الصراع على التمثيلية القضائية أمام القضاء: دعويان ضد تعيين قضاة في الهيئة المستقلة للاتصال


2013-07-30    |   

الصراع على التمثيلية القضائية أمام القضاء: دعويان ضد تعيين قضاة في الهيئة المستقلة للاتصال

رفعت نقابة القضاة التونسيين يوم 28 جويلية 2013 دعوى قضائية أمام المحكمة الادارية طعنا في قرار تعيين العضو الممثل للقضاء العدلي بالهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصريكما تولى اتحاد القضاة الاداريين من جهته المبادرة الى إجراءات التظلم الاداري تحضيرا لنشر قضيته في الغاء قرار تعيين العضو الممثل للقضاء الاداري بذات الهيئة.
استندت الدعويان الى المرسوم عدد 116 لسنة 2011 مؤرخ في 2 نوفمبر 2011 المتعلق بإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري والذي ينص في فصله السابع على أن الهيئة تضم في تركيبة مجلسها عضوا يمثل القضاء العدلي وعضوا آخر يمثل القضاء الاداري يتولى رئيس الجمهورية تعيينهما بناء على اقتراح من الهيكل المهني الأكثر تمثيلية للقضاة. وقد تولى رئيس الجمهورية التونسيةبموجب أوامر فردية تعيين العضوين المعنيين بناء على اقتراح من جمعية القضاة التونسيين. واعتبرت نقابة القضاة واتحاد القضاة التونسيين قراره مخالفا للقانون لأن رئاسة الجمهورية لم تسع الى تحري درجة تمثيلية جمعية القضاة لعموم القضاة قبل الالتجاء اليها لطلب ترشيحاتها. وهو أمر بات مؤكدا على اعتبار أن رئاسة الجمهورية لم تثبت أنها طلبت من الهيكلين الطاعنين المعطيات المتعلقة بعدد منخرطيهما ونسبة تمثيلهما للقضاة. وتسعى نقابة القضاة التونسيين واتحاد القضاة الاداريين لاستصدار حكم قضائي يقضي بإلغاء قرار التعيين ويفرض لاحقا على رئاسة الجمهورية الالتجاء الى الهياكل المهنية الأكثر تمثيلية للقضاة تكريسا لفكرة التعددية النقابية قبل مباشرة اجراءات معاودة التعيين.
وان كان النص القانوني واضحا في اشتراطه أن يكون الهيكل المهني الذي يباشر الاقتراح للأعضاء القضاة الهيكل الأكثر تمثيلية، وهو أمر لم يتم التحري عنه سابقا كما سلف بيانه، فان من شأن قبول القضاء الاداري الدعويين أن يطرح مستقبلا اشكالا فعليا حول المعايير التي يجب أن تعتمد لتحديد الهيكل المهني الأكثر تمثيلية.
وتبرز الاشكالية العملية في تحديد الهيكل الأكثر تمثيلية بالنظر لكون كلا من نقابة القضاة وجمعية القضاة تمسك بقوائم منخرطيها وتدعي أنها الهيكل الأكثر تمثيلية من دون أن تكون قوائم المنخرطين مودعة لدى أي جهة ادارية محايدة يتسنى لها اجراء رقابة فعلية على صدقية التصاريح الاعلامية في شأنها؛ وذات الامر بالنسبة الى عدد قضاة المحكمة الادارية المنخرطين في الهياكل القضائية. كما أن نسبة هامة من القضاة تنخرط بالهيكلين على حد سواء وهو أمر يبدو غير مستساغ في ظل تنازع مصالح الهياكل.
كشف الصراع الطارئ عن صعوبة تعاطي الجهات الرسمية مع تعددية الهياكل المهنية للقضاة وبين أن التعددية النقابية في إطار الجسم القضائي ما زالت تفتقر الى آلية ترتيبية تؤطرها. ويتعين ايجاد تصورات لتجاوز هذا الخلل، علما أنه سبق لكلا من نقابة القضاة وجمعية القضاة أن تفاوضت مع وزارة العدل وأبرمت اتفاقات معها تتعلق بالقضاة من دون أن تقدم أي منهما ما يثبت أنها تمتلك الأهلية القانونية الواجبة للتفاوض. وقد شكلت الممارسات المتبعة في هذا المجال حتى الآن خرقا لتقاليد العمل النقابي التونسية التي تولي الهيكل الأكثر تمثيلية صلاحية التفاوض مع الجهات الرسمية دون سواه حماية لحق الجهة التي يمثلها ولكيلا تستعمل الجهة الادارية التعددية النقابية كأداة لخدمة مصالحها من خلال تخيرها للطرف الذي تفاوضه.
وأخيرا، تقتضي الإشارة الى أن نزاع التمثيلية بين هياكل القضاة سيؤثر سلبا على عمل هيئة ادارية انتظر الاعلاميون طويلا ارساءها ويجدون اليوم أنفسهم مهددين بتعطل أعمالها بسبب اختلالات ادارية ونزاعات داخلية بين القضاة لا دور لهم فيها ولا مصلحة. وربما يفرض هذا الأمر حاجة الى مراجعة مرسوم تنظيم هيئة الاتصال السمعي والبصريلإخراج الهيئة من آتون الصراعات الجانبية، بحيث يتم ترشح القضاة لعضويتها على أساس الكفاءة والمعايير الموضوعية والبرامج بعيدا عن شبهة الولاءات للهياكل، وهو أمر لا يكفله اسناد صلاحية الترشيح الى هياكل يفترض فيها عدم تمثيل كل المعنيين، حتى ولو ثبت أنها الأكثر تمثيلا. وقد يكون في اسناد صلاحية ترشيح العضو الممثل للقضاء العدلي للهيئة المؤقتة للإشراف على القضاء العدلي على اعتبار أنها أضحت اليوم تمثل كل القضاة العدليين وصلاحية ترشيح العضو الممثل للقضاة الاداريين للمجلس الأعلى للمحكمة الادارية على اعتبار انه يمثل عموم قضاة المحكمة الادارية هو الحل الواجب اتباعه  لتجاوز الاشكالات التي أدت اليها ضبابية معايير تحديد الهيكل الأكثر تمثيلية للقضاة بما يضمن مستقبلا استقرار المؤسسات ويحقق  بموازاة  ذلك قدرا من الاجماع حول من يمثل القضاء في الهيئات والمؤسسات بحكم صفته المهنية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية