السياسة تتحكم بالمحاكمات وتحول دون مأسسة توثيق التعذيب عبر الطب


2017-06-27    |   

السياسة تتحكم بالمحاكمات وتحول دون مأسسة توثيق التعذيب عبر الطب

تبتسم الدكتورة كولين كيفلاهان، من جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو، لدى سؤالها عن السبب الذي يمنع مأسسة جدية لعملية توثيق التعذيب الممارس خلال الحروب عبر الطب. تقول السيدة التي تقضي جزءا كبيرا من وقتها ومسيرتها المهنية في تدريب أطباء ومحامين وعاملات اجتماعيات في منظمات دولية على كيفية توثيق تعرض الضحايا للتعذيب، “لأنهم يريدون أن تبقى معاقبة مجرمي الحرب سياسية، وساعة يريدون ولمن يشاؤون”، وفق ما أكدت ل”المفكرة القانونية”.

السؤال يطرح نفسه بجدية خصوصا بعد مرور نصف قرن على استعمال الطب في توثيق التعذيب الذي يتعرض له الضحايا. التوثيق يتم بالتعاون بين أطباء مدربين وحقوقيين وعاملين في منظمات إغاثية وكذلك مع الإعلام. وهو ما يسعى إليه منظمو مؤتمر “طبّ النزاعات” في الجامعة الأميركية في بيروت مؤخراً، وقامت خلاله كيفلاهان بشرح بروتوكول إسطنبول.

وتنطلق قواعد بروتوكول إسطنبول من معايير الأمم المتحدة (الممارسات الفضلى) للتحقيق والتوثيق الفعّالين للتعذيب وسوء المعاملة. ويحتوي البروتوكول المعايير القانونية والتحقيقات القانونية، والتقييمات الطبية والنفسية.

تشير كيفلاهان إلى أن الإنتباه إلى أهمية دور الطبّ في التوثيق للتعذيب يعود إلى الحرب العالمية الثانية، وكذلك تمّ اللجوء إليه في حرب البلقان الأخيرة، “ولكن دائماً لم يكن هناك مستندات كافية للإعتماد على الطبّ كدليل”. وطبعاً هناك عامل الوقت الذي ليس في مصلحة الموثقين والطب في حال مرور زمن على جرائم التعذيب، ومنها العنف الجنسي كما حصل في الكونغو، إذ كان يجب التوثيق خلال 72 ساعة على وقوع الجرم، وإلاّ تطمس الأدلة بلا جدوى.

وترى كيفلاهان أن الأطباء والمسعفين ومقدمي الإغاثة خلال الحروب عادة ما يركزون على الإهتمام بالضحايا وإغاثة اللاجئين ولا يهتمون بالأمور الأخرى، لافتة إلى أنه “صار من الضروري أن يكون الأطباء أول المهتمين بتوثيق التعذيب وفق المعايير الصحيحة المعتمدة”.

ورأت كيفلاهان في مؤتمر “طب النزاعات” محطة أساسية لتلعب الجامعة الأميركية في بيروت الدور المفقود في المنطقة عبر مأسسة توثيق التعذيب خلال الحروب، مشيرة إلى وضع استمارة يتم توزيعها على المعنيين بعملية التوثيق ليصار إلى تعبئتها بعد تدريبهم، وهي المرة الأولى التي توضع فيها استمارة للتوثيق الممنهج والعلمي وفق معايير دقيقة وواضحة”.

إنفلات حيازة الأسلحة الكيميائية

لكن ما يقلق الفرق الطبية العاملة خلال الحروب ليس توثيق التعذيب فقط. هناك الأسلحة الكيميائية التي صارت بمتناول الجميع من جيوش حكومية إلى مجموعات مسلحة، وأيضاً استهداف المرافق الطبية من قبل جميع المتحاربين وعلى الضفتين.

فالأسلحة الكيميائية التي استعملتها إسرائيل في جنوب لبنان (الفوسفور الأبيض أحدها) وفي العدوان على غزة (2008) لم تعرف طريقها إلى التوثيق الدقيق الذي يسمح بإثبات تأثيرها ليس فقط على أعداد الضحايا والتشوهات التي تلحقها بالناجين من بينهم، وإنما ايضاً على زيادة الأمراض السرطانية وغيرها من الأمراض التي يتسبب بها السلاح الكيميائي.   

يقول الدكتور ماورو دي لا توري من الصليب الأحمر الدولي أن القانون الدولي يمنع استخدام الأسلحة الكيميائية ضد المسلحين وضد المدنيين وأن 188 دولة في العالم وقعت على مبادئ الأمم المتحدة لتحريم استعمالها. لكن، ووفق دي لا توري، فإن المشكلة الحقيقية هي في التطور الذي طرأ على تقنيات استعمال الأسلحة الكيميائية حيث “صار بالإمكان قذفها من مسافة عشرين إلى خمسين كيلومتر، وبالتالي لم يعد مستعملها يخشى تأثيرها عليه. وهي تقنيات تم توثيقها في الحرب السورية مؤخراً”. 

ويشدد دي لا توري في مؤتمر “طب النزاعات” على أنه لم يعد بالإمكان إرتجال ردود الأفعال تجاه الضحايا المصابين بالأسلحة الكيميائية: “أصبح من واجبنا أن نكون مجهزين ومستعدين لاحتمال استخدامها في أي مكان وزمان. إذ طالما صارت معظم المجموعات المسلحة تمتلك سلاحا كيميائياً، فلم يعد من الممكن السيطرة عليه برغم الجهود التي تبذلها الأمم المتحدة والإتحاد الأوروبي”.

استهداف المرافق الطبية

تنشغل الفرق الطبية عادة في أعمال الإسعاف ونقل الإصابات الخطرة إلى مراكز أكثر تقدماً، فيما يسعى مؤتمر طب النزاعات إلى مأسسة التوثيق خلال الحرب، وجعل الإستعداد للتعامل مع الأسلحة الكيميائية وضحاياها في أولويات خبرات وتجهيزات أي فريق طبي. كما يتكثف السعي إلى وضع أسس واضحة لكيفية تعامل أقسام الطوارئ في المستشفيات مع تغير طبيعة الحروب واعتماد التفجيرات الكبيرة التي توقع عشرات أو مئات المصابين.

لكن في المقابل، تجد فرق العمل الطبية نفسها وسط الصراع بين الأفرقاء المتحاربة وهدفا بات سهلاً ومبرراً للمتحاربين تحت عنوان “مكافحة الإرهاب” كما حصل لدى استهداف مستشفى “قندوز” في أفغانستان مؤخراً. قصفت القوات الأميركية المشفى بذريعة استعماله من قبل حركة طالبان بعدما سيطرت على المنطقة التي يقع فيها. و”اعتبر الأميركيون أن تدمير المستشفى هو دفاع عن النفس ضد الإرهاب”، وفق ما يؤكد مدير قسم التحليل الإنساني في منظمة “أطباء بلا حدود” الدكتور جوناثان وتال ل “المفكرة القانونية”.

يقول وتال أن المستشفيات غالبا ما كانت مستهدفة عبر التاريخ. ولكن الذي تغير اليوم “هو تغيّر طرق الحرب وتطور الأسلحة لتصيب بشكل دقيق لدى استهداف أي مركز طبي قصداً”. وبالتالي تم تدمير 83 مستشفى ومركزاً طبياً للمنظمة أو مدعوماً منها في سوريا في العام 2016، وأربعة مستشفيات في اليمن.

يضاف إلى ذلك، وفق وتال، إستخدام الإرهاب “شماعة” لاستهداف هذا المستشفى أو ذاك، بحجة أنه يستقبل أشخاصاً محسوبين على الطرف الآخر- العدو. وعليه تتم الإطاحة بكل القوانين الدولية وأخلاقيات الحروب تحت ذريعة محاربة الإرهاب.

طبياً وانسانياً، يؤكد وتال أن المنظمة تستقبل كل المصابين بغض النظر عن هويتهم وانتماءاتهم وخلفياتهم السياسية والعسكرية. “فقد يحدث أن نكون في اليمن أو سوريا في منطقة تعتبر تحت سيطرة الجيش أو المسلحين، ويستخدم الطرف الآخر القوة المفرطة ضد المنطقة التي يعتبرها عدوة، ويدمر بناها التحتية كافة بما فيها المستشفيات ومراكز الإسعاف”.

ويشدد على مهنية وإنسانية مهنة الطب: “يجب التعامل مع جميع المصابين بمساواة تامة وتقديم العلاج اللازم لهم. فالطبيب ليس قاضياً، وإلا سينهار النظام الطبي بالكامل”.

وعليه، تضع “منظمة أطباء بلا حدود” شعارا على مداخل مستشفياتها يفيد بمنع دخول أي شخص يحمل السلاح. وتتسلح المنظمة بميثاق جنيف الذي يعتبر أن أي جندي أو مقاتل يصاب في المعارك يصبح تلقائيا تحت الحماية وخارج الحرب “ولكن الذي يحصل في بلدان النزاعات الحديثة أن القوانين المحلية هي التي تطبق”. ومع ذلك، يؤكد “وتال” أن “أطباء بلا حدود” توصلت إلى اتفاق مع جميع الأطراف يقضي بعدم المس بأي جريح على سرير المستشفى “ولكن لا يمكننا حمايته خارج المستشفى”.

ويرى أن المشكلة ليست في غياب القانون “لدينا قانون دولي واضح، ولكن لا أحد يطبقه”. من يطبق القانون الدولي؟ يسأل جوناثان، “إذا كان أربعة أعضاء من الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن لهم علاقة مباشرة بتدمير المراكز الطبية”.

نشر في العدد 50 من مجلة المفكرة القانونية

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية