايّة وبعد مرور أشهر ييأسون ويبدأون بالبحث عن عمل جديد”. بالتالي، “تكون المهلة الزمنيّة التي يسمح فيها القانون بالتقدم بالشكوى قد مرّت، ما يعفي المؤسسة من ايّة مستحقات مالية للموظف”.

هنا تلفت المديرة العامة لوزارة العمل بالإنابة مارلين عطالله إلى أنّ “بعض الفنادق في منطقة التفجير أعلمت الوزارة بأنّها تنوي تعليق عقود العمل بسبب توقف إنتاجها خلال هذه المرحلة وبسبب الأضرار التي لحقت بها كأسباب خارجة عن إرادتها، لكنّ الوزارة تضمن استمراريّة استفادة العمال من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”. وتشير إلى أن “الواقع الاقتصادي الذي يواجهه لبنان صعب جداً على جميع الفئات، إن كانوا العمال أم أصحاب العمل، فليس منطقياً أن تفرض الوزارة على المؤسّسات الاستمرار بدفع الرواتب خلال فترة توقف العمل، لكننا نرى إيجابية في ضمانة عودة العمّال إلى العمل”.

عمّال مرفأ بيروت: يعملون حيث الصدمة

وعن تأثير انفجار المرفأ، يتحدث رئيس الاتحاد العمّالي العام ونقيب عمّال مرفأ بيروت بشارة الأسمر عن عشرات الوظائف التي خسرها أصحابها في المكان بفعل التفجير. ويلفت إلى أنّ معظم هذه الوظائف متمركزة في تفريغ البضائع العامّة من بواخر General Cargo، وهي خفّت كثيراً بسبب تدمير المستودعات الخاصّة بالتخزين في المرفأ. وكان الاعتماد غالباً على عمّال مياومين يأتون للعمل فقط عند وصول البواخر ويعودون إلى منازلهم بانتظار استدعائهم مرّة جديدة. ويذكر أيضاً توقف العمل نهائياً في الأهراءات، كما المنطقة الحرّة، ما يعني أنّ جميع موظفي هذه الأماكن هم خارج العمل، إنما لا يوجد مسح دقيق لأعداد المصروفين من العمل منهم أم الملّعقة عقودهم لدى النقابة، إن كان على صعيد المرفأ حصراً أم على صعيد لبنان بأكمله. يضاف إلى هؤلاء كمّ من العمّال المصابين بإعاقات من جرّاء الانفجار.

أرقام وزارة العمل لا تمثل الواقع

تفيد أرقام وزارة العمل التي حصلت عليها “المفكرة” أنّ عدد شكاوى الصرف الفردية لدى الوزارة يبلغ 1815 شكوى فقط منذ بداية 2020 ولغاية تشرين الثاني منه، في مقابل 2344 شكوى في 2019. وتركّزت النسبة الكبرى لشكاوى العام الماضي في دائرة بيروت حيث بلغت 710 شكاوى، ما يُشكل نسبة 39%، يليها جبل لبنان الشمالي 21.6% ثم جبل لبنان الجنوبي بنسبة 16.47%. ومن الملفت الانخفاض الكبير في أعداد المشتكين في المناطق، إذ لم يتعدّوا  في عكار 39 موظفاً (2%) في حين لم يتجاوزوا 4 مشتكين في بعلبك الهرمل، أي 0.2%.

ويُفسّر هذا التباعد في أرقام توزّع الشكاوى مناطقياً بتمركز المؤسّسات والمصانع في المدن، ولا سيّما دوائر جبل لبنان وبيروت وطرابلس وصيدا، كما انخفاض لجوء العمّال إلى وزارة العمل لأجل تقديم الشكاوى، وذلك إمّا للتفاوت في نظامية عقود العمل أو قلّة ثقتهم في مؤسّسات الدولة، أو عدم معرفتهم بإمكانيّة تقديم الشكوى لدى الوزارة، إضافة إلى عقد تسويات داخلية بين العمّال وأرباب العمل في بعض الحالات. عدد شكاوى وزارة العمل ليس سوى عيّنة صغيرة من العمّال العاطلين عن العمل في لبنان الذين أشارت إليهم “الدولية للمعلومات”، فيما نشرت صحيفة “النهار” مقالة في 3 أيلول 2020، نقلت فيه أرقاماً “مخيفة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تشير إلى هبوط حركة التوظيف بنسبة 71% في العام 2020”. كما تبيّن أرقام الصندوق نفسه أنّ 37.5% من الأجَراء المصرّح بهم للضمان يعملون براتب شهري بالحد الأدنى للأجور البالغ 675,000 ليرة (حوالى 90 دولاراً) أي أدنى من خط الفقر، بتراجع نسبته حوالى 80% عن العام الماضي، في حين يعمل 86% بأقلّ من 3 ملايين ليرة (400 دولار).

قد يكون هذا الانخفاض في قيمة الأجور دافعاً آخر لعدم تقديم شكاوى للوزارة أو لمجالس العمل التحكيمي “لأنّ التعويض المُطالب به فقد قيمته المالية، ولا يستحق الانتظار طويلاً وخوض معركة لأجله، إضافة إلى الوقت الذي تستغرقه محاكم مجالس العمل التحكيمية وعدم توقّع العمّال الحصول على حقوقهم”، وفق ما يؤكّد سمّور. وتُقدّر عدد سنوات المحاكمة أمام مجالس العمل التحكيمية بثلاث سنوات ونصف السنة، كمعدل وسطي، وفق ما بيّنته دراسة أجرتها “المفكرة القانونية” حول أمد المحاكمات في مجالس العمل التحكيمية في محافظتي بيروت وجبل لبنان. ويعتبر سمّور أنّ الآليّة المتّبعة في وزارة العمل لا تشجع على التشكّي، ليروي حادثة حصلت معه عندما توجّه مع نحو 14 مصروفاً من العمل لتقديم شكوى صرف جماعي: “قال أحد موظفي الوزارة للمصروفين ما بيطلعلكم حقوق ع المؤسّسة”، وفق ما يؤكد سمّور “وعليه تراجع أربعة مصروفين عن تقديم شكاوى على المؤسسة التي صرفتهم”، معتبراً أنّ “هذه السلوكيات تخفّف من امكانية تقديم الشكاوى والدعاوى”. ويرى سمّور أنّ تسويات عقدت خلال الصّرف في القطاع النظامي وعُرضت فيها تعويضات على المصروفين “وفي ناس بتقبل حتى لو كانت التعويضات غير عادلة ولكنها بحاجة للمال، وبالتّالي ما بتتشكى”، كما أنّ البعض الآخر عُرض عليهم “الإنتقال إلى فروع في الخارج لبعض الشركات التي أقفلت في لبنان”، كما يقول.

انتهاكات بحقّ العمّال والموظفين ودور محدود للوزارة

من خلال المقابلات التي أجريناها مع رئيس اتحاد نقابات العمّال والمستخدمين في لبنان كاسترو عبدالله، ورئيس اتحاد نقابة موظفي وعمال الفنادق والمطاعم والتغذية ودور اللهو في لبنان جوزيف حداد ورئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر، يظهر أنّ الانتهاكات التي تطال العمّال تتلخص بـ “تقليص أجور البعض إلى النصف أو أكثر، صرف تعسّفي من دون إنذار أو تعويضات، ‘تجميد’ العمل ووعد الموظفين بالعودة بعد تحسّن الأوضاع، وإعطاء إجازات غير مدفوعة”. وهنا يوثق سمّور نقلاً عن وزارة العمل أنّ 27 شكوى وصلت إلى الوزارة منذ 17 تشرين الأول 2019 ولغاية آذار من السنة نفسها حول تخفيض ساعات العمل والأجور، مشيراً إلى أنه من المؤكّد أنّ الرقم ارتفع كثيراً بعد اشتداد الأزمة وتفجير المرفأ.

ويتّضح أنّه غالباً ما تُبرّر المؤسّسات إجراءاتها بحق العمّال بالضائقة الاقتصاديّة، ولا سيّما لناحيّة الصرف من العمل أو تعليق عقود العمل، وفق المديرة العامّة لوزارة العمل بالإنابة مارلين عطالله. ونجد أنّ طلبات التشاور الخاصّة بالصّرف في 2020 بلغت 145 طلباً. وترى عطالله أنّ “هذه الأرقام لا تعكس الواقع، حيث لا تعلم كلّ المؤسّسات التي تغلق أبوابها أو تصرف موظفيها وزارة العمل بذلك”. وتقول إنّ “بعض المؤسّسات، الكبيرة ومنها الصغيرة أو ذات الطابع العائلي، تقوم بتسوية الأوضاع مع موظفيها، وبالتالي لا يصلنا أي شكاوى”. وتعطي عطالله مثالاً على بعض المصارف التي قامت بتسكير فروع لها وأعطت موظفيها تعويضات “مُرضية”، لافتة إلى أنّ “أكثر الشركات التي تقدّمت بطلبات تشاور تنتمي لقطاعات: السياحة والخدمات، مكاتب شركات السفر الأجنبيّة التي تضررت عالمياً بسبب كورونا، كما عدد قليل من المصارف، وشركات ترابة وبعض الشركات التي تضررت بفعل تفجير مرفأ بيروت”.

ولكن كيف تتعامل وزارة العمل مع الشكاوى التي تردها من العمّال المصروفين؟ ومع طلبات التشاور من المؤسسات؟

تؤكّد عطالله أنّ “الوزارة تضع في سلّم أولويّاتها تأمين التعويضات العادلة للموظّفين ضمن تسويات حبيّة، وتسعى لضمانة استمرار العمّال في وظائفهم، مع الحرص على سرعة البتّ في الملفّات، وتغطيّة كافة الشكاوى التي تردها من الموظفين برغم النقص في عدد المفتشين لديها”. وتلفت إلى أنّ “الوزارة تحقّق في الحسابات الماليّة للشركات التي تتقدّم بطلبات التشاور لإنهاء عقود عمّالها، وإن احتاج الأمر للاستعانة بخبير في التدقيق الحسابي”.

وفي حال فشلت المساعي توجّه الوزارة، وفق عطالله، العمّال إلى مجالس العمل التحكيمية لتحريك الدعاوى القضائيّة ضدّ أصحاب العمل. ولكن العمّال يواجهون كما أسلفنا أزمة البطء في تحريك ملفاتهم، وطول أمد الدعاوى لدى هذه المجالس، وفقدان قيمة التعويضات بسبب انهيار الليرة، عدا عن إقفال هذه المجالس لأكثر من ثلاثة أشهر خلال التعبئة العامّة بسبب كورونا. وتقول إنّ الوزارة “قامت بالتنسيق مع وزارة العدل والجهات القضائية المختصة بتفعيل مجالس العمل التحكيمية، لا سيما لجهة الإسراع في البت بالدعاوى لديهم”. وتضيف، “طلبت الوزارة من مفوضي الحكومة لدى مجالس العمل التحكيميّة متابعة دعاوى العمل بفعاليّة والإسراع في البتّ في مطالعاتهم”، مشدّدة على أنّ “قانون تعليق المهل الصادر في أيار 2020 والممدد في آب 2020 حتى آخر هذه السنة والإغلاق بفعل التعبئة العامّة عادا وعرقلا عمل المجالس التحكيميّة” وكانا بالتالي لغير مصلحة المتقدّمين بالشكاوى أو الحاصلين على أحكام قضائية. ومؤدى هذا الأمر هو تقويض ما كان تبقى من ثقة للعمّال في القضاء، ولا سيما في ظل تحديد التعويضات بالليرة اللبنانية وخطر فقدان الليرة مزيدا من قيمتها خلال السنوات التي سيستغرقها النزاع.

غياب آليّات الحماية وتأخّر الإصلاحات

يحدث كل هذا في ظل غيّاب أيّ نوع من أنظمة الحماية الاجتماعيّة في لبنان، وسط تعثّر الدعم وآليّاته. فقد رصدت الحكومة اللبنانيّة 400 ألف ليرة لبنانية لمساعدة العائلات الأكثر فقراً. لكنّ هذا المبلغ لم يصل إلى جميع الفئات المحتاجة، إذ أنّ كثراً ممن تقدموا بتعبئة استمارات للحصول على المساعدة لم يتم التجاوب معهم. وبالتالي لم تتبلور بعد خطة حكومية جدّية للاستجابة لكل هذه الأزمات، تمهيداً لإقرارها من قبل السّلطتين التشريعية والتنفيذية، مما حال دون تدخّل ناجح لتجنّب وصول الفئات الاجتماعية الأكثر تأثّراً إلى الفقر والعوز. ويرى سمّور ضرورة أن تضع الحكومة خطّة طوارئ تضمن تعزيز الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تضرراً، ومن بينها العمّال والعاطلين عن العمل وعائلاتهم، وتبدأ بـ”الحفاظ على الضمان الصحّي، تأمين التعليم والغذاء، وتعويضات بطالة، وضبط الأسعار، ودراسة رفع الحد الأدنى للأجور”.

وكان الاتحاد العمالي العام حذّر حين دعا للإضراب منتصف كانون الأول المنصرم من أنّ “العمّال والفقراء هم من يدفعون ثمن الانهيار الاقتصادي اليوم، وهم مهدّدون اليوم أكثر مع الكلام عن رفع الدعم عن الأدوية والطحين والدواء والوقود، مما ينبئ بكارثة كبيرة عليهم”. ويرى رئيس الاتحاد بشارة الأسمر ضرورة “وجود كادر بشري متخصّص لدى وزارة العمل وقادر على تغطيّة كافة القضايا العماليّة، كما مفتشين لدى وزارة الاقتصاد قادرين على مراقبة الأسعار وضبطها”، مشيراً إلى أنّ الإتحاد “عرض التطوّع مع الوزارة (الاقتصاد) لمراقبة الأسعار لكن لم يتم التجاوب معنا”.

ويعتبر سمّور أنّ الدور المتوقّع من وزارة العمل يتخطّى ما تقوم به حالياً، “كأن تقوم بعدد من الإصلاحات، ولها أن تساهم في علاج الأزمة، كأن تطلب تعيين مجلس إدارة الضمان الاجتماعي المنتهيّة صلاحيته منذ حزيران 2007، ولم يُعاد إلى تعيين الأعضاء الجدد منذ حينها وهم 10 من ممثلي أرباب العمل و10 من ممثلي العمّال و6 يمثلون الدولة”.

وهنا تُطرح أسئلة عدّة حول دور المؤسّسة الوطنية للاستخدام المولجة بإحصاء نسب البطالة والعاطلين عن العمل وتقديم الإعانات لهم وتحديد كفاءاتهم وأعمارهم واحتياجاتهم، وتأمين فرص عمل جديدة تستوعب ما أمكن من بينهم، لو لم تكن مشلولة وغير مفعّلة. ويشدّد سمّور على ضرورة تفعيل هذه المؤسّسة التي تؤمن المعلومة حول سوق العمل والعمالة غير اللبنانيّة، وتؤدّي دوراً تنظيمياً لسوق العمل بالتنسيق مع الوزارة، والمساعدة في إيجاد فرص العمل ودعم الابتكارات والمبادرات الشبابية. وهنا توضح عطالله أنّ الموازنة الضعيفة للمؤسسة الوطنيّة للاستخدام تعرقل تفعيلها، كما النقص في كادرها البشري”.

[1] شركة دراسات وأبحاث وإحصاءات علمية تأسست في بيروت في العام 1995.

[2]  المؤشرات الرئيسيّة لمسح القوى العاملة والأحوال المعيشيّة في لبنان 2019، 18 كانون الأول 2019، الإحصاء المركزي.

انشر المقال

متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، جائحة كورونا ، حقوق العمال والنقابات ، سياسات عامة ، عمل ونقابات ، قطاع خاص ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم