السّكن في سياق الأزمات المتتالية: تسليع الأرض وتغييب تام للحق في السّكن


2021-02-01    |   

السّكن في سياق الأزمات المتتالية: تسليع الأرض وتغييب تام للحق في السّكن
مسيرة عن أولوية السكن في ظل الأزمات (استوديو أشغال عامة)

“أخذت قرضاً مدعوماً من المؤسّسة العامّة للإسكان في عام 2009، بقيمة 102 مليون ليرة لبنانية لشقّة مساحتها 160 متراً2 في منطقة البدّاوي في طرابلس. كان دخلي حينها مليون ومئتي ألف ليرة والدفعة الشهرية 658 ألف ليرة. كانت تطلع روحي ألف مرّة لأستطيع تأمين القسط. اليوم، أصبحت عاطلاً عن العمل ولا أجد أيّ فرصة وأنا غير قادر حتى على تأمين قوت العائلة اليومي”.‬‬‬‬‬

“لديّ ثلاثة أولاد وزوجتي صُرفت من العمل قبل أكثر من ستّة أشهر، أمّا أنا فأتقاضى نصف راتب حالياً لا يغطّي ثلثَي كمبيالة القرض. وأنا معيل لوالدي ووالدتي اللذين يعانيان من أمراض مزمنة وسرطان حيث أنّي أتكلّف مبالغ طائلة لعلاجهما، وأختي مطلّقة وتقطن في بيت العائلة وأنا أعيلها وولدها. أنا ومن أعيل الآن معرّضون للتشرّد وأصبحنا ما دون الفقر”.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

“كنت أعمل أنا وزوجتي. وقبل أربع سنوات أصيبت بعارض صحي وتوقّفت عن العمل. طلبت من المصرف عدّة مرات أن تُراعى ظروفي لأنني لست قادراً على التسديد لأنّ راتبي لا يكفي. فرفض وقال إنّ لا علاقة له بالأمر. لم أستطع تسديد آخر ثلاث دفعات. فطلب منّي المصرف تجهيز نفسي لأنّه سيأخذ المنزل منّي. قلت لهم: عندي أولاد وأنتم تعرفون وضع البلد. أجاب المصرف: ما ذنبنا، دبّرهن. من وين بدبرهم؟”

‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

هذه عيّنة من شهادات من بين مئات الأشخاص غير القادرين على استكمال دفعات قروض تملّك منازلهم منذ العام 2019 أو حتى قبل ذلك، أي منذ بداية الأزمة الاقتصادية. فالنظام الاقتصادي اللبناني يرتبط بشكل وثيق بسياسات الإسكان التي سُخِّرت لإنعاش الاقتصاد الريعي بدلاً من تعزيز الحقّ في السّكن، كما بات واضحاً[1]. يُشكّل هذا التوجّه انتهاكاً فاضحاً للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمصدر الأساسي لإنتاج عدم المساواة. فكما تشير إليه الشهادات التي نستهلّ بها هذه المقالة، فإنّ أصحاب الدّخل الأدنى هم الأكثر عرضةً للتعثّر في دفعات قروض تملّك المنزل بالرّغم من صغر حجم قروضهم وشرائهم المساكن الأرخص ثمنًاً في المناطق الأفقر. ويعود ذلك إلى أنّهم ينفقون جزءاً أكبر من مداخيلهم الشهرية لإيفاء أقساط القروض، مقارنةً بالمقترِضين ذوي الدخل الأعلى. إذاً، يزداد عبء القرض مع تدنّي قيمته، نظراً لتدنّي قيمة دخل المُقترِض أساساً، ويزيد من ضعف فئةٍ كانت في الأساس أكثر هشاشة[2]. وما يزيد الأمر سوءاً هو غياب الخيارات المتاحة للوصول إلى سكن آمن ومُستدام لذوي الدّخل المحدود والمتوسّط خارج السّعي للحصول على قرض إسكان. فقد تمّت محاصرة الإيجار كنظام اجتماعيّ يُنتج العدالة في السّكن وفي تنظيم الملكيّة. كمّا قوّضت الطبقة الحاكمة أدوات التنظيم المدني والبرامج التي تساهم في إنتاج السّكن المتناسب مع قدرات الناس وحاجاتهم، وطوّقت إمكانيات تطوير طرق جماعيّة في السّكن تتخطّى نموذج الملكية الخاصّة وأحادية التملّك، كالتعاونيّات السّكنية. فمنذ التسعينيّات، اعتمدت الحكومات المتتالية القروض السّكنية كتوجّه أحادي، رُوّج لها كاستجابة للحاجات السّكنية المتفاقمة، إلّا أنّها بالفعل ترافقت مع الأهداف المالية تعزيزاً للقطاع المصرفي والعقاري، وذلك على حساب الحق في السّكن.‬‬‬‬‬

يقبع في صميم هذا التوجّه اعتبار الأرض سلعة يمكن إعادة إنتاجها مرّات عدّة من خلال المضاربة العقارية، بدلاً من تحديد قيمة الأرض الاجتماعية والاقتصادية من خلال الاستخدام أوّلاً. وقد سمح تسليع الأرض بأموَلَتها وسلبها وظيفتها الاجتماعية، ممّا ينتج مدناً تتّسم بأحياء منعزلة بعضها عن البعض، ومخزوناً سكنياً إمّا شاغراً، أو باهظ الكلفة أو سيئاً، وعمليات تهجير وتشريد، وقلق مستمر من فقدان أمان السّكن أحد أهمّ ركائز بناء المجتمعات الحديثة.

ولكن كيف استطاعت السياسات تجريد الأرض من وظيفتها الاجتماعية وتغييب حقّ السّكن عن أولويةّ النقاش العام؟ وكيف يسكن معظم سكّان المدن اللبنانية في ظلّ هذه الانتهاكات ومع تراكم الأزمات، الاقتصادية، الصحّية والأمنية؟ وما هي التدخّلات المطلوبة من الدولة اليوم؟

 

أزمة السّكن تاريخية

ذهبت تدخّلات الدولة في مجال السّكن في ثلاثة اتّجاهات ارتبطت بثلاث مراحل زمنيّة نستخلصها من تحليل كافّة التشريعات المتعلّقة بالسّكن الصّادرة منذ عام 1943 حتى اليوم، وذلك بناء على علاقتها مع التطوّرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شهدها لبنان.

مرحلة أولى: 1943 – 1962 قوانين متفرّقة لضبط الإيجارات أو ردة فعل على كوارث

في هذه المرحلة، شهدتْ بيروت نموّاً هائلاً نتيجة لسلسلةٍ من التطوّرات التي شهدتها المنطقة في أواخر الأربعينيّات وأوائل الخمسينيّات: كالتراكم المتسارع لرأس المال خلال الحرب العالمية الثانية، وتدفّق رؤوس الأموال من فلسطين ومصر وسوريا والخليج العربي بسبب الاحتلال والتأميم، والاستثمار المتسارع للحقول النفطية العربية. ومع تمركز النشاط الاقتصادي في العاصمة، نزح عدد كبير من سكان الأرياف إلى المدن. وكان الإيجار وسيلة أساسية للوصول إلى السّكن، حيث لم يكن التملّك رائجاً. تمثّلتْ تشريعات هذه المرحلة في ردود أفعال على زلازل وفيضانات وفي قوانين هدفت لضبط الإيجار، لكنها لم تتطرّق إلى سياسات سكنية أشمل، تحاكي حاجات الناس المتنوّعة وتنظّم توسّع المدن بطرق دامجة. وعليه، بدا في الكثير من الأحيان أنّ الحل الوحيد المتاح لسكن الفئات من ذوي الدّخل المتدنّي يتمثل في اللجوء إلى البناء أو الاستئجار أو التملّك بشكل غير رسمي في عقارات إمّا عامّة أو خاصّة لا تعود إليهم في السجلّات الرسمية. فانتشرت في هذه المرحلة المناطق غير الرسمية في كافة المدن اللبنانية، أبرزها بيروت وطرابلس وصور وصيدا.

 

مرحلة ثانية: 1962 – 1992 سياسة سكنية هامشية

خلال “المرحلة الشهابيّة” اعتمدت السلطات سياسةً جديدةً قامت على تقوية دور الدولة المركزية وتعزيز مؤسّساتها. فنُظّمت المؤسّسات الرسمية الموجودة وأُنشئت مؤسّسات جديدة. قامت الدولة بإنشاء مؤسّسات إسكانية الواحدة تلو الأخرى – أبرزها وزارة الإسكان والبلديات في العام 1973 (التي أُلغيت لاحقاً في 2000) – أعطتها بعض الأدوار في سبيل تأمين المسكن لبعض الشرائح غير الميسورة، لكن في غياب أيّ رؤية شاملة ومتكاملة لتحقيق الوصول إلى سكن لائق للجميع. في الواقع، بين 1950 و1975، ارتفع عدد سكان بيروت من 300 ألف نسمة إلى 1.2 مليون نسمة، وتفاقمت هذه الأرقام لاحقاً مع الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان وبالتالي نزوح السكّان إلى بيروت وضواحيها. وقد أسهم غياب سياسة وطنية للأرض المتاحة بأسعار معقولة في توسّع المناطق غير الرسمية لا سيّما في بيروت. وأدّى تفكّك الدولة المركزية وإضعافها خلال سنوات الحرب الأهلية إلى انهيار شبه نهائي لمؤسّسات الدولة، ومن ضمنها تلك المعنيّة بالسّكن. وهذا الأمر تمّ استغلاله مباشرة بعد الحرب لتقوية مصالح القطاع الخاص على حساب المصلحة العامّة، وتحييد الدولة عن مسؤوليتها في رعاية حق السّكن، بدل إعادة بناء المؤسّسات الضرورية لتأمين السّكن اللائق والمتاح والآمن للجميع.‬‬‬‬‬

 

مرحلة ثالثة: 1992 – 2020 سياسة في خدمة رأس المال

مع نهاية الحرب الأهلية اللبنانية، حلّت مرحلةٌ نيوليبرالية واسعة النطاق شهدت تكريس استثمارات ضخمة لإعادة ترسيخ بيروت كمركزٍ للخدمات الإقليمية. فعملت الحكومات المتتالية على تسهيل شروط عمل المستثمرين المحليين والأجانب في العقارات، وزادت النسب التي يسمح بها البناء. وتمّ إنشاء إطار مؤسّساتي للاستثمار العقاري في لبنان، من شأنه تقديم الحوافز للمستثمرين وخفض الضرائب على الاستثمار. ومع زيادة الطلب على الأبنية ووجود سيولة فائضة لدى المصارف، قامت سياسة قوامها التسليف من أجل تملّك مسكن. وكان راعي هذه السياسة هو المصرف المركزي، ممّا اختصر السياسة الإسكانية للدولة بتحقيق مصلحة المصارف والمستثمرين تحت ذريعة قدسيّة الملكية الخاصّة. توقّف العمل بنظام ضبط الإيجارات للعقود الجديدة، واستُبدل بنظام استثماري للإيجارات بعنوان الحرية التعاقدية. أما عقود الإيجارات التي أُبرمت قبل العام 1992 والتي أصبحت على تناقض مع ارتفاع أسعار العقارات الجنوني، فتمّ تحويلها وفقاً لاحتياجات السّوق العقاري ومصالح المطوّرين. وعليه، تفاقمت نسبة الإخلاءات من المدينة إلى الضواحي البعيدة في غياب النقل العام، وانتشرت المباني الشاهقة الخالية التي حلّت مكان أحياء تاريخية، وكثرت الترتيبات السّكنيّة البائسة وغير اللائقة في أحياء المدن وضواحيها. في النهاية، انهارت منظومة المصارف التي اختزلت السياسة الوطنية السّكنية، بعدما نجحت في تحويل النضال والمصلحة المشتركة في الوصول إلى الحقوق السّكنية إلى معارك فردية.

من مسيرة عيد الاستقلال ضمن تحركات ثورة 17 تشرين (استوديو أشغال عامة)

 

عدم القدرة على تسديد القروض، أوّل تجليات الأزمة

مع بداية الأزمة الاقتصادية الراهنة وتقلّص الوظائف وفرص العمل والرواتب، عانتْ أسرٌ عدّة من عدم القدرة على تسديد أقساط القروض الشهرية. في هذا السياق، أطلق “مرصد السّكن” في استوديو أشغال عامة في كانون الأول 2019 استمارةً لرصد حالات التخلّف عن تسديد القروض. وفي خلال ثلاثة أيامٍ فقط، ورد إلى المرصد 127 حالة أبلغت عن تعثّرها في تسديد القروض السّكنية. على الرغم من صدور قانون “تعليق أقساط الديون والاستحقاقات المالية لدى المصارف وكونتوارات التسليف”، إلّا أنّه لم يحدّد كيفية جدولة أو إعادة تسديد الدفعات المستحقّة ولم يأخذ بعين الاعتبار الفترة السابقة لـ 17 تشرين.

يوجد اليوم حوالي 138.000 قرضٍ سكني مدعومٍ من مصرف لبنان، 60% منها قروضٌ تُمنح عبر المؤسّسة العامّة للإسكان، بينما تتوزّع النسبة المتبقية على المصارف الخاصّة. وشكّلت قروض المؤسّسة العامّة للإسكان حوالي 70% من الحالات الـ127 التي أبلغت عن تعثّرها عن الدفع. ويُعدّ مستوى دخل المُقترِض الفارقَ الأبرز بين قروض مؤسّسة الإسكان وقروض المصارف، إذ تشترط المؤسّسة ألّا يتخطّى دخل المقترِض 10 أضعاف الحدّ الأدنى للأجور أي 4500 دولار. لكن فعلياً، يظلّ معدّل مدخول المبلّغين المقترِضين من المصارف أقلّ من أربعة أضعاف قيمة الحدّ الأدنى للأجور، متساوياً بذلك مع معدّل مدخول المقترِضين من المؤسّسة العامّة للإسكان. ويؤشّر هذا إلى أنّ مستوى الدخل يشكّل عاملاً حاسماً في تحديد احتمال التعثّر عند الأزمات، بغضّ النظر عن قنوات الاقتراض.

في تحليل معمّق للحالات الـ127 التي وردت إلى “المرصد” بين شهرَيْ تشرين الثاني وكانون الأول 2019، نجد أنّ الغالبية العظمى من الأُسر التي أبلغت عن تعثّرها في تسديد أقساط القروض هي أسرٌ محدودة الدخل، أي يقلّ دخلها عن 3.375.000 ليرة شهرياً.

وبالفعل، كان أكثر من 40% من هذه الأُسر يسدّد 50% أو أكثر من مدخولها الشهري لتسديد أقساط السّكن، وذلك حتّى قبل الأزمة المعيشية. ولدى تحليل الحالات الواردة، نجد أنّ 20.5% من تلك الأُسر فقدت القدرة على التسديد بسبب خسارة مدخولها. ولدى رصد تغيّر الأوضاع المعيشية قبل الأزمة وبعدها، نلحظ أنّ مداخيل أكثر من 75% من الأسر المبلّغة انخفضت إلى أقلّ من نصف قيمتها الأساسية عند الاقتراض، بينما خسر حوالي 15% منها مدخوله الشهري بالكامل. تُظهر الأرقام إذاً بوضوحٍ أنّ الأزمة فاقمت حال اللامساواة وعزّزت ضعف فئةٍ كانت في الأساس بالغة الهشاشة.

بناءً عليه، نستخلص بعض التّبِعات المتشعّبة لأزمة قروض السّكن على المستوى المعيشي للمقترِضين. فبتسهيلها عملية امتلاك المسكن، أرست القروض واقعاً في السّوق العقاري معاكساً للواقع المعيشي، ما أدّى إلى تصاعدٍ تدريجي في الأعباء التي أثقلت كاهل المُقترِض. بمعنى آخر، وبسبب درّ الأموال بهدف مواكبة ارتفاع أسعار العقارات عوضاً عن كبح الأسعار بما يتناسب والقدرة الشرائية للعائلات، باتت القروض تشكّل عبئاً ترزح تحته العائلات على مدى 20 أو 30 عاماً، في ظلّ وضعٍ اقتصادي ومعيشي هشٍّ وغير مستقرّ.

هشاشة الإيجار في ظل الأزمات المتتالية، لا سيّما للفئات المهمّشة

يشكّل الإيجار اليوم وسيلة أساسية للوصول إلى السّكن في المدن اللبنانية التي تضمّ مختلف الفئات الاجتماعية، حيث تصل نسبة المستأجرين في بيروت إلى 49.5% من مجمل سكّانها. بيد أنّ الأرقام المتوفّرة تقتصر على الإيجارات المبرمة بموجب عقود قانونية مسجّلة، من دون احتساب الترتيبات العرفية التي لا يصار إلى تسجيلها في البلديات أو تبرم من دون عقود مكتوبة.‬‬‬‬‬

في الأحياء السّكنية كافّة، الرّسمية وغير الرّسمية منها حيث يسكن أكثر من 50% من سكّان لبنان، تغيب الضوابط اللازمة على الإيجارات لضمان ظروفٍ سكنيةٍ لائقة وحماية السكّان من خطر الإخلاء والتشرّد. وفي ظلّ الانهيار الاقتصادي الذي تسبّبت به السّلطة الحاكمة، معطوفاً على جائحة كورونا التي ما انفكّت تتفاقم، أصبح نصف المقيمين والمقيمات في لبنان فقراء. ‬‬‬‬‬

على وجه الخصوص، يواجه مئات الآلاف من العمّال والعاملات الأجانب والعائلات المهاجرة واللاجئين من جالياتٍ غير لبنانيّة، خطر خسارة مساكنهم وهو خطر بات يلوح في الأفق بشكل أكبر، لا سيّما أنّهم يمثلون جزءاً من الفئات الأكثر تضرراً على المستوى الاقتصادي، من تداعيات قرارات التعبئة العامّة المتتالية التي قضت على فرص العمل اليومي، وتبعات الأزمة الاقتصادية والمعيشية. فتتجلّى بوضوحٍ نتائج السياسات المرتكزة على السوق وغياب الضوابط في سوق الإيجارات ومعها حلول السّكن الميسّر والملائم، ممّا يجعل الفئات الأكثر تهميشًاً من النواحي الاجتماعية والقانونية عُرضةً لأبشع أنواع الاستغلال والتعنيف.

فبحسب آخر تقرير أصدره “مرصد السّكن” تفاقمت التهديدات بالإخلاء بعد العجز عن تسديد بدلات الإيجار، في إثر خسارة المستأجر عمله أو فقدانه مورد رزقه جرّاء الأزمات المتتالية التي عصفت بالبلاد. وقد بدأت ملامح هذا العجز حتى قبل صدور قرار التعبئة العامّة الصحية الأول في 15 آذار 2020، مما يدلّ على مدى تأثير الأزمة الاقتصادية التي سبقت التعبئة العامّة على تدهور مستوى الدخل.

ومن تداعيات غياب السّياسات السّكنية، ظاهرة تقسيم الشقق إلى غرف سكنٍ غالباً ما تكون مستحدثةً وضيّقةً ومزدحمة، من دون وجود أيّ ضوابط على بدل الإيجار وظروف السّكن. فمالكو الشقق يلبّون الطلب الهائل على السّكن لدى شريحةٍ كبيرةٍ لا تستطيع تحمّل كلفة السّكن في المدينة، عبر استحداث ترتيبات تحافظ على أرباح السوق مقابل ظروف سكنية في الغالب سيئة، في حين تصل نسبة المخزون السّكني المتوفّر في المدينة الذي يبقى شاغراً بلا أي مساءلة، إلى 50%. فتنتج العلاقة غير المتكافئة بين المالك والمستأجر واقعاً يغلب فيه هاجس مضاعفة الأرباح على حساب معايير السّكن الآمن والملائم. وهذا الأمر يتأتّى عن غياب الضوابط على العلاقة التأجيرية وظروف السّكن وكيفية إدارة الأملاك الخاصّة (كغياب النظام الضريبي الذي يحدّ من الشغور) بما يتناسب مع المصلحة العامّة. نجد في الكثير من الحالات أنّه إلى جانب ضيق المساحة والازدحام، شاعت عيوبٌ في المساكن تضرّ بالصحّة مثل العفن والرطوبة والنشّ، إلى جانب سوء الخدمات والمشاكل الإنشائية. كما تنتشر البيوت التي تكثر فيها القوارض والحشرات، ولا تدخل إليها أشعّة الشمس، وتفوح منها روائح المجارير جرّاء استحداث الغرف بالقرب من منشآت الصرف الصحي في المباني، الأمر الذي يؤدّي إلى مشاكل صحيّةٍ على الأمد الطويل. فضلاً عن ذلك، وبفعل غياب الضوابط والرقابة، “يُحرّر” مالكو الشقق والمباني من عبء اتخاذ ما يلزم من تدابير السلامة، كصيانة المباني وتأهيل المساكن وتوفير شروط سلامة السكّان.

باختصار، في غياب الضوابط على سوق الإيجارات عبر ربط القيمة التأجيرية بمستوى الأجور، سوف تغيب الحماية المطلوبة للمستأجرين من أعباء زيادة كلفة الإيجار وسوف تتفاقم الأوضاع السّكنية السيّئة في الكثير من الشقق والمباني.

استكمال كارثة انفجار المرفأ عبر استغلال الناس القلقين على سكنها

فإذاً، يؤدّي غياب السياسات إلى تفاقم الإخلاء التعسّفي والتهديدات العنيفة بتنفيذه، كما يتسبّب باكتظاظ المساكن أو تشريد السكّان ما يجعلهم أكثر عرضةً لفيروس كورونا. وقد أتى انفجار مرفأ بيروت ليكشف عن مدى هشاشة السكّان، وسوء إدارة الدولة التي تعرّض السكّان لمزيدٍ من العنف وعدم الاستقرار والخطر الصحّي.

ففي منطقة الرميل المتضرّرة من الانفجار، 75% من السكّان هم من المستأجرين ومن أصحاب الدخل المتدنّي (وفقاً لدراسة للجامعة اللبنانية)، وقد باتوا اليوم مهدّدين بالتهجير الدائم نتيجة هشاشة وضعهم والإطار القانوني الذي يرعى وجودهم في المدينة.

على الرغم من صدور قانون “حماية المناطق المتضررة بنتيجة الانفجار في مرفأ بيروت ودعم إعادة إعمارها” (القانون رقم 194/2020) الذي يهدف – بحسب مقدّميه – إلى وضع خارطة طريق من أجل معالجة الضرّر اللاحق ببيوت وأحياء بيروت وحماية السكّان، إلّا أنه اكتفى بتمديد عقود الإيجار السّكنية وغير السّكنية في الأبنية والعقارات المتضرّرة لمدة سنة واحدة. وهذا يعني أنّ السكان محميّون من الإخلاء خلال سنة من صدور القانون. غير أنّ المدة المحدّدة غير كافية نظراً إلى الأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية القاسية التي تضرب المجتمع اللبناني، ونظراً إلى الوقت الذي سيستغرقه ترميم هذه المباني، لا سيّما في ظلّ ضبابية مسار توزيع التعويضات وبطئه. أبعد من ذلك، فإنّ تشديد القانون على قدسية الملكية الخاصّة وارتباطها بحريّة التعاقد يشكّل عائقاً أمام ضمان الحقّ في السّكن – مع العلم أنّ ضبط الإيجارات كان دوماً الآلية الأساسية التي تحكم عمليات التأجير منذ تشكّل الدولة اللبنانية وحتى عام 1992. في مقابل هذا، لا يذكر القانون أيّ حقوقٍ “مقدّسةٍ” أخرى يكفلها الدستور كالحقّ في السّكن، بل إنّ ما يصنّفه مصلحةً عامّةً تبرّر التدخّل في حقوق الملكيّة الخاصّة يقتصر على الشّكل لا على وجهة الاستخدام، أيّ على المباني وقطع الأرض التي يمكن شراؤها، حيث يمكن تخزين رأس المال وتبادله.

بالنتيجة، وفي غياب الحماية السّكنية، تتفاقم حالات الإخلاء في المناطق المتضرّرة من الانفجار. وبحسب التقرير الدوري لـ”مرصد السّكن” الذي تناول حالات الإخلاء التي تمّ رصدها ما بين 3 أيلول و17 تشرين الأول 2020، جرى تتبّع 58 حالة تهديد بالإخلاء طالت 190 شخصاً في أحياء مختلفة من بيروت. وكان العدد الأكبر منها – 23 حالة أيّ حوالي 40% – في الكرنتينا. فبعد نجاة هؤلاء السكّان من ذلك التفجير الرهيب الذي أصابهم بأضرارٍ جسديةٍ وماديةٍ ونفسيةٍ متفاوتة، يتعرّض هؤلاء لتهديداتٍ بالإخلاء نُفّذت في كثيرٍ من الحالات.

خاتمة

أصبح تعزيز الحق في السّكن أولويةً واضحة، فهو الركيزة لبناء عقدٍ اجتماعي جديدٍ قوامه العدالة والتشاركية، وتأمين السّكن اللائق والمستقرّ الذي يعزّز علاقات الناس بأحيائهم وشبكاتهم الاجتماعية والاقتصادية ويتناسب مع مداخيلهم. وهو أولويةٌ تحتاج إلى رؤيةٍ متكاملةٍ وشاملةٍ تأخذ بعين الاعتبار شرائح المجتمع كافةً من عائلاتٍ، وعمّال، ومسنّين، ونساء، وأشخاصٍ معوّقين، وطلابٍ ولاجئين. فالسّياسات السّابقة لم يثبت فشلها فحسب مع الانهيار الاقتصادي، بل لطالما رُسمت حسب مصالح ضيّقة وليس وفق المصلحة العامّة.

 

 

  1. “مصرف لبنان يسخّر الإسكان لزيادة أرباح المصارف”، جوان شاكر، نشر على موقع مرصد السّكن، استديو أشغال عامّة https://housingmonitor.org/bdl-hijacks-housing/
  2. “القروض السّكنيّة تفاقم اللامساواة” – تقرير حول بلاغات مرصد السّكن للمتعثرين عن تسديد القروض السّكنية في ظل الأزمة المالية، استديو أشغال عامّةhttps://housingmonitor.org/content/housingloans-inequality
انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في السكن ، انتفاضة 17 تشرين ، جائحة كورونا ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لبنان ، مجلة ، مجلة لبنان ، مصارف ، ملكية خاصة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *