السيطرة على الإعلام: الجمهور أو “الحضبة” بديلا عن الشعب


2023-08-14    |   

السيطرة على الإعلام: الجمهور أو “الحضبة” بديلا عن الشعب
رسم عثمان سلمي

استنفر التصريح الأخير لرئيس الدولة قيس سعيّد حول التلفزة الوطنية الأوساط الإعلامية في تونس، فبادرت نقابة الصحفيين التونسيين إلى إصدار بيان استنكرت فيه التدخل السافر في المضامين الإعلامية وترتيب الأخبار والضيوف بشكل لم يقدم عليه أحد من قبل بهذا الوضوح. بادر الأنصار والمفسرون إلى وضع هذا التصريح في إطار “الإصلاح” و”التغيير” ضدّ لوبيات الإعلام العمومي والنافذين. وهي ردّة الفعل الطبيعية والعادية لصدّ أيّ رفض أو نقد لما تُقدم عليه السلطة اليوم، ضمن خطاب سياسي أصبح معتادا. غير أنّ ما يشدّ الانتباه دائما هي هذه الاختزاليّة والتبسيط اللذان يمنعان رؤية الممارسة وأبعادها وآثارها، ويسمحان بإنتاج شرعنة آلية لها، تحتاجها وتستفيد منها السلطة فقط. في الوقت ذاته، تغطي هذه الإستراتيجية على ما يحدث على مستوى المؤسسات الإعلامية العمومية والخاصة. وكانت سمتها الأساسية هي السيطرة وتحديد الرسائل التي يتم تمريرها لوضع “خط تحريري” جديد. بين المضموني والمؤسساتي، يبرز مسار “جمهرة” شعبوية، جوهرها دينامية تفاعلية وانفعالية تشدّ الأفراد إلى المؤسسات والممارسات، يتحكم فيها ويتوسطها رئيس الدولة نفسه للتوجّه إلى “جمهور” جديد يُشرف على صناعته عبر “مينستريم جديد” يضبط الرؤية ويصنع الواقع المناسب. في المقابل، لا تبدو وجهته نحو شعب جديد، أي ذاك الكيان، الفاعل والموضوع السياسي، المحدد لما حوله. بل نحن إزاء ممارسة سياسية تخلق جمهورها بشكل دائم حتى وإن كان ظاهرها الشعب. فهي تقوم على مفارقة خطيرة بين “الجمهرة”، أو “الحضبة” السياسية في الدارجة التونسية كتجمع فوضوي يلغي الأفراد داخله ويعلو فوقهم، وبين ادّعاء تمثيلية شعب “سجين” مؤسسات وسلطات الوصاية الشعبوية. الأمر الذي يدعو للتساؤل: هل نحن فعلا شعب؟

المينستريم الجديد: تحديد الرؤية وصناعة الواقع

من بين المحاور الرئيسية التي أثارتها حملة الإيقافات السياسيّة، برز النقاش حول “الخط التحريري” لإذاعة موزاييك وبرنامج “ميدي شو” الذي تحوّل إلى مصدر إزعاج مباشر لرئيس الجمهورية، كما ظهر في أكثر من خطاب، تلميحا أو تصريحا. إذ أنّ إيقاف مدير عام الإذاعة نور الدين بوطار وسجنه شكّل رسالة واضحة: ثمة تبرُّم من كل خطاب معارض ومخالف. فالإذاعة ليست الوحيدة المذكورة في ملف القضية أو الشهادات مجهولة الهوية التي قامت عليها. ما يعني تهديدا صريحا لبقية وسائل الإعلام باعتبارها جميعا في موضع اتّهام مباشر، في الرواية الرسمية، بالانخراط في تأجيج الرأي العام على قاعدة “مؤامرة” مع سياسيين وأطراف خارجية. وقد تكون هذه الهرسلة وراء الانطباع الحاصل لدى الكثير من المتابعين حول تغيّر الخطّ التحريري للبرنامج في الفترة الصيفيّة لصالح الدفاع على خيارات السلطة، بعد انتداب “كرونيكور” محسوب عليها.
في الأثناء، تواصلت حملات الشيطنة للإعلام “القديم” والتعامل الفوقي معه وتجاهله الدائم (غياب اللقاءات المباشرة والمفتوحة مع الصحافة سواء من الرئيس أو الحكومة)، مرورا بحملات التضييق ضدَ الصحفيين بناء على المرسوم 54، وصولا إلى إصدار حكم قضائي استئنافي ضد الصحفي خليفة القاسمي بخمس سنوات سجنا على معنى قانون الإرهاب، وذلك على خلفية نشره خبرا صحفيا استقاه من مصدر أمني.

لكن أيضا انتهجت السلطة سياسة اللا-إعلام، على حدّ عبارة ريم سوودي عضوة المكتب التنفيذي لنقابة الصحفيين، حيث لم تقدم حلولا لأزمة الإعلام التونسي، ورفضت الحوار مع الفاعلين لمواجهتها. ومن أهم المؤشرات في هذا الاتّجاه هو عدم تفاعل السلطة مع مختلف الفاعلين الذين سعوا إلى وضع سياسة شاملة للقطاع الإعلامي توضح أدواره ووظائفه وتضبط أطر تمويله حتى يمكن ضمان استقلاليته. لم يحضرْ ممثّلو السلطة في جميع التظاهرات والمؤتمرات التي تمّ تنظيمها للغرض من قبل نقابة الصحفيين وشركائها. ما يسمح بالقول في نهاية الأمر أن السياسة الرسمية تراوح بين القمع والضغط والاستفادة من حالة  الهشاشة المالية والأزمة الهيكلية للقطاع الإعلامي.

سياسة اللا-إعلام هي سياسة إعلامية لأن البديل هو ضبط الفضاء الإعلامي على ايقاع الاستراتيجية التواصلية للرئاسة أولا عبر قنوات الاتصال غير التقليدي التي يتحكم بها، فيما يردد “الكرونيكورات” المتواجدون في جميع المؤسسات الإعلامية التحليلات والآراء المساندة والمتناسقة معها. بحيث يمكن الحديث عن نمط واحد ومشترك يتمّ ترويجه والدفاع عنه. الأمر الذي يؤكّد أنّ التوجه هو ضمان سيطرة خطاب على حساب أيّ خطاب آخر ضمن فضاء هشّ هيكليا وماليا يؤثر على أدوار الإعلاميين المستقلين.

“المينستريم الجديد” سمته انتشارية عبر جميع الوسائط خاصة غير التقليدية، عبر مواقع التواصل الاجتماعي في المجموعات والصفحات المساندة، والتي تخلق صدًى لخطاب الرئيس وأنصاره. تحتلّ هذه الوسائط مكانة مهمّة باعتبار أثرها الاستثنائي. فهي في الأصل كانت جزءًا من صعود الرئيس قيس سعيد وساهمت في تكريس طابعه الانفصالي عن الساحة السياسية. وتُواصل العمل في الاتجاه ذاته. بل يمكن القول أن عملها اليوم أصبح أكثر تنظيما وتوجيها بعد تجاوز مرحلة الفورة العاطفية الشعبويةوراء شخص الرئيس نحو ضمان الأثر ذاته، لكن وراء مسار ركّز نفسه بأكثر قوة. يدعم هذا المعطى أن عدة صفحات لداعمي المسار تحوّلت إلى مصدر للمعلومة من داخل الأجهزة الرسمية، ولعبت أدوار بالونات اختبار فيما يتعلق بعدة مسائل خاصة القضايا المنشورة والإيقافات. فنحن إذن إزاء سياسة ممنهجة في هذا المستوى تستغلّ الوسائط غير التقليدية للانتشار والتأثير مُضافا لها عنصر التشابك مع المؤسسات الرسمية. هذا بالتوازي مع الأدوار التي يلعبها كرونيكورات “الصحافة الحوارية”،[1] على حدّ عبارة الأستاذ الصادق الحمامي، في عدة برامج إذاعية وتلفزية.

لعلّ دور وسائل التواصل الاجتماعي خاصة فيما يتعلق بالمسائل الوطنية أصبح ظاهرا للعيان وتم تناوله بإسهاب. لكن يمكن ملاحظة معطى آخر لا يقلّ أهمية. فمثلا يمكن ملاحظة أن هاشتاغات الإمبراطور وقيس سعيد والأستاذ الرئيس و25 جويلية حاضرة بقوة في التيكتوك والفيسبوك في قضايا دولية سواء تخص تونس مباشرة أو في قضايا بعيدة نسبيا. فقد أصبحت منصّات وسائل التواصل الاجتماعي تتضمن مواقف من الأحداث الدولية في تأويلية شعبوية تُعطي انطباعا أن هناك تغييرا جذريا على المستوى الدولي تمثل السلطة الحاكمة في تونس جزءًا منه. ومن ذلك مثلا نشر فيديوهات ونصوص عن قائد الانقلاب في بوركينا فاسو إبراهيم تراوري مقدمة إياه على أنه توماس سنكارا الجديد في إفريقيا، خاصة بعد مشاركته في القمة الروسية الإفريقية في موسكو. بغضّ النظر عن طبيعة التحولات الدولية، تَحرص هذه المنشورات على طابع احتفائي يضع مشروع الرئيس قيس سعيد في خلفية ما يحصل، بحيث يَبرز كتواصل منسجم مع تغيير بصدد التحقق في كل مكان. وقبل ذلك، لا يفوت الملاحظ التأويلية الشعبوية في المينستريم الجديد لمذكرة التفاهم مع الجانب الأوروبي، حيث عرضت “غرف الصدى” الشعبوي المذكّرة على أنها إنجاز تاريخي للرئيس قيس سعيد يُثبّت به تغييرا جديدا على مستوى العلاقات الدولية، خاصة مع الاتّحاد الأوروبي، رغم أنها لم تتجاوز الاستعراض الخطابي في قمة روما التي شارك فيها الرئيس.

من حيث المضمون، في الشأن المحلي والدولي، يحرص “المينستريم الجديد” على صناعة محدداته الكبرى عبر الترويج لتأويلية خاصة للمعطيات المحلية والدولية لها خصائصها التي يمكن إجمالها فيما يلي: أولا هي مفتوحة تماما على كل المجالات بدءًا بأسعار الخبز والمواد الغذائية وصولا إلى قضايا الإرهاب والدراسات الإستراتيجية وحروب الجيل الخامس وطريق الحرير الصيني. كما أنه مينستريم يخاطب نفسه في الحقيقة بما أنه يعكس من حيث المبدأ، حسب تصوره، إرادة الشعب، بقيادة الممثل الحصري له. أخيرا، يصدر المعنى الأصلي الذي يتمّ التنويع عليه بأفواه الكرونيكورات أو الرسائل السمعية والصوتية والمكتوبة. في هذا المستوى، يتحول ليس فقط خطاب الرئيس وكلماته إلى معنى رئيسي بل يتحوّل هو نفسه إلى رمزيّة تسمح بإنتاج المعنى. إذ أن للرئيس قيس سعيد في غرف الصدى الشعبوي رمزية لا تنتهي ومكتملة الشرعية لا يمكن التجريح فيها. والهدف الرئيسي لذلك هو خلق الإنجاز حتى من لا شيء. في هذا المستوى، يمكن ملاحظة أنه مينستريم مُتحيّز إدراكيّا حيث يغلب عليه طابع “التأكيد الذاتي”، فتأويليّته لا تقبل إلا ما يتماشى معها، حتى وإن تطلّب ذلك المغالطة ونشر معلومات زائفة أو غير دقيقة. نلاحظ هنا أنه ثمة علاقة ثابتة بين المصدر والوسائط. الأخيرة تضمن بثه ونشره على أوسع نطاق لكنها في نفس الوقت تتحوّل إلى صدى يمنع التداول أو النقاش. فلا يمكن مثلا أن يتجرّأ أحد على إيراد تعليق مخالف للسائد في هذه الصفحات إلا إذا كان مستعدّا للشتم والسبّ والتهديد. ما يحيلنا إلى سمة أخرى لهذا المينستريم، وهو العنف والقوة الشديدين. فإن كان يحتفي ويردّد خطابات الرئيس ويعيد نشرها في “ميمز” أو “ريلز” (reels)، فإنه في نفس الوقت يحتفي بالحرب الروسية والانقلاب في بوركينا فاسو ومالي والنيجر.

في الوقت نفسه، يعمل المينستريم الجديد، على وضع ركائز مؤسسية دائمة. فلم يُفلت من ضغط السلطة وكالة تونس إفريقيا للأنباء أو التلفزة الوطنية أو المؤسسات المصادرة كشمس أف ام وغيرها من المؤسسات الخاصة. ففي نهاية الأمر، لا يعوّل المينستريم الجديد على مضمونه بل يسعى إلى استتباع هياكل تضمن سطوته وديمومته. ولضمان اتّساق المضمون مع المؤسسات، أعلن رئيس الجمهورية صراحة أن الإعلام العمومي على سبيل المثال يجب أن يتوافق مع خطاب السلطة. إلاّ أن المعطى الأهم هو في رغبة السلطة في تغيير ترتيب الفقرات والمضامين. وهو مستوى متقدم من حرص السلطة اليوم على صناعة المعنى بطريقة أحادية خاصة عبر وسائط رسمية. فذلك يعني أن الرئيس نفسه بصدد مشاهدة نشرة أخبار القناة الوطنية التي تبثّ على الساعة الثامنة مساء. ولاحظ ما أشار إليه وما يخالف ما يقدمه من صورة عن الواقع ورؤيته له. عندما مرّ الرئيس قيس سعيد من توصيف الواقع إلى تغيير تقديمه في الرسائل الإعلامية، فهو قد مرّ إلى صناعته في ذهن المتلقي. ما يلتقي في نهاية الأمر مع ما يصطلح عليه بالشعبويّة الإعلامية. إنها محتوى تواصلي واتصالي واستراتيجية خطاب إعلامي تنفذ إلى التمثلات والأفكار والتصورات والعواطف. إنها تحدّد الرؤية وتصنع الواقع. ولعلها تخاطبنا إعلاميا كشعب لكنها تجعل منا جمهورا مستنفرا بشكل دائم.

الجمهرة القيسية الدائمة: هل نحن شعب فعلا؟

الشعبوية وهي تُنادي على الشعب تبقي على مسافة ضرورية منه تسمح بحشده عبر “الجمهور” المتواجد في كل مكان، على حدّ عبارة خوسه أورتيغا إي غاست منذ بدايات القرن العشرين.[2] فلو كانت تمثله بصورة نهائية، بمعنى أن رسالتها هي ما يريد الشعب نهائيا، فإن تعقيد الواقع يمكن أن يفاجئها سواء بتغيره السريع أو بأخطاء الشعبوي نفسه في التعامل معه. لذلك يجب أن يكون تمثيلها مفتوحا دائما على استعادة الوجدان الشعبي وتحويله إلى طاقة سياسية حسب الظرف والمطلب السياسيين. من هنا حاجتها إلى جمهور مستنفر دائما. عندما تنتهي الحاجة للجماهير يجب عليها العودة إلى بيوتها. يذكرنا ذلك بـLéon Gambetta رجل الدولة الفرنسي الذي امتلك فصاحة خطابية سمحت له باستدعاء الجماهير المناصرة التي تفاعلت معه داعمة لأفكار وقيم الجمهورية. كان غامبيتا قادرا على صناعة “جماهير شعبية مُتعقّلة”، فكان تدفق 100 كلمة في الدقيقة قادرا على ضمان تفاعل الحاضرين كل عشرين دقيقة بالموافقة والتصفيق والاستحسان من قبل جمهور أصبح يعرّف نفسه على أنه شعب وأمة فرنسية جديدة. يمكن ملاحظة أن الشعبوي اليوم تخلّص إلى حد ما من ضوابط الخطاب التقليدي بفضل وسائط التواصل الحديثة لجمهور تحرر من الأطر التقليدية للخطاب والمعلومة ذات الطابع السياسي.[3] فنحن أمام شعبوية تحتاج جمهورا دائما لاستعراضها الفرجوي في مرحلة توسع فيها الجمهور أو لا يوجد إلا هو تقريبا خاصة افتراضيا.

تدعم أطروحة أستاذ علم الاجتماع المولدي القسومي أوليّا هذا المعطى بملاحظة تحليله للحشد القيسي منذ بروزه على الساحة السياسية في تونس. لئن كان الرئيس قد استفاد من حدّ أدنى تنظيميّ لكيانات موجودة، فقد استفاد أيضا من الحالة الاحتجاجية السائدة في مرحلة معينة. لينتهي في النهاية إلى حصوله على حشد (من اليمين واليسار) يتأثر بمُتغير وحيد أكثر من غيره: وهو شخصه. انقضت تلك الحشود، كما وصفها الأستاذ القسومي، لكن يبدو لنا أنهّا تغيّرت وتتغير ظرفيا حسب رهانات كل مرحلة وأحداثها. لئن عادت تلك الجماهير إلى بيوتها بعد أن أوصلته إلى سُدّة السلطة أو بعد أن زارته في قصر قرطاج، لكنها تُعاود الظهور من وراء شاشات الهواتف والحواسيب بفضل المينستريم الجديد الرافع لخطابه الشعبوي. فنلاحظ جزءًا ممّن ناصره يتراجع لكن يحل محله غيره بفضل حالة الحشد والجمهرة، أو “الحضبة” السياسية التي يخلقها حوله وتتردد في مواقع التواصل الاجتماعي. وبملاحظة الرعاية الرسمية الممنهجة، كما تم توصيفها أعلاه، فإنه يمكن القول أننا إزاء دينامية جَمهَرة دائمة تعِد بالشعب دائما كغاية ستتحقق في المستقبل. وحتى مع تضمين دلالة الشعب قانونيا وسياسيا خاصة بالسيطرة على المؤسسات ووضع الدستور الذي يتماشى معه، لكن يبقى جوهر الشعب “ميتافيزيقيا”. يبقى الشعب متعاليا، لا يحتاج للإنتخابات دائما ولا للنزول للشارع او التعبير عن نفسه عبر وسائط تقليدية (وسيطة). بل يكفي أن يبقى في حالة خام جماهيرية تنطبق عليها توصيفات غوستاف لوبون،[4] تنقاد للمشروع السياسي للرئيس قيس سعيّد. عبر الرعاية الموصولة والسامية يبثّ الأخير طاقة الجمهور في الشعب، ماسكا بزمام الأدوات القانونية والمؤسسات. من هنا الحاجة “للجمهور الغاضب” من الطبقات الشعبية المُهيمن عليها اقتصاديا (فئات اليد العاملة مقابل الأجر) وثقافيا (لا تمتلك الأدوات الرمزية المهيمنة).[5] رغم أنه من الممكن تقديم مؤشرات سوسيولوجية واقتصادية لرسم حدود الطبقات الشعبية المتفاعلة مع العرض الشعبوي. لكنها في الوقت ذاته على قدر كبير من التنوّع والاختلاف بحيث لا يمكن القول أنّ استجابتها للعرض الشعبوي آلية. يبقى أنّ فرضية استهلاكها للعرض الشعبوي ممكنة بسبب ما يوفره من فرصة سياسية ضدّ النّخب المُهيمنة اقتصاديا وثقافيا. إذ أن دينامية الجمهرة الغاضبة اقتناصيّة لا تُفوّت فرصة الاستثمار في الغضب المرافق للأزمات التي كلما اتّسعت يمكن أن تضمن طاقة من روافد سوسيو اقتصادية متعددة تُبثّ في الشعب الذي يؤمل منه أنّ يحرر المُهيمن عليهم. لذلك يحرص الرئيس قيس سعيد، بشكل شبه دوري، على زيارة الأسواق الشعبية في أحياء شعبية متشابهة، كما زار سابقا النساء الحرفيات في صناعة الخزف واحتفظ بصورتهن في المكتب الرئاسي. مع استدعائه الدائم للتهميش والبطالة والفقر وصولا إلى الوطنية والتحرير كخزّان يُصرف لمن يتلاءم معه ضمانُا لانخراطه في الغضب الجماهيري السابق للانتماء إلى الشعب الموعود.

في زمن الشعبوية، كلما شعرتَ أنك تنتمي إلى الشعب كلما كنت فردا من الجمهور وتَذوب فيه. وكلّما مارست الشعبوية سياستها أكثر كلما تدنى الأفراد من شعب إلى جمهور، في مفارقة من يخدع نفسه ويخدع غيره. تزخر خُطب الرئيس قيس سعيّد بالشعب لكنه لا يطلب من الأفراد أكثر من ذلك. فقط عليهم “الانخراط” والعمل في الأطر التي تمّ وضعها. وكل ما يخالفها يجعلك خارج “الشعب” أو لنقل الآن خارج الجمهور المتحرك ككيان واحد غير منفصم لصناعة التاريخ والعلوّ الشاهق لنفسه وللإنسانية جمعاء. لذلك تسقط حجّة أنّ النظام السياسي وفلسفة التصعيد ستحقّق ذلك الشعب المنادى عليه من بعيد. فما هو انصهاري رافض لفكرة التعدد داخليا من حيث المنطلق لا ينتج إلا مؤسسات على هذه الشاكلة. وإن كان كافيا للبعض أن يكون جزءًا مُنصهرا في الكُلّ منذ البداية، فإن أفرادا مختلفين يسعون إلى الحفاظ على حدّ أدنى يُفلت من سياسات السلطة ليس بإمكانهم القبول بذلك. وهي الدلالة التي ندعمها هنا كمنطلق تأسيسي لمفهوم الشعب الحديث ولضمان تجديده. فإن قبلنا به كقيد (كيف يكون الحكم وغاية الحكم) وحدّ (يُعرّف من يحكم) في السياسة، فلا يمكن للحرية التي تبدأ في الفرد أن تقبل بتحوّل “الشعب”، حتى ديمقراطيا، إلى حجة تسلطية، أو إلى جمهور تحت الوصاية. فالحرية لا تُعطى بل تُصنع بشكل دائم في فعل تحرر من كل ممكن تسلطي يمكن أن يبرز في أي وقت. إنها سيرورة تتشابك مع دينامية الشعب وكينونته الحيّة دائما.

لا يمكن للإجابة عن سؤال “هل نحن شعب فعلا؟” أن تكون إيجابية عندما يكون جوهر خطاب السلطة “ما أُريكم إلا ما أرى”، وإنك “لتصنع على عيني”، حتى إذا كانت الحجة الشعب نفسه. فماذا لو كانت الحجة نفسها متهافتة داخليا بسبب تمحورها حول استنفار نوازع الجمهرة في الأفراد والسياق، وليس أبعد من ذلك، أي من دون أن يكون للأفراد الحق في الاختيار بعد أن يتفكك العقل الجمعي للجمهور نحو تعقل فردي ومتعدد قادر على بناء عقل جمعي لكيان سياسي مدني. هكذا نفهم محاولة السلطة اليوم السيطرة على الإعلام وتجاوزه عبر الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن دينامية شعبوية هي بمثابة جمهرة و”حضبة” سياسية تستغل أزمات اليومي والمعاش والخوف من المستقبل دون تقديم حلول ذات جدوى. ولكنها في الحالة التونسية شعبوية رثّة، تعتمد على المؤسستين الأمنية والقضائية وتقوم على وعود موهومة تفتقر حتى لما طرحته بعض الشعبويات في تجارب أخرى من أسئلة ورهانات.


[1] الصادق الحمامي:”تشكّل الرأي العام الشعبوي ومشكلاته في السياق التونسي”، مركز الدراسات الاستراتيجية حول المغرب العربي، 25 جويلية 2023. الرابط: https://shorturl.at/aemFM

[2] خوسه أورتيغا إي غاست، تمرّد الجماهير، ترجمة علي إبراهيم أشقر، ط1، دار التكوين، بيروت، 2011، ص41-42، ص 46-47.

[3] Aude Dontenwille-Gerbaud, « Quand la foule devient peuple … avec Léon Gambetta », Conserveries mémorielles [En ligne], #8 | 2010, mis en ligne le 25 septembre 2010, consulté le 08 août 2023. URL : http://journals.openedition.org/cm/700

[4] المولدي القسومي، “التنوع الطيفي للحشود القيسية: محاولة في فهم الأبعاد والخلفيات”، ورد بـ: حركية المجتمع التونسي في عشرية الثورة بين إرادة الحياة واستجابة القدر، دار محمد علي، 2020، ص225-257.

[5] Alexandre, Chloé, Frédéric Gonthier, et Tristan Guerra. « Les classes populaires sont-elles (les plus) populistes ? Attitudes populistes et vote radical lors de l’élection présidentielle de 2017 », L’Année sociologique, vol. 69, no. 2, 2019, pp. 451-478.

انشر المقال

متوفر من خلال:

حرية التعبير ، مقالات ، تونس ، إعلام



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية