السنة القضائية 2022-2023 تسدل ستارها في تونس(2): حصيلة السنة الأولى من عهدة هيئة المحامين


2023-08-16    |   

السنة القضائية 2022-2023 تسدل ستارها في تونس(2): حصيلة السنة الأولى من عهدة هيئة المحامين
من صفحة مجلس نواب الشعب (بتصرّف).

تُسدل السنة القضائية 2022-2023[1] ستارها بعد عام استثنائي منطلقُه عدم إجراء الحركة السنويّة بما أنتج شغورات وتعطيل لترقيات ومزيد إثقال الآلة القضائية، ومنتهاه تعيين وزيرة العدل ليلى جفال بمذكرات عمل لقضاة في الخطط القضائية السامية ومواقع متقدمة للنيابة العمومية، وبينهما تم توظيف القضاء بشكل ممنهج في إثارة محاكمات ضد معارضين سياسيين وناشطين وصحفيين، على خلفية ممارستهم للحريات العامّة. هو عام استكمال هجمة السلطة السياسية على القضاء بعد إضعاف الضمانات القانونية لاستقلاليّته.

وهذه السنة القضائية هي الأولى التي اٌفتتحت بوجود المجلس الأعلى المؤقت للقضاء الذي اُرسي على أنقاض المجلس الأعلى للقضاء، وهي كذلك الأولى في ولاية الهيئة الوطنية للمحامين بتونس التي جدّدت هياكلها الخريف المنقضي. ليحلّ بذلك سؤال التقييم لهذيْن الهيكليْن اللّذين يشرفان على شؤون القضاة والمحاماة، جناحا العدالة التي باتت، شيئًا فشيئًا، تحت نفوذ سلطة تنفيذية تزايدت سطوتها في أروقة المحاكم. وفيما استعدنا معالم النكبة التي يشهدها القضاء في مقال نشرناه أمس، نتناول في هذا المقال حصيلة السنة الأولى من عهدة هيئة المحامين (المحرر).

السنة القضائية المنقضية هي، أيضًا، الأولى بالنسبة للهيئة الوطنية للمحامين بتونس بعد تجديد هياكلها إثر انتخاب العميد حاتم مزيو وأعضاء المجلس في سبتمبر 2022، في جلسة عامة انتخابية انعقدت في غير موعدها الطبيعي، أي قبيل العطلة القضائية، وذلك نتيجة قرار فردي للعميد السابق إبراهيم بودربالة لحساباته السياسية الخاصة التي تأكدت لاحقًا بتصعيده لرئاسة برلمان سعيّد ربيع 2023.

ويظهر أن الهيئة المنتخبة أبدتْ اهتمامًا بملفّات المحامين الملاحقين في القضايا السياسية مقارنة بالهيئة السابقة. إذ أدانت الأحكام العسكرية الصادرة ضدّ محامين وبالخصوص حرمانهم من ممارسة المهنة بما يتعارض مع حصرية مسك الهيئة لجدول المحامين، ودعت، للغرض، لمقاطعة التساخير العسكرية لمدة شهر واحد. وفي قضية التآمر على أمن الدولة التي شملت الاعتقالات فيها ثلاثة محامين هم غازي الشواشي ورضا بالحاج ومحمد الأزهر العكرمي، أدان مجلس الهيئة “الإجراءات التي من شأنها أن تنال من الحريات العامة والخاصة” وإنما حصل ذلك بتأخير ما يقارب الشهر من الاعتقال. فقد صدر بيان الإدانة في تاريخ 10 مارس 2023 وبعدما كانت منظمات وطنية عدة بينها اتحاد الشغل ونقابة الصحفيين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أصدروا بيانات مندّدة خلال الأيام الأولى من إثارة هذه القضية. كما يلحظ أن الهيئة تفادت في بيانها، التطرّق للصّبغة السياسيّة للقضية المذكورة.

ومع تصاعد استهداف المحامين، شكّلت الهيئة فريق عمل يضمّ ممثلين للهياكل ومحامين مختصين في القانون الجزائي لمتابعة ملفات المحامين المحالين على القضاء. تباعًا، مثّلت مطالبة كاتب عام الهيئة الأستاذ حسان التوكابري للسلطة بغلق ملفات المحامين المعتقلين في قضية “التآمر” وإطلاق سراحهم موقفًا متقدّمًا، يتقاطع مع بيان مجلس الهيئة وإن لم يشِر صراحة للقضية أو لأسماء المحامين المعنيين.

وفي جرد الحساب بخصوص القضايا المثارة ضدّ المحامين على خلفية ممارستهم لأعمالهم، التي دفعت وزيرة العدل لإثارتها، ترأس العميد المزيو فريق الدفاع في جلستيْ التحقيق مع كلّ من الأستاذين العياشي الهمامي (جانفي 2023) وعبد العزيز الصيد (جوان 2023). وعلى مستوى الندوات التكوينية، لوحظ الاهتمام بمجال استقلالية المحاماة والحريات على غرار اختيار موضوع “المحامي: هياكله واستقلاليته” في ندوة الافتتاح الرسمي لمحاضرات ختم التمرين للسنة القضائية 2022-2023 فضلا عن تنظيم ورشات تكوينية في مجال الحريات[2].

بذلك يظهر إجمالًا وفيما يتعلق بملفات المحامين الملاحقين، أنّ الهيئة، عمادة ومجلسًا، طوتْ، نسبيّا، صفحة تواطؤ العميد السابق بودربالة الذي ساهم بنفسه في تبييض انتهاكاتها وتبرير إثارة القضايا ضدّ زملائه أنفسهم. بيد أنّ تحرّكات الهيئة ظلّت دون مستوى الانتهاكات الممنهجة من السلطة. فهي مطالبة بمزيد من الانخراط الجدي في الدفاع عن المحامين الملاحقين (بما يشمل إصدار بيانات تتضمّن توصيفًا مباشرًا لحقيقة الملفات المفبركة وتحميلًا مباشرًا للمسؤولية لرئيس الدولة مع ممارسة ضغط عملي على السلطة). كما يجب عليها أيضا إنعاش الدور الطلائعي للمحاماة للدفاع عن استقلالية القضاء والديمقراطية والحقوق والحريات، في ظل خفوت حراك الهيئة في نسيج المكونات الحقوقية.

 إذ لم تتفاعل الهيئة بالشكل المطلوب مع الهجمة الممنهجة للسلطة على الحريات العامة، خصوصا حريات الرأي والنشر والإعلام المستهدفة بالمرسوم 54، بما كان يفترض انخراطًا علنيًا وصارمًا يندّد بممارسات السلطة ويدعو لمواجهتها بآليات عملية. وفي هذا السّياق، غاب صوت الهيئة، أيضًا وبالخصوص، في ملف العنصرية ضد المهاجرين من جنوب الصحراء، رغم ما أثاره هذا الملف من تفاعلات لا زالت متنامية داخل تونس وخارجها. ولا خلاف أن خيار الهيئة في تفادي أي تصعيد خطابي مع السلطة تمّ تبريره بدورها في إعداد مبادرة الحوار الوطني مع منظمات وطنية، إلا أنه يبدو أن هذه المبادرة ماتت قبل إعلانها، في ظلّ استماتة السلطة في المضي نحو الاستفراد بإدارة البلاد دون أي شريك أو مفاوض.

الانتقاد ذاته يمكن أن يوجه إلى جمعية المحامين الشبان، المدعوّة لاستعادة دورها الريادي في الحراك الحقوقي بعد تجديد تركيبتها للمدة النيابيّة 2023-2026. فقد كان مكتب الجمعيّة في حالة انقسام حادّ، بين رئيسها وعدد من أعضاء الهيئة المديرة الممثلين للفروع الجهويّة، الذين دافعوا على خيارات متناغمة مع السلطة، من جهة، وأغلبية أعضاء المكتب التنفيذي التي تحوّلت إلى أقليّة داخل الهيئة المديرة، الذين حاولوا التصدي للانتهاكات الخطيرة لضمانات المحاكمة العادلة وضرب استقلال القضاء. وقد أفرزت انتخابات الجمعيّة في 29 أفريل 2023 تجديد الثقة في الرئيس طارق حركاتي، مما يشكّل انتصارا لحلقة العميد حاتم المزيو ويعني تواصل علاقة التناغم بين جمعية المحامين الشبان والهيئة الوطنية للمحامين. في المقابل، تصدّر المحامي الملاحق من القضاء العسكري المهدي زقروبة لنتائج انتخابات المكتب التنفيذي، ضمن تركيبة تضمّ أسماء حقوقيّة ومناضلة أخرى، بما يؤشر إلى تواصل حالة الانقسام داخل هياكل الجمعيّة، على الرغم من حالة الهدنة الظاهرة 

أمّا فيما يتعلّق بالملفات المهنية، فقد بدأت الهيئة عهدتها بامتحان قانون المالية 2023 الذي تضمّن الترفيع في الأداء على القيمة المضافة (TVA) بالنسبة للمهن الحرة، وبينها المحاماة، من 13% إلى 19%. والملاحظ أنه رغم تبنّي الهيئة لهجة خطابية تصعيدية كتنظيم يوم غضب وطني (5/1/2023)، فقد تركّز التصعيد ضد الحكومة باعتبارها من أعدّت مشروع قانون المالية “بصفة انفرادية” مقابل الاكتفاء بتحميل رئيس الدولة “مسؤوليته التاريخية”. وهذا التمايز بين رئيس الدولة والحكومة يعكس سعيًا لعدم التصعيد ضد سعيّد خاصة في سياق إعداد مبادرة الحوار الوطني وهو تأكيد لِخيار بيّن في تفادي أيّ نوع من المواجهة مع رأس السلطة.

فيما لازال، في المقابل، قانون المهنة ينتظر ولادة متأخرة، وهو الذي تصدّر أولويات البرنامج الانتخابي للهيئة التي عقد مجلسها العلمي اجتماعًا حول “الإصلاحات المطلوبة على المرسوم المنظم للمهنة” بتاريخ 10 جوان 2023. وهو ما يطرح السؤال إذا ما كان التجديد التشريعي سيأخذ شكل تعديل لمرسوم 2011 أم شكل قانون جديد. وفي الحالتين سيتمّ عبر مجلس نواب الشعب الذي وإن كان يرأسه عميد سابقٌ للمحامين، فإن عدد المحامين داخله لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، على خلاف هيمنتهم على تركيبة البرلمانات السابقة.

والهيئة الحالية، في الأثناء وفيما ظهر تكريسًا للبدعة المستحدثة من العميد السابق التي فرضها في آخر سنة من عهدته، لم تعقد جلستها العامة العادية قبل بدء العطلة القضائية، وذلك كما جرت العادة طيلة عقود ماضية بتنظيمها أواخر شهر جوان أو بداية شهر جويلية. إذ رحّلتها لتاريخ 8 سبتمبر 2023 أي قبيْل أسبوع واحد من السنة القضائية الجديدة. تأخير ظاهره اجتهاد، وهو يطرح السؤال حول خلفية تبنّيه خاصة وأنه ليس محلّ إجماع داخل الهياكل[3] فضلا عن تعارضه مع المواعيد التاريخية لهياكل المهنة.


[1] تنتهي السنة القضائية 2022-2023 رسميًا بتاريخ 15 سبتمبر 2023 طبق الفصل 38 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلّق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة. وعادة ما يحصل خلط بين تاريخ بداية العطلة القضائية (16 جويلية من كل عام) وبداية السنة القضائية (16 سبتمبر من كل عام).

[2]  مثل ورشة تكوينية حول المرافعات النموذجية في مادة الحقوق والحريات وندوة تكوينية بالتعاون مع المفوضية السامية لحقوق الإنسان حول “المحامي وحرية التعبير”.

[3] عقد الفرع الجهوي للمحامين بمدنين الجلسة العامة الاعتيادية بتاريخ 2 أوت 2023.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، استقلال القضاء ، مقالات ، تونس ، المهن القانونية



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية