“الشورى” يُفرج عن النظام الداخلي لهيئة مكافحة الفساد: حان وقت العمل؟


2024-01-22    |   

“الشورى” يُفرج عن النظام الداخلي لهيئة مكافحة الفساد: حان وقت العمل؟
رسم رائد شرف

بعد انتظار طويل، وافق مجلس شورى الدولة على النظام الداخلي لهيئة مكافحة الفساد. إذ علمت “المفكرة القانونية” أن الموافقة وصلت، بالفعل، إلى الهيئة، في 4 كانون الثاني الحالي. بعد ذلك عمدت الهيئة إلى مراجعة النظام على أن تُقرّه رسمياً هذا الأسبوع وتنشره على موقعها الإلكتروني. وكانت الهيئة قد أحالتْ النظام الداخلي المتضمن نظامها المالي وهيكليتها وملاكها إلى “الشورى” لأخذ موافقته، في 7 نيسان 2022، إلا أن هذه الموافقة لم تأت إلا بعد سنة و7 أشهر، تخللها الكثير من المفاوضات والنقاشات والخلافات، التي شارك فيها كل من وزارة المالية ومجلس الخدمة المدنية. فالـ”الشورى” بعد تسمله النظام الداخلي، طلب من الهيئة مشاركته مع “مجلس الخدمة المدنيّة” ومع “المالية” لمراجعته، على اعتبار أن التوظيف والمباريات يفترض أن تتمّ عبر مجلس الخدمة المدنية، فيما وزارة الماليّة معنية بالنظام المالي، بخاصّة أن موازنة الهيئة تحدّد في الموازنة العامة. 

تشير مصادر مطّلعة إلى أن الموافقة على النظام ارتبطت بشبه تسوية بين الهيئة والمجلس بشأن النقاط الخلافية، التي تعود، كما يصفها النائب السابق غسان مخيبر، إلى “الخطيئة الأصليّة” التي اقترفها مجلس النواب، بالموافقة على إخضاع عملية التوظيف في الهيئة إلى قانون الوظيفة العامة بعدما كانت خاضعة لقانون العمل. علماً أن هذا التعديل كان أحد مطالب رئيس الجمهورية الذي ردّ القانون، وهو من التعديلات القليلة التي كان طلبها وتبنّاها المجلس آنذاك. 

إلا أن أحد أعضاء الهيئة (طلب عدم ذكر اسمه) أكد للمفكرة أن النتيجة جيدة، حيث انطلق النقاش في الأساس من الحرص على استقلالية الهيئة وعدم تفريغ الدور المنوط بها. وهو ما أبدى مجلس الشورى حرصه عليه أيضاً، لكن مع مراعاة الملاحظات التي وردت من وزارة المال ومجلس الخدمة المدنية. علماً أن الهيئة صارت بمجرد تعديل نظام التوظيف فيها، خاضعة منذ تعيين أعضائها في 28 كانون الثاني 2022 للآلية المتبعة في مجلس الخدمة المدنية وخاضعة لقانون المحاسبة العمومية، وخاضعة بالتالي للرقابة اللاحقة لديوان المحاسبة. 

تسوية لا تمس باستقلالية الهيئة

بدا جلياً أنه بمجرد إعطاء القانون صلاحية الموافقة على النظام الداخلي لـ”الشورى”، فهو مهد عملياً للتفاوض بشأنه. وهي موافقة كانت عند معدّي القانون مطلباً أساسياً، بوصفها بديلاً عن موافقة مجلس الوزراء، بما يضمن استقلالية الهيئة عن السلطة التنفيذية، وإبعادها عن التجاذبات السياسية، من دون أن يعني ذلك تحرّرها من أي ضوابط.

وعليه، كان الخلاف الأول والفعلي بين الهيئة و”الشورى” يتعلق بفكرة تحويل النظام الداخلي إلى جهات غير مذكورة في القانون. إذ تشير المادة التاسعة منه إلى أن الهيئة تضع نظامًا داخليًا يتضمن القواعد والأصول التفصيلية التي ترعى تنظيمها وسير العمل لديها وإدارتها المالية… “بموجب قرار تنظيمي يصدر عن الهيئة بغالبية ثلثيْ الأعضاء الذين يحقّ لهم التصويت وبعد موافقة مجلس شورى الدولة”. 

أي أن القانون يشير بالاسم إلى مجلس الشورى فقط، إلا أن المجلس ارتأى وجوب استشارة مجلس الخدمة ووزارة المالية للأسباب المشار إليها سابقاً. وهذا الأمر استهلك وقتاً طويلاً، إما لأسباب تتعلّق بتداعيات الأزمة التي أدّت إلى تفريغ الإدارات وإما تتعلق بخلافات على اقتراحات التعديل. إذ أنّ مجلس الخدمة قدّم ملاحظات كثيرة على النظام، تبنّاها “الشورى” جميعها، وتشمل مسألة التنظيم الإداري وصلاحيات الأمين العام ضمن الهيئة والجهاز الإداري. فالمجلس اعتبر أنّ صلاحياته يجب أن تكون مشابهة لصلاحيات مدير عام في الإدارة. وهو ما رفضته الهيئة، معتبرة أنه ينبغي أن يكون الأمين العام أشبه بمساعد للمجلس، انطلاقاً من أن الهيئة لا تشبه الإدارات والمؤسسات العامة لا في تشكيلها ولا في إدارتها. فهي مشكّلة بقانون خاص يضمن استقلاليتها، ولا يمكن أن تكون هيكليتها شبيهة بهيكلية وزارة. وهو ما عاد واقتنع به مجلس الشورى. كما تم الاتفاق على أنه بالرغم من إجراء المباريات بإشراف مجلس الخدمة، إلا أن قرار التوظيف سيكون من صلاحية الهيئة.

أشهر طويلة قضاها النظام عالقاً في الخدمة المدنية لكنه قضى أكثر منها في وزارة المالية. فإضافة إلى الروتين الإداري وتغيّب أغلب الموظفين خلال الفترة الماضية، وصل الأمر إلى حدّ فقدان الملف في الوزارة، قبل أن يُطلب مجدداً من الهيئة. أما في المضمون فتركّز الخلاف على النظام المالي، ومن ضمنه مسألة الهبات وموازنة الهيئة. وقد تمّ الاتفاق على أنّ تعامل الهبات التي تحصل عليها الهيئة معاملة الهبات الأخرى المشمولة في النظام العام، بحيث يجب أن تحصل على موافقة مجلس الوزراء. إلا أن هذا الأمر لا ينطبق على الهبات العينية التي لولاها لما تمكّن مجلس الإدارة من عقد اجتماع حتى. فالمبنى الذي وضع بتصرف الهيئة (وزارة الثقافة سابقاً) لم يكن مؤهلاً. وقد تم تجهيزه ووضع نظام طاقة شمسية إضافة إلى مولد، بهبات من الأمم المتحدة (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

أما بشأن الموازنة، فقد تم تأكيد استقلالية الهيئة في الموازنة العامة، حيث استحدث لها فصل خاص في باب “الهيئات الوطنية المستقلة”، الذي يضمها إلى جانب “الھيئة الوطنية لحقوق الانسان” فقط. علماً أن موازنة الهيئة للعام 2024 تبلغ 66.444 مليار ليرة، بعدما كانت موازنة السنة الأولى المحددة في قانون إنشائها 10 مليار ليرة (انخفضت قيمتها بين إقرار القانون وتعيين مجلس إدارة الهيئة)، ولم تحصل عليها كاملة إلا مؤخراً.

بدء مرحلة التوظيف

بالنتيجة، اقتصر عمل الهيئة في الفترة الممتدة بين تعيينها في 28 كانون الثاني 2022 والموافقة على النظام الداخلي، على استلام تصاريح الذمم المالية وعلى “نشر ثقافة النزاهة” في الإدارات العامة والمجتمع. كما تمكّنت من التعامل مع بعض الشكاوى المتعلقة بتنفيذ قانون حقّ الوصول للمعلومات (أناط القانون بالهيئة صلاحية حصرية للنظر في قرارات رفض الاستجابة لطلبات الوصول للمعلومات). لكن في المقابل، اضطرّ أعضاؤها إلى التغاضي عن وظائف أساسية لها لعدم وجود قدرة على تنفيذها بغياب التوظيف، أبرزها الوظائف الآتية: 

  • الاستقصاء والتحرّي عن جرائم الفساد، عفواً أو بناءً على ما تتلقّاه من كشوفات، مهما كانت أهميّة مواقع المعنيين بها في الدولة. 
  • حماية كاشفي الفساد وتحفيزهم وفق أحكام قانون حماية كاشفي الفساد (تصدر قرارات حماية كما يمكنها مكافأة كاشفي الفساد مادياً).
  • تلقي الإخبارات والكشوفات عن الفساد وحماية سريتها.
  • مكافحة تبييض الأموال، حيث يحق لها التحرك من تلقاء ذاتها، ويحق لها أن تطلب من هيئة التحقيق الخاصة اتخاذ الإجراءات الاحترازية بما فيها تجميد حساب أو حسابات المشكو منه. 
  • بحسب تعديلات قانون السرية المصرفية، صار يحق للهيئة طلب رفع السرية مباشرة ومن دون المرور بهيئة التحقيق الخاصة، كما كان يشير قانون “إنشاء هيئة مكافحة الفساد”.

إقرار النظام الداخلي هو خطوة أساسية في إطار عمل الهيئة لكنه لا يعني القدرة على مباشرة تنفيذ مهامها، فهذا مسار يحتاج إلى وقتٍ ليس بقصير. لكن الخطوة الأولى المتوقعة بعد إقرار النّظام ستكون بدء التواصل مع مجلس الخدمة المدنية للتحضير لتوظيف عدد من الأشخاص، يُقدّر في المرحلة الأولى بـ30 شخصاً (تْقدّر الهيئة ملاكها الإداري بـ80 موظفاً)، في مقدّمهم الأمين العام للهيئة. 

زحمة في الهيئة

الداخل إلى مبنى الهيئة أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، قد يفاجأ بأعداد مقدمي تصاريح الذمم المالية. عشرات وربما مئات المتقدمين يصلون يومياً إلى مركز الهيئة لتقديم التصريح الدوري. إذ أن قانون الإثراء غير المشروع (رقم 189 تاريخ 16 تشرين الأول 2020) يفرض على كل العاملين في الشأن العام التصريح عن الذمة المالية بعد التعيين أو الانتخاب، وكل ثلاث سنوات، وبعد التقاعد أو الاستقالة. وعليه، فإن هذه السنة يكون قد مرّ 3 سنوات على التصريح الأول، الذي تلا إقرار قانون الاثراء غير المشروع (22/10/2020)، ما يفرض على الجميع تقديم التصريح مجدداً. وفي هذا الإطار ونظراً للعدد الضخم من المتقدّمين، وفي ظل وجود 3 موظفين فقط في الهيئة، تمّ نقلهم من وزارة المهجرين، يساهم عدد من المتطوعين، من خلال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في مساعدة الهيئة لتلقّي هذه الطلبات وتسجيلها. ونظراً لعدم وجود مكان لحفظ هذه الملفات، يتمّ حفظها مؤقّتاً في خزنة في مصرف لبنان. قبل ذلك كانت الهيئة تكتفي باستقبال طلبات المستقلين أو المحالين إلى التقاعد أو النواب المنتهية ولايتهم، إذ أن الانتخابات النيابية أجريت بعد تشكيل الهيئة، وهي في تقريرها السنوي أوضحت أن عدد المصرّحين بلغ 194 شخصًا يتوزعون وفقا للتالي: رئيس سابق للجمهورية، 51 نائبا سابقا، 128 نائبا حاليا، 14 موظفا. 

تجدر الإشارة إلى أنّ اللوائح التي حصلت عليها الهيئة من وزارة المالية تقدر عدد الخاضعين لموجب التصريح ب 180ألف شخص. وفيما لم تدقق الهيئة بأي من التصاريح التي وصلتها سابقاً، إلا أن مصادرها تؤكد أنها في المرحلة المقبلة لديها خطة للكشف على تصاريح عدد من الموظفين الذين ينتمون إلى إدارات ومؤسسات كانت في الفترة الماضية محل تحقيق في قضايا فساد. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، الحق في الوصول إلى المعلومات ، لبنان ، مقالات ، دستور وانتخابات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية