السوريون في جنوب لبنان: تحدّيات النزوح والبقاء


2023-11-27    |   

السوريون في جنوب لبنان: تحدّيات النزوح والبقاء
رسم رائد شرف

لم يكن قد مرّ أسبوعٌ على بدء العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان بالتزامن مع العدوان على غزة في 8 تشرين الأول الماضي، حتى حصدت أربعة شهداء مدنيين على الأقل حينها، بينهم الزميل المصوّر في رويترز عصام عبدالله. في تلك الفترة وتحت تحليق مكثّف للطيران الإسرائيلي، وقف عمّار، اللاجئ السوري، على طريق عام بلدتي رميش-عيتا الشعب بهاتف غير مشحون وبقلب تتسارع دقاته مخافة استهدافه بالطيران الحربي في أي لحظة، بعدما طردته بلدية رميش من منزل صديق لجأ إليه من بلدة عيتا الشعب المتاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة. لحظات الرعب تلك، جعلت عمّار يستعيد قسوة طرده وإذلاله أمام حبيبته ومعها رميه في قلب الخطر: “رُميت هدفًا سهلًا للعدو، لكن الله كتب لي عمرًا جديدًا بمساعدة أولاد الحلال”. قبل يومين من ليلة الرعب التي عاشها عمّار، طُردت والدته أيضًا عند مدخل رميش نفسها، على يد مجموعات من شبان البلدة “تصدّوا” لمحاولة عائلات سورية النزوح إلى رميش، قادمة من عيتا الشعب الملتهبة بنار الاعتداءات المتكررة.

ومن الجنوب إلى البقاع حيث نزح عمر، لاجئ سوري أيضًا، من ميس الجبل للإقامة عند أحد أقاربه في مخيّم الرحمن في تعلبايا، استقبلته مخابرات الجيش اللبناني بإمهاله أسبوعًا لتدبّر أمره وترك المخيم. وما بين الحادثتين، وغيرهما من ضغوطات شتى، تُرك آلاف السوريين في القرى المحاذية لفلسطين، وتلك الخلفية التي دخلت لاحقًا دائرة القصف والاعتداءات، لمصيرهم في مواجهة عدوان إسرائيلي لم يميّز بينهم وبين اللبنانيين. لكن وجد هؤلاء أنفسهم في مواجهة خليط معقّدٍ من أخطار الحرب ومصاعب النزوح في ظلّ تضييق على حركتهم من قبل بعض البلديات والقوى الأمنية، تضييق تبرره الأخيرة بأنه يستند إلى قرارات حكومية وتعاميم لوزير الداخلية.

ولا تكتمل القصة من دون أن نذكر أنّه، ومنذ 8 تشرين الأوّل، كانت العين على اللاجئين السوريين الذين هم جزء من المقيمين في القرى المستهدفة، لكن من دون اعتبارهم جزءًا من البيئة الحاضنة، وهو ما تمظهر في قرارات مستجدّة على خلفية هذه الأزمة، لناحية حظر تجوّل جزئي للسوريين في القرى الحدودية وبعض القرى الخلفية، إضافة إلى التشديد عليهم بمنع التصوير أو التجوّل بين الكروم، فضلًا عن منعهم من استقبال أي ضيف أو وافد، وهي تعليمات وإن شملت  الجنوبيين فبلغة مختلفة تتحدّث عن التعاضد المجتمعي في مواجهة العدوان.

وأضيفت إلى التحدّيات التي يواجهها السوريون، انتشار أخبار مضلّلة، تتّهم بعضهم بالعمالة، وهي بقيت في إطار الشائعات ولم ترصد من مصادر بلدية وجهات حزبية، لا بل على العكس، سارعت هذه الجهات إلى تكذيب اتهامات ضدّ أفراد سوريين طالتهم الشائعات.

يحصل هذا في وقت لا يُستثنى فيه السوريون من نتائج العدوان الإسرائيلي بطبيعة الحال، فقد وثقت وزارة الصحة سقوط 8 جرحى من بينهم منذ 8 تشرين الثاني، كان آخرهم يوم الثلاثاء الماضي، الطفلة السورية آلاء القاسم في استهداف منزلها في كفركلا حيث استشهدت جدتها لأمّها الجنوبية، لائقة سرحان (80 عامًا). كما أغار طيران الاحتلال على سيارة “رابيد” في خراج عيترون، يستقلّها 7 عمال سوريين في طريقهم لتفقّد مزرعة دجاج، سقط بينهم جرحى. وطال القصف منزلًا يقطنه 11 فردًا سوريًا في ياطر، لم ينتج عنه إصابات بل أدى إلى نزوحهم جميعًا مع عدد من الأسر السورية في البلدة.

تشكّل هذه الأمثلة وغيرها من حوادث حصلت مع السوريين من قاطني جنوب لبنان حلقة في سلسلة قصص تحاول “المفكرة” جمعها لتوثيق واقع آلاف اللاجئين من بينهم يحاولون النجاة ليس فقط من دون أن تتوفّر لهم المقوّمات اللازمة لذلك، لا بل يتعثّرون بالمعوقات.

نسب النزوح تتفاوت ولا أرقام رسمية

ارتفعت أعداد السوريين بشكل كبير في الجنوب منذ عام 2011، إلّا أنّ وجودهم يسبق هذا التاريخ إذ لطالما شكّل هؤلاء قوّة عمل في الزراعة وفي البناء سواء  في النهضة العمرانية التي تلت تحرير العام 2000، وكذلك إعادة إعمار ما دمّره عدوان 2006. ومع ذلك، بقيت نسب تواجدهم في القرى الحدودية أقل من المعدل العام لانتشارهم في البلاد، فالفرص الاقتصادية أقل، وهي تصنّف منطقة عسكريّة حيث تنتشر حواجز الجيش اللبناني على الطرق المؤدّية إليها مقيّدة حركة غير اللبنانيين، وطبعًا السوريين خصوصًا أنّ العديد من بينهم بلا إقامات نظامية أو من دون أوراق ثبوتية. وتقول مفوضيّة الأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين إنّ عدد السوريّين المسجّلين لديها في الأقضية الحدودية هو أقل بقليل من 37 ألفًا، ليكون مجموع عددهم في الجنوب 59 ألفًا و159 لاجئًا سوريًا مسجّلًا لدى المفوضية. ورغم أنّ نسب اللاجئين المسجّلين لدى المفوضية في لبنان لا تتخطّى ثلث السوريين الموجودين فعليًا في البلاد بسبب قرار من الحكومة اللبنانية بوقف التسجيل مع المفوضية منذ العام 2015، وهو ما ينسحب على جنوب لبنان، إلّا أنّ مستشار غرفة الكوارث في اتحاد بلديات صور عصام هاشم يخفف من ضخامة الأرقام المتصوّرة في قرى جنوب الليطاني والقرى الحدودية مذكّرًا بالواقع العسكريّ للمنطقة “ما يُبقي الأرقام الحقيقيّة غير بعيدة عن الأرقام الرسمية”، وفق ما يقدّر.

اليوم، فرغت القرى الحدودية من السوريين بمعظمها، وهؤلاء لا تتمّ متابعة أحوالهم، مع غياب أية إحصاءات لبنانية رسمية أو لدى مفوضية شؤون اللاجئين، كما تَبيّن لـ “المفكرة” سواء لجهة عدد النازحين أو الأماكن التي توجّهوا إليها.

وبحسب استقصاء “المفكرة” المبني على مقابلات مع رؤساء بلديات ومخاتير وشهادات ومقابلات مع المقيمين والنازحين من سوريين ولبنانيين، أمكن رسم صورة تقريبية للواقع، إذ تبيّن نزوح نحو 1000 سوري هم جميع المقيمين في عيتا الشعب التي تعدّ أكبر مركز لتواجدهم في القطاعين الغربي والأوسط، ولحق بهم 700 لاجئ سوري من ميس الجبل، فيما توزّعت 100 أسرة سورية كانت في يارين على صور والعاقبية وبيروت، ونزحت 40 أسرة من مارون الراس، وكذلك الأسر الـ 13 التي كانت مقيمة في طيرحرفا إلى بيوت أقارب أو مخيّمات في البقاع. بالمثل تركت الأسر الخمسة في الضهيرة البلدة إلى صدّيقين وإقليم الخروب، وفرَغَت قرى بليدا ورب ثلاثين ومروحين من السوريين، فيما وُثّق بقاء 4 أسر سورية من أصل 70 كانت تقيم في عيترون. تسكن هذه الأسر الأطراف الغربية للبلدة. وتروي سيدة سورية من الصامدين في البلدة فصولًا من الخوف والنوم على أصوات هدير الطيران الحربي الإسرائيلي، وأصوات الغارات والاشتباكات القريبة، فيما لا يزال أبناؤها يتابعون عملهم في قرية خلفية مجاورة لأن التوقف عن العمل “يعني الموت جوعا”، تقول.

وإذ تعتبر نسبة النزوح السوري من هذه القرى شبه كاملة، بينما لا يزال العديد من اللبنانيين فيها، إلّا أنّها تبدو في القطاع الشرقي أبطأ نسبيًا، إذ نزح 70% فقط (حوالي 75 أسرة سورية) من كفرشوبا وحلتا ووادي الخنسا، مقابل 80% من الأسر اللبنانية. وتوزّعت الأسر السورية النازحة من هذا القطاع على صيدا والبقاع وبيروت، فيما غادر بعضها إلى سوريا، فيما انتقلت أسرتان وأسر أخرى من شبعا وكفرحمام إلى الهبارية البعيدة نسبيًا عن خط الاشتباكات.

واستقبلت القرى الخلفية الأقل خطرًا عددًا من النازحين السوريين الذين انتقلوا إلى بيوت يسكنها سوريون، أو وجدوا عملًا عند لبنانيين، كما في جبال البطم، حيث ساهموا في إنقاذ “غلة السنة” من موسم التبغ خوفًا من تطوّر الأحداث. وقصد بعض أخر بلدة صديقين حيث الوجود السوري كبير (نحو 400 أسرة). وفي زبقين التي طالتها الغارات، وهي في العمق الجنوبي، نزح نصف العائلات السورية المقدّرة  بنحو 40 عائلة في البلدة.

السوريون بين الحرب والنزوح والملاحقة الأمنية

التقينا عمار، المطرود من رميش، في برج الشمالي قرب صور، حيث وجد بين أصدقائه من يأويه مؤقتًا، حيث استذكر ليلة طرده بغضب وخوف: “كان الطرد مهينًا وقاسيًا، وصدمتني حقيقة أنّ الحرب والقصف غير قادرين على كسر الحواجز العنصرية”. يخبر أيضًا كيف طُردت أمّه مع 500 سوري على الأقل حاولوا اللجوء إلى رميش مع اشتداد القصف على عيتا الشعب، ليواجَهوا من قبل مجموعات من شبّان البلدة، فعادوا أدراجهم إلى عيتا وغادروا في اليوم التالي. وفي رميش عائلات سورية تقيم وتعمل في مزارع البلدة، لكن شكلّت ليلة منع نزوح سوريي عيتا الشعب شرارة عمليات البحث عن سوريين نازحين في بيوت هؤلاء، وطردهم. من جهته، يدافع رئيس بلدية رميش ميلاد العلم عن إجراءات البلدية، وعن تشكيل مجموعات من الشبّان للأمن الذاتي، قائلًا لـ “المفكرة”: “نحن نطبّق تعاميم وزير الداخلية”، مشكّكًا في الأهداف الحقيقية لنزوح السوريين، متّهمًا إياهم بـ”السرقة والإخلال بالأمن”. لكن رميش نفسها أعلنت عن استعدادها لاستقبال لبنانيين من قرى المواجهة.

ولعلّ أبرز التعاميم التي يشير إليها رئيس البلدية، تنطلق من قرار مجلس الوزراء اللبناني في أيلول الماضي الطلب من وزير الداخلية والبلديات في حكومة تصريف الأعمال، بسام مولوي، “التعميم على البلديات وجوب الإفادة الفورية عن أي تحرّكات وتجمّعات مشبوهة تتعلق بالنازحين السوريين”، من دون أن يكون واضحًا، كيف يكون الهروب من القصف “مشبوهًا”. وقد وسّعت البلدية هامش تفسيرها تعميم الداخلية، لتستحدث مجموعات الأمن الذاتي. وإذ يتّهم رئيس البلدية السوريين النازحين بأنّهم هم من اعتدوا على “شبّان القرية”، تبنّى المجلس البلدي ممارسات الأمن الذاتي ببيان نُشر على الصفحة الرسمية للبلدية في تاريخ 19 تشرين الأول، معتبرًا أنّها في سياق دعم صمود الأهالي وبوجه “النزوح السوري المفاجئ للبلدة”.

وكما في رميش، في القليعة أيضًا، ينشط شبان على مستوى الأمن الذاتي. ونشرت الوكالة الوطنية خبرًا عن توقيف دورية من أمن الدولة – مكتب حاصبيا مرجعيون “ستة سوريين متهمين بسرقة محاصيل الزيتون، بمساعدة شباب بلدة القليعة”. ولعلّ من شأن هذه الواقعة تغذية خطاب التحريض ضد السوريين، إذ أنّهم كما بين اللبنانيين، هناك من يرتكب جرائم سرقة وغيرها، إلّا أنّ التعميم ضدّ السوريين بسبب أفعال أفراد من بينهم، يقتصر على ما يبدو عليهم وحدهم. وهو ما لمسناه في ما قاله نازحون جنوبيون لـ “المفكرة”، من سماعهم كلامًا عن أنّ محاصيلهم الزراعية التي تركوها وراءهم قد تتعرّض لخطر السرقة على يد سوريين.

نزوح إلى  قرى ومخيمات وحديث عن استحداث مخيم

وفق شهادات نازحين سوريين ولبنانيين، وبعض مخاتير بلدات حدودية، كان السوريّون أكثر تردّدًا بالنزوح بسبب خياراتهم المحدودة في استقبالهم، وكذلك التعاميم الرسمية المقيّدة لهذا الاستقبال، ولكن تفاقم وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية دفعتهم إلى تسريع نزوحهم مخافة أن يعلقوا وتتقطّع بهم السبل في القرى الحدودية، لاسيّما في ظلّ الإجراءات الأمنية المتخذة بحقهم وأبرزها حظر التجوّل الجزئي، وطبعًا توقف الأشغال بسبب العدوان.

نزحت أم محمد (مواليد 1968 – ريف دمشق)، إلى كفرا من مارون الراس حيث كانت تعمل ناطورة في  فيلا، فيما يعمل زوجها في ورش البناء. تعبت أم محمد المرهقة والكئيبة من التهجير المتتالي: “هربنا من ريف دمشق، وبيتنا هناك مهدّم، واليوم عدنا مشرّدين، ونأمل أن نعود إلى مسكننا وأن نستأنف عملنا في مارون الراس”. تقول السيدة الخمسينية: “كنا آخر النازحين، بعد أن اقتربت الضربات، وخفنا إن تأخرنا، ألّا يبقى لنا مجال للهرب”. أما أبو وسام (مواليد 1971 – ريف حلب)، فقد نزح مع عائلته من طير حرفا، وأرسل أسرته للإقامة مع أقارب له في البقاع، وظلّ وحده في منزل صديقه في عين بعال قضاء صور.

وإذ توزّع النازحون على معظم المناطق اللبنانية، ولم يُسجّل إخلاؤهم من بيوت استضافتهم غير رميّش، إلّا أنّهم يعانون لدى التوجّه إلى مخيّمات النازحين في البقاع، حيث السلطة للجيش اللبناني. وهناك باتت الخيم المخصصة لأسرة واحدة، تأوي عائلات، فيما تتكرر مداهمات الجيش اللبناني، وترتفع مخاوف النازحين السوريين من طردهم منها. وتخشى ورد (مواليد 2001 – ريف دمشق) مثلًا على أخيها الذي استقبلته مع أسرته في خيمتها، من الاعتقال والترحيل كما حصل مع نازحين سوريين آخرين إلى المخيّم نفسه.

وفي منطقة صور، المقصد الأوّل للنازحين اللبنانيين من البلدات الحدودية، آوت المدارس أقل من 200 نازح سوري، إلى جانب أكثر من 1500 من اللبنانيين، فيما داهمت دوريات من أمن الدولة مخيّمًا قيد الإنشاء للنازحين السوريين في محلة شارنيه – صور، بالقرب من برج الشمالي، فهدمته بإشارة من المدعي العام المالي القاضي علي إبراهيم. من بين هؤلاء المطرودين السورية وداد التي تسكن اليوم مع 7 أسر في بيت واحد، كما قالت لـ “المفكرة” “بعضنا أوراقه غير قانونية، ما يجعلنا نتردد بالتوجه إلى مراكز الإيواء الرسمية”.

في مواجهة هدم مخيم شارنيه، يبرز طرح وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار داخل مجلس الوزراء إنشاء مخيم كبير لاستقبال نحو 90 ألف لاجئ سوري قد ينزحون في حال توسّع الحرب. وبرّر حجار طرحه للمخيم على الحدود اللبنانية السورية، بأنّه “لا يمكننا الترحيب باللاجئين السوريين، لا في المدارس ولا في مؤسسات الدولة، لأنهم لن يغادروا عندما يعود الوضع إلى طبيعته”.

ومع ذلك، ينال السوريون في مراكز الإيواء الرسمية في صور اليوم، كما اللبنانيين، الحد الأدنى من التقديمات. ويؤكد مستشار غرفة الكوارث في صور عصام هاشم قرار استقبال النازحين باختلاف جنسياتهم. وتقول ألين، السورية الثلاثينية التي تقيم مع أسرتها في إحدى هذه المراكز/المدارس إنّ “الجميع يتقاسم القليل المتوفر بمساواة”، لتؤكد أنّ شح المساعدات ينسحب على الجميع، لكنها تتحدث عن مغادرة بعض السوريين للمدرسة مع نزوحهم إليها في الأيام الأولى، بسبب خوفهم من رصد قوى الأمن لهم مع عدم امتلاكهم أوراقًا قانونية.

ويكشف هاشم عن أنّ لا مساعدات خصّصت للسوريين دون غيرهم، ويرى أنّ هيئات الأمم المتحدة “لم تدخل على خط إغاثة النازحين وإيوائهم بعد بشكل فاعل لأنّها تعتقد أنّ الأرقام لا تزال قليلة”. وفيما المساعدات العينية والغذائية هي من منظمات غير حكومية، يؤمّن اتحاد البلديات والصليب الأحمر اللبناني الوقود لمولدات الكهرباء، إضافة إلى أكثر من ألفي فرشة وبطانية اقتصر دور الهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب على تأمينها، جنبًا إلى جنب مع 300 فراش وبطانية، وأكثر من 200 من المصابيح العاملة على الطاقة الشمسية، قدمتها مفوضية شؤون اللاجئين.

السوريون في الجنوب بين السلم والحرب

لم يُطبع التواجد السوري في جنوب لبنان عامة بإشكالات مع المجتمع المضيف كما يحصل في بعض المناطق اللبنانية، لكن ذلك لا يمنع وجود تشدّد من جانب القوى الأمنية والسياسية معهم في بعض المناسبات التي تحاط بطابع أمني مثل عاشوراء أو مهرجانات ومناسبات حزبية، إذ يعودون هنا “الآخر” الغريب الذي يجب الحذر منه وخصوصًا اليوم في زمن الحرب. ويوثق أحمد (مواليد 1996 – ريف حلب) الذي يسكن في ميس الجبل شعوره بأنّه كسوري هو “موضع اتهام”، مع انتشار أخبار على وسائل التواصل الاجتماعي تحذّر من السوريين “وتصوّرنا كعملاء محتملين قد يستفيد العدو من انتشارهم كي يشوا بالمقاومين أو يرسلوا إحداثيات عن المواقع العسكرية”. ويخبر أحمد عن قريب له تعرّض للمساءلة والتحقيق على يد أشخاص عرّفوا عن أنفسهم أنهم من حزب الله، بعد تصويره أماكن مفتوحة من شرفة منزله، قبل أن تتم إعادته إلى منزله. ويؤكد أنّ هذه الحوادث لم تترافق مع توتر مع أهالي القرية: “كانوا متعاطفين معنا ولم نرَ منهم أي سوء أو انتهاك إطلاقًا”. بدوره يضع علي (مواليد 1983- حلب) ما يحصل في إطار شعوره بـ “عدم رغبة في حركة السوريين في المناطق التي تشهد أعمالًا عسكرية، لكني لم أشهد على أي اعتداء أو انتهاك أو تضييق”. وعليه فضّل النزوح خارج الجنوب.

وتقول أم قيس، (مواليد 1978 – ريف دمشق) إنّها نزحت بشكل طوعي من ميس الجبل إلى بر الياس البقاعية، مع أسرتها التي تضمّ إلى زوجها، 3 أطفال، بعد وصول القذائف الإسرائيلية إلى البلدة. وتؤكد أنّها لم تواجه أي اعتداءات أو انتهاكات، بل تؤكد أنّ صاحب البيت الذي تسكنه في ميس قد أعفاها من الإيجار خلال فترة النزوح، وساعدها لاحقًا في جلب بعض الأغراض من المنزل.

الإشاعات والأخبار المضللة تلاحق سوريين

الترويج للأخبار الكاذبة، وإن كان يولّد جوًا عامًا من الخوف وعدم الشعور بالأمان، فإنّه يكتسب منحى جدّيًا وخطيرًا عندما يستهدف شخصًا معينًا، كما حصل مع هيثم الذي يعيش في ضواحي صور منذ ما يزيد عن 10 سنوات. استيقظ هيثم في الأسبوع الثاني من العدوان على خبر مرفق بصورته انتشر على مجموعات واتساب الإخبارية، يدّعي أنّ القوى الأمنية قبضت على “سوري عميل لإسرائيل”. يصف الشاب ذو الـ 26 عامًا ثقل تلك اللحظة، والخوف الشديد الذي انتابه، وخطورة هكذا تهمة، وهشاشة وضعه كشاب سوري: “خفت وما كنت أعرف شو أعمل، ما جاوبت على الرسائل المستفسرة، وأغلقت باب غرفتي بالمفتاح، لأول مرة منذ 9 سنوات”. خلال ساعات قليلة، كذّبت فعاليات حزبية محلية الشائعة كما احتضنه أصحاب عمله وجيرانه الذين يعرفونه جيدًا بالشاب المسالم والطيّب والخدوم. دُحضت الإشاعة، بعد أن انتشر تكذيبها، وتبيّن أنّ أحدهم أحضر صورة هيثم من حسابه على فيسبوك. ورغم ذلك ما زال يحمل الآثار النفسية لهذه الحادثة: “أحيانًَا بخاف من نظرات ناس غرباء ربما شاهدوا الصورة ولم يصلهم تكذيبها، ثم أقول لنفسي: لا يا ولد أنت تتوهم”.

وكما في قصة هيثم، انتشر خبر عن “إلقاء القبض على عميل اسرائيلي في بلدة صديقين الجنوبية سوري الجنسية وبالتحقيق الأوّلي معه اعترف على عميل آخر من الجنسية نفسها”، ونُشرت مع الخبر صورة لرجل سوري، وبعد التدقيق، تبيّن أنّ الخبر شائعة روجّ لها أشخاص على خصومة مع صاحب الصورة. وقد نشرت صفحة البلدة على فيسبوك بيانًا قالت فيه إنّ الخبر “كاذب وغير صحيح، ويجب عدم التعرّض للرجلين السوريين أثناء تجوّلهما في البلدة لأنّهما ليسا عملاء”.

ورُصدت أيضًا أخبار تحذّر من السوريين بشكل عام و”احتمال تعاملهم” مع إسرائيل، في الأسبوعين الثاني والثالث من تشرين الأوّل، كان يتم تداولها عبر مجموعات واتساب، ولكن لم تترافق مع اعتداءات على الأرض، ولم يتفاعل معها الجنوبيون بالعام، وظلّت في نطاق تطبيقات التواصل. هذه الرسائل تضاءل انتشارها لاحقًا، كونها رُوّجِت على مواقع ومجموعات إخبارية غير موثوقة، كانت تستغل فترة اللا يقين التي سيطرت على الأجواء، مع انتشار حالة عامّة من الخوف من أنّ البلد يتّجه نحو عدوان إسرائيلي واسع النطاق. 

هذا هو الواقع لكن ماذا عن المستقبل؟

يغيب نهائيًا ملف السوريين عن خطة الطوارئ الحكومية، ولا ذكر رسميًا لكيفية الاستجابة للحاجات والوضع المستجدّ نتيجة نزوحهم، والمرشّح للتزايد والاستمرار في حال انتهاء الهدنة واستئناف العدوان على غزة وتباعًا على جنوب لبنان. بالتوازي، لا تزال معالم استجابة منظمات الأمم المتحدة لوضعهم كنازحين داخليين غير واضحة. إذ تقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تصريح لـ “المفكرة” إنّها “وبقيادة الحكومة اللبنانية، تنسّق خطط الجاهزية والاستجابة، وذلك بالتنسيق الوثيق مع وكالات الأمم المتحدة والشركاء الآخرين”، وتقوم المفوضية حاليًا “بدعم النازحين في جنوب لبنان بمواد الإغاثة الأساسية، بما في ذلك الفرش والبطانيات الحرارية”، ذلك “بالتعاون الوثيق مع إتحاد بلديات صور وشركاء آخرين”، في إشارة إلى ما قُدم إلى المدارس في صور. وتتحدث المفوضية عن “إعادة تأهيل ملاجئ جماعية للعائلات النازحة (معظمها لبنانية)، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين اللبنانيين واللاجئين السوريين المعنيين”.

لكن شهادة عمر الذي أُعطي مهلة أسبوع لإخلاء مخيّم تعلبايا، تبيّن عدم استجابة المفوضية لحاجات النازحين في العام، إذ يقول إنه تواصل مع مفوضية شؤون اللاجئين ولم يتلقّ المساعدة “بحجّة أنّي مفصول من المفوضية من دون ذكر أسباب الفصل وشرحها لي”. وتقول أم قيس إنّها تواصلت مع المفوضية فور وصولها إلى بر الياس “لكن لم يكن هناك استجابة فيما كنا بحاجة لفرش للنوم على الأقل، وبعد يومين من الاتصال، وعدونا أن يهتموا بملفّنا لكن لم نر شيئًا بعد”.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تحقيقات ، أجهزة أمنية ، الحق في الحياة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية