الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار

،
2023-07-10    |   

الصراع على الأوقاف الإسلامية في لبنان: الدين، القانون والاقتصاد في ظلّ الاستعمار

مقابلة مع ندى ممتاز حول كتابها “ملك الله. الإسلام، الإحسان والدولة الحديثة” (2021)

أجراها سامر غمرون بمساعدة رين ابراهيم

قابلتْ المفكرة القانونية الباحثة والأستاذة الجامعية ندى ممتاز (جامعة تورنتو، كندا) حول كتابها الصادر عام 2021 عن دار نشر جامعة كاليفورنيا (وتصدر ترجمته العربية قريبًا). وفيما تقع أبحاث ممتاز بشكل عام على تقاطع الأنثروبولوجيا، والتاريخ والعلوم الإسلامية القانونية، يتطرّق كتابها إلى مؤسّسة الوقف وتحوّلاتها في الطائفة السنّية في بيروت منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم. وعبر هذه التحوّلات التي توثّقها الباحثة من خلال الدراسات الأرشيفية والفقهية والإثنوجرافية والمقابلات، ترسم ممتاز ببراعة تاريخًا آخر للسياسة والقانون والدين والاقتصاد والاستعمار والعلاقة بينها في لبنان والمنطقة. ويسمح لنا ذلك بمقاربة موضوع الأوقاف بشكل جديد، يخرج عن المقاربات المستهلكة في النقاش العام التي لطالما غلّفت الأوقاف في لبنان بهالة جعلت الكثيرين يتكلّمون عنها ويطالبون بإصلاحها، فيما القليل منهم ومنهنّ يفهمها ويعرف تاريخها المعقّد. وبما أنّ كتاب ندى ممتاز يملأ جزءًا كبيرًا من هذا الفراغ، طرحت عليها “المفكرة” عددًا من الأسئلة لعرض بعض إشكاليات هذا العمل البحثي المهمّ على القرّاء.

المفكرة القانونية: لماذا هذا الكتاب عن الأوقاف الإسلامية في بيروت؟

ندى ممتاز: الكتاب صدر قبل حوالي سنتين، بعد بحث امتدّ 15 سنة. في أواسط 2000، قرّرت دراسة الدكتوراه في أميركا بعد إجازة في الهندسة المعمارية. في بيروت في ذلك الوقت، كانت الصحوة الإسلامية في أوجها، وتركّزت الحلقات على الصلاة والصوم والحجاب، أمّا الوقف فكان هامشيًا. ذهبت إلى أميركا وقرأت عن الأوقاف في أحد الصفوف، وكان يهمني موضوع السياسة الاقتصادية في المدينة. وجدت أنّ الأوقاف مبدأ أسمع عنه، ولكنه غامض. حتّى أنني أخبرت جدّتي عن قراءاتي فقالت لي أنه كان لدينا وقف. عندما بدأت بحثي، كانت ردّة فعل الناس “هذا مثير للاهتمام، ولكن شو الأوقاف؟” فكان الوقف موضوعًا يجمع بين كل اهتماماتي. ولقد ركّزت على بيروت، لأنّ بحثي يشمل القرن التاسع عشر، ولم يكن لبنان موجودًا، كما أنّ بيروت صغيرة بحيث يكون بإمكان الباحثة القيام بمسح شبه شامل. وكشخص تهمّه العدالة الاجتماعية، استشعرت بأهمية إضافية لهذا الموضوع.

المفكرة القانونية: يُظهِر الكتاب كيف أنّ الوقف قد تغيّر كثيرًا منذ قرنين في القانون والاقتصاد. ما هي هذه التغيّرات وما أهمّيتها؟

ممتاز: في زمن السلطنة العثمانية، كان الواقف ينقل ملكه لله ويتصدّق بالمنفعة لعائلته أو للفقراء أو للجامع أو غيره. فالوقف عبادة ومعاملة، ولكونه معاملة كان يمكن للمسيحيين القيام بها. في المحكمة الشرعية في بيروت، نصف الأوقاف تقريبًا للمسيحيين، منها للأرثوذوكس وللموارنة، ووقف واحد لليهود. قمتُ بمسح الأوقاف المسجّلة في المحكمة الشرعية في السنوات الثلاثين الأخيرة ولاحظت أوقافًا لا تشبه الأوقاف القديمة كوقف بـ 200 دولار لجمعية للدفاع عن حقوق الإنسان مثلًا. وكنت أتساءل: كيف يكون هذا وقفًا؟ تبيّن لي أنّ مفهوم الوقف قد تغيّر مع الزمن. فكرة الوقف في زمن العثمانيين كانت عملًا فرديًا: أنا أقوم بوقف للتبرّع لجهة خير، أعيّن متولّيًا يدير الوقف، يجبي الإيرادات ويوزّعها بحسب شروطي. وهذه المقاربة تغيّرت كثيرًا في الفترة اللاحقة، عندما حصلت عملية تطييف الوقف الذي أصبح مربوطًا بملكية الطائفة. هذا التغيّر حصل بنظري في أيام الفرنسيين، إذ أصبح للوقف شخصية معنوية، وعرّف المرسوم 753/1920، الذي أصدره الفرنسيون، أنّ الأوقاف بمثابة ملك المسلمين الديني. وهكذا أصبحت الناس تفهم الأوقاف وكأنّها أملاك الطائفة. 

المفكرة القانونية: ما كان دور كلّيات الحقوق الحديثة في هذا التحوّل؟

ممتاز: في زمن العثمانيين كانت الدولة إسلامية. إلّا أنّهم بدأوا يعتمدون ممارسات حكم خاصّة بالدولة الحديثة، مثل الجيوش المنظمة الدائمة، فولدت حاجة كبيرة لتمويل هذا المجهود، فأتت الأوقاف لتمثّل ثروة قابلة للاستغلال. اتّهمت نظارة الأوقاف متولّي بضعة أوقاف غنية بسوء الإدارة، فوضعت يدها عليها، وأصبحت تديرها مباشرة من إسطنبول، مع تعيين مدير أوقاف محلّي في بيروت. هنا بدأ التحوّل بطريقة إدارة الأوقاف، فصارت تجمع إيرادات كلّ الأوقاف وتصرف من دون مراعاة شروط الواقفين، فأصبحت تمثّل ثروة عقارية.

مع إنشاء نظارة الأوقاف، أصبحت الدولة بحاجة إلى مأموري أوقاف يطبّقون قوانين الوقف، فتمّ تدريبهم في كلّيات الحقوق الجديدة التي أنشأها العثمانيّون. ولتدريس فقه الوقف، بدأوا بالتقنين (codification) حسب الرأي الراجح، متأثرين بالفرنسيين وتقنين قانونهم المدني. وكان العثمانيّون قنّنوا جزءًا من الشريعة في المجلّة، ولم يصلوا إلى الوقف. فأصبح الأساتذة في كلّيات الحقوق يلخّصون فقه وقانون الوقف لتعليمهما كما ينشرونها ككتب جامعية. وهذا كان له أثر كبير لأنّه فتح باب نظارة الوقف وقضائه لغير قضاة الشرع.

المفكرة القانونية: تربطين هذا التحوّل في أنظمة الوقف بالفكر العلماني الذي فرضه الاستعمار؟

ممتاز: صحيح، لقد بنيتُ بحثي على فكر باحثين وباحثات عملوا من ضمن الدراسات العلمانية النقدية، تعتبر أنّ الطائفية مظهر من مظاهر العلمانية. إذ أنّ الفكر الذي جعل لبنان دولة طوائف كلّ واحدة منها لها قانون أحوال شخصية وأوقاف، يعتمد على وجود دولة تبعد عن كل الطوائف. الانتداب (منذ المادة 6 من صك الانتداب عام 1922) أتى بهذه الفكرة، ضمن تفويض بعض السيادة لصالح الطوائف، لتشرّع في الأمور التي اعتبرتها الدولة المنتدبة أمورًا خاصًة، علمًا أنّ ما يعتبر خاصًّا أو عامًّا كان يشهد تحوّلًا في هذه الفترة. وهذا التنظيم لم تكن كلّ الطوائف متّفقة عليه. وحتى ضمن الطائفة الواحدة كان هنالك اختلاف. المؤرّخة إليزابيت تومبسون أظهرت أنّ عددًا من المسلمين العلمانيين عارضوا حينذاك العلماء والزعماء، ورفضوا أن يكون لكلّ طائفة قانونها، وطالبوا بقانون موحّد لكلّ لبنان.

المفكرة القانونية: كيف حصل التصادم بين الفكر القانوني الفرنسي أيام الانتداب ومؤسّسة الوقف؟

ممتاز: أتى الانتداب الفرنسي بأفكار مسبقة عن القانون وتقسيماته. أصبح فيليب جيناردي، الذي كان مسؤولًا عن الأمور العقارية أيام الانتداب، يتساءل عن كيفية مقاربة الأوقاف، لأنّها متعلّقة بشقّ منها بالعقارات (قانون مدني) وشقّ آخر بالصدقة والإرث (القانون الطائفي). فكان هناك لغط كبير، بخاصّة أنّ الفرنسيين قد مرّوا بتجربة صعبة في الجزائر، حين اعتبروا الأوقاف أملاكًا عامّة فاستولوا على أراضي الأوقاف، وساهمت الأوقاف في الجهاد ضدّهم. وتعلّم الفرنسيون من هذه التجربة ولم يقوموا بالشيء نفسه في تونس والمغرب. وفي لبنان كذلك، كانوا حريصين جدًا في موضوع الأوقاف، بخاصّة أنّ المسلمين السنّة كانوا ضدّ الانتداب سياسيًا، فحاول الفرنسيون مراعاتهم.

لذلك، القرار الأوّل الذي صدر أيام الفرنسيين عن الأوقاف اتّصل بالرقابة عليها، بمعنى أنّهم حلّوا محلّ نظارة الأوقاف العثمانية.  فقرّر الفرنسيون ممارسة هذه الرقابة ليتأكدوا بأنفسهم أنّه يتم تطبيق الشريعة في مجال الأوقاف، ما يجعلهم يتدخّلون في الخصوصيّات الطائفية. وكانت هذه المقاربة التدخليّة مناسبة لهم، لأنهم كانوا ينظرون إلى الأوقاف كثروة عقاريّة كبيرة يجب تنميتها (وهذه المقاربة التنموية هي عنصر أساسي أتى به الفكر التحديثي في آخر أيام السلطنة وفي ظلّ الانتداب). فأصبحت مراقبة الأوقاف والقرارات المتعلقة بها عائدة لسلطة المفوض السامي فعليًا، مثل سنّ القوانين والتصرّف بالأموال. لذلك تطوّر حراكٌ قويّ جدًا في وجه الفرنسيين في فترة العشرينيات، ما جعلهم يتراجعون عن هذا التدخّل، فأنشأوا ما أصبح يسمّى اليوم “المجلس الشرعي الأعلى” وهيئته الانتخابية، لينتخب المسلمون الأشخاص الذين سيشرّعون في مسائل الوقف.

المفكرة القانونية: في هذه الفترة، تُظهرين كيف تطوّرت مقاربة الوقف كمحاولة للتهرّب من المصلحة العامّة نحو المصلحة الخاصّة، بشكل مرتبط بما بات يُعرف بالفساد.

ممتاز: أصبحت فكرة “التهرّب” عبر الوقف هذه موضع نقاش في العالم الإسلامي عامةً، لأنّ لها علاقة بفكرة الحدود بين العام والخاص (الهروب من “المصلحة العامّة” الحديثة للمصالح الخاصّة التي بدأت تُصوَّر كرجعية). صار الشخص الذي يعطي منافع لعائلته فيما أصبح يعرف بالقطاع العام يمارس الفساد (nepotism). علمًا أنّه كان يُعتبر قبل ذلك أنّ الاهتمام بالعائلة وبخاصّة الفقراء فيها هو أفضل من التبرّع بالمال “للأجانب”. والجدير بالذكر أنّ الفقه يحرّم المحاباة (تخصيص شخص بمعاملة بقصد منفعته) ولكن المحاباة غير الـ nepotism، لأنّ المحاباة لا تخضع لتحوّلات حدود العام والخاص الحديثة. إنّني بالتأكيد لا أريد أن أقول إنّه على النافذين توريث أبنائهم (مع أنه إذا نظرنا إلى الولايات المتحدة مثلًا، نلاحظ توارث السلطة). لكننا أصبحنا نركّز كثيرًا على فكرة الفساد (منفعة الأقارب والزبائن)، بغضّ النظر عن العوامل البنيوية. فالفساد موجود دائمًا، لذلك من الأفضل التفكير في كيفية توزيع الثروة. فيمكن أن يكون لدينا نيوليبرالية مقرفة تعزّز اللامساواة، ولكن لا يوجد فيها فساد، فماذا استفدنا؟ لهذا حاولت التركيز على أنّ فكرة الفساد ليست الأهم.

المفكرة القانونية: ما كان أثر إخضاع الوقف لهيكلية دولة الطوائف؟  

ممتاز: عندما أُنشئتْ نظارة أوقاف العثمانيين، كانت الأوقاف تعامل معاملة أملاك الدولة. عندما أتى الفرنسيون، تابعوا عملية الرقابة عبر مديرية الأوقاف، إلّا أنّ إنشاء الوقف وبعض الأمور الأخرى بقي من صلاحية المحاكم الشرعية. ولكن إذا كان هناك دعاوى لها علاقة بحقوق الاستغلال مثلًا، كانت المحاكم المدنية هي المختصّة. فأصبح هناك سلطات عديدة لها صلاحية على الوقف، ما يسمح للناس باستغلال هذا الغموض. أحد الأشخاص الذين قابلتُهم قال لي إنّ هناك ضبابية حول الوقف، وهذا صحيح لأنّ مفهوم الوقف لا يدخل في الهيكلية القانونية الفرنسية، فأصبح مقسّمًا وتطبّق قوانين عدّة عليه، حتى أنّ بعض هذه القوانين متضاربة. حتى الأشخاص الذين ينشئون الأوقاف، يحاولون استغلال الضبابية ويذهبون إلى السلطة التي تناسبهم. ويوجد هذا التعدّد داخل المؤسسة الواحدة أيضًا، في توجّهات قضاة المحكمة الشرعية مثلًا: إذا أردت أن تعمل وقف نقود مثلًا، بعض القضاة يرفضون ذلك، ولكن قضاة آخرين يقبلون، فتلجأ اليهم.

المفكرة القانونية: كيف وصلنا إذا إلى قانون الأوقاف لسنة 1947، أي بعد الاستقلال؟

ممتاز: أيام الفرنسيين، كان المسلمون “التقدميّون” في موقف حرج، فهم يريدون تحرير الوقف إذ يعتبرونه يعيق الحركة العقارية، أو يعتبرون الوقف الذرّي بدعة، لا بل تهرّبًا من الفرائض (الإرث). لكن لم يكن لديهم مجال للقيام بذلك، لأنّ الفرنسيين أيضًا يريدون هذه التحديثات. الفرنسيون كانوا أذكياء لأنّهم قالوا إنّهم يريدون إلغاء الوقف الذري، ولكن حاولوا القيام بذلك عبر علماء مسلمين يتّفقون معهم على هذا، إلّا أنّهم لم يستطيعوا تمرير هكذا قانون بسبب معارضة الكثير من المسلمين الانتداب. إلّا أنّ هذا التشريع مرّ بعد رحيلهم، الذي سمح للمسلمين “التقدميين” بالعمل من دون تهمة الخيانة. وقد أدّى ذلك إلى جدال داخل الطائفة، لكن المسلمين التقدميين كانوا هم الأقوى في تلك الفترة، واستطاعوا إصدار القانون في العام 1947 الذي حدّ من إمكانية إنشاء الوقف الذرّي، فيعود الوقف بعد الجيل الثاني ملكًا خاصًا، وهذا ما زال ساريًا اليوم. أما الوقف الخيري، فكان الفرنسيون يعتبرون أنّه يساعدهم، لأنّه يؤمّن الطبابة والتعليم للكثيرين، فيخفّف عن كاهل الدولة.

المفكرة القانونية: بعكس الاتجاه إلى إنشاء جمعيات في لبنان اليوم، أنت تتكلمين عن موجة أخرى لإنشاء أوقاف هروبًا من سلطة وزارة الداخلية. هل تشرحين لنا هذه النقطة؟

ممتاز: من أهمّ استحداثات الفرنسيين هو أنّ الوقف أصبح يتمتّع بشخصية معنوية، إذ يمكن للوقف أن يملك عقارًا أو يفتح حسابًا مصرفيًا، فأصبح الوقف يشبه الجمعية، ولكنّه يتبّع للمحاكم الشرعية / مديرية الأوقاف. وهكذا شرع البعض لإنشاء الأوقاف بدل الجمعيات التابعة لوزارة الداخلية، لتفاديها. سأعطي مثلًا: الجامعة العربية في بيروت تحوّلت من جمعية إلى وقف وقت الاحتلال الإسرائيلي، لأنّ المسؤولين فيها خافوا من أن تحلّ إسرائيل كل المؤسسات الإسلامية الخيرية، فأنشأوا وقف البرّ والإحسان لأنّ حلّ الوقف يعود إلى المحاكم الشرعية. وما يثير الاهتمام هنا هو أثر عالم الجمعيات على الوقف، إذ أصبح لديهم مجلس لإدارة الوقف مثلًا، بدل المتولّي الواحد (كما هي حال التنظيم تقليديًا). لكن هذا لا يحمي الأوقاف – الجمعيات من التدخل. فمثلًا منذ بضعة أسابيع، عزل القاضي الشرعي مجلس الأمناء هذا بتهمة خيانة الوقف لأنّهم باعوا أراضي الأوقاف (ثم عاد عن قراره بعد أن قدّم المجلس تبريرات معيّنة). في جميع الأحوال، إنّ إنشاء الأوقاف بدل الجمعيات هو أيضًا طريقة للجوء إلى الطائفة إذ يعتبر السلطة داخلها “في عليها مونة”، بينما لا يعرف أحد من سيكون في وزارة الداخلية لاحقًا.

المفكرة القانونية: تروين في الكتاب أهمية مسألة الأوقاف خلال الصراع حول إعادة إعمار الوسط التجاري في التسعينيات…

ممتاز: هيكو شميت درس أوقاف الوسط، وهو يتكلّم كيف أنّ الرئيس الحريري لم يعتمد سياسة واحدة تجاه الأوقاف، بل فرّق بين الطوائف، واتفق مع كلّ واحدة على حدة. أوقاف الطوائف المسيحية قاربها مثلًا من جهة متعهّدين “مسيحيين” تكفّلوا بعد حصولهم على تعهّدات بـ “التكلّم” مع رؤساء الطوائف ليقبلوا بما تعرضه سوليدير. كما أنّ الوسط التجاري قديم، وفيه أوقاف كثيرة، سهم أو سهمان أحيانًا. فتح الفرنسيون المجال لاستبدال الأوقاف، ليحاولوا التخفيف من عددها (وحتى عندما قاموا بمسح الأراضي وأسسوا السجل العقاري، نجح العديد من الناس في تسجيل أوقاف كملك خاص). سوليدير كانت تريد استملاك كل العقارات، غير أنّ الأوقاف لا تستملك إلّا عن طريق استبدالها وقفًا وقفًا. ولكن مديرية الأوقاف/المفتي آنذاك، وهذا كان اتفاقًا سياسيًا، قَبِل باستبدال الأوقاف بأسهم سوليدير. وإذ واجه المفتي اعتراضات عديدة وقتها ضدّ “بيع” أوقاف المسلمين، عمدت مديرية الأوقاف إلى إبرام اتفاقات عدّة مع سوليدير، استردّت بموجبها ملكية بضعة أبنية، علمًا أنّ سوليدير تعهّدت بترميم بعضها. ولكن في المقابل تخلّت المديرية عن عقارات ومبانٍ أخرى في الوسط.

ولكن المهم أنّ الناس استطاعت استعمال الفكرة القديمة بأنّ الوقف أبدي ولا يستبدل ولا يباع ولا يشترى لمقاومة المشروع الأساسي آنذاك، مع أنّ القانون الوضعي اللبناني يسمح بذلك. ولكن فكرة الوقف، بالمفهوم القديم، كانت أقوى من القانون، إذ أنّ لها جانبًا عاطفيًا أيضًا. وهذا يظهر أنّ الدولة الحديثة لم تمح الماضي، هناك أفكار قديمة عن الوقف تتوارث في العائلات، أفكار متجسّمة في المباني والأشخاص، ما يدلّ على ديمومة الوقف. بعض الأوقاف هي هنا منذ مئات السنوات، وما زالت موجودة.

المفكرة القانونية: هل هو ضروري اليوم فرض الضرائب على الأوقاف؟

ممتاز: هذا سؤال صعب لأنّ فيه جزء سياسي. من المهم أن نعرف أنّ الأوقاف السنّية كان لها علاقة خاصّة بالدولة أيام العثمانيين، ووضعها كان يختلف عن الطوائف الأخرى، لأنّه الإسلام كان أصلًا (والحنفية بالأخص) دين الدولة. لذلك أصبح لدى أوقاف نظارة الأوقاف إعفاءات ضريبية كونها تابعة للدولة. وحتى التسعينيات، كانت المطالبات تتركّز على سحب هذا الامتياز الضريبي من الطائفة السنّية. إلّا أنّ الوضع تغيّر بعد الحرب، فأصبحت كلّ الطوائف تريد الامتياز نفسه، وصدر قانون بهذا الاتجاه.

يتساءل الناس لماذا إعفاء الأوقاف؟ طبعًا هذا التخصيص متعلّق بالطائفية، فيعتبر البعض أنّه بدلًا من أن تؤمّن الدولة الطبابة والتعليم، تأتي الطوائف وتؤمّنها، ما يرسّخ الزبائنية. من ناحية هذا صحيح، ولكن نحن عالقون في دوّامة أوّلها هو عجز الدولة عن تأمين التعليم… في هذه المقاربة هناك دولة الرعاية من جهة والطوائف من جهة أخرى، كما لو كان هذان أمران مختلفان ولا يمكن أن يلتقيا. كأنّما الدولة ستضمن دائمًا المصلحة العامّة، والطوائف من جهة أخرى تضمن دائمًا شيئًا آخر معاكسًا. ولكن علينا أن نعلم أنّ الكثير من إيرادات الأوقاف تذهب للتعليم الديني بالمدارس الرسمية مثلًا، ما يظهر أن هناك ترابطًا.

المفكرة القانونية: هل يعني ذلك أنّ الأوقاف التي تدار فرديًا لم تعد موجودة اليوم في بيروت؟

ممتاز: تُدار أوقاف المديرية كثروة عقارية مجملة فتأخذ إيراداتها وتوضع في صندوق المديرية وتصرف حسب موازنتها. وتؤدّي مديرية الأوقاف دور المتولّي على ثلاثة أرباع الأوقاف اليوم، إن لم نقل أكثر. الأوقاف التي تُدار الآن من قبل أشخاص وجمعيات قليلة. تعاظم تاريخيًا دور المديرية، منذ أيام العثمانيين. كما أنّه إذا لم يعد لوقف ما مستحقون، أو إذا اختلف المستحقون بين بعضهم البعض أو مع المتولّي على الوقف، بإمكان مديرية الأوقاف أن تضع يدها على الوقف.

المفكرة القانونية: إنّ هذا الوضع يعطي سلطة كبيرة لمديرية الأوقاف…

ممتاز: هناك تصوّر بأنّ الوقف صندوق ثروات. إنّ أوقاف السنّة في بيروت اليوم حجمها محدود (بسبب قوانين استبدال وحلّ الأوقاف وتحوّل الأراضي في العاصمة لتصبح استثمارًا تجاريًا وماليًا)، ولكنّ عددها في طرابلس والمناطق أكثر بكثير. والمديريات المحلية تقوم اليوم بمشاريع ومزارع وسكن. الكنيسة المارونية في كسروان وجبل لبنان لديها الكثير من الأملاك، يقال إنّ 40% من الأراضي في هذه المناطق تابعة للكنيسة. الباحث – المهندس باتريك أسعد قام بدراسة حول الأوقاف المسيحية، ووجد أنّها تستخدم لمنافع عامّة أحيانًا (مستشفى، حديقة عامة، سوق خضار) ولتأمين مشاريع سكنية للمسيحيين فقط أحيانًا أخرى. بالنسبة لي، أهم من الضريبة على الأوقاف، هو موضوع المحاسبة: يجب نشر تقارير سنوية، والأملاك والإيرادات وكيفية صرف الأموال. هذا المطلب يجب أن يصدر من داخل كل طائفة قبل أي مكان آخر.

المفكرة القانونية: هل نتّجه اليوم إذًا إلى محاسبة من داخل الطوائف؟

ممتاز: صحيح، ليس ضروريًا أن يكون المطلب الأساسي الآن أن تنظّم الدولة قطاع الأوقاف. ففي النهاية ليس للدولة رقابة تُذكر على الأوقاف (تمّ وضع نظام مفتشية للأوقاف عام 1982، أي بعد ستين عامًا تقريبًا على إنشاء مديرية الأوقاف، وأصبح هناك مفتش يعيّنه المفتي، وبقي المنصب شاغرًا عشرات السنين). شهدنا في القرن الأخير عملية تطييف للأوقاف (sectarianization)، فوُضِعت مصلحة الطائفة في الواجهة مكان مصلحة المسلمين أو المصلحة العامّة التي أصبحت مرتبطة بالدولة. في القرن التاسع عشر، كنا نرى أوقافًا لمصلحة “فقراء بيروت” مثلًا، بغضّ النظر عن دينهم.

وعلينا التركيز هنا على نقطة مهمة: فمهما كانت وجهة استعمال أموال الأوقاف، فرديًا أو جماعيًا في الطائفة، تبقى الفكرة بحدّ ذاتها مبنيّة على التبرّع، وليس على الحقوق. من المؤكّد هنا أنّ الحلّ الأساسي يكمن في مشروع بناء دولة تمنح تقديمات مبنية على حقوق، وليس في مشروع تقدّم فيه الطوائف الحلول للمشاكل. إلّا أنّ الحلّ لا نجده أيضًا عبر شيطنة الطوائف. لا يمكن التخلّي في الوضع الحالي عمّا تقدّمه بعض المؤسّسات الدينية التي لا تلتحق دائمًا بالطائفية السياسية. علينا المطالبة بالمراقبة الفعلية والمحاسبة. علينا الخروج من معادلة “الدولة أو الطائفة”.

نشر هذا المقال في العدد 69 من مجلة المفكرة القانونية-لبنان

لقراءة العدد كاملا اضغط هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، مجلة لبنان ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية