السنة القضائية التونسية 2015-2016


2015-09-17    |   

السنة القضائية التونسية 2015-2016

تبدو السنة القضائية 2015-2016 التي انطلقت فعليا في 16-09-2015 وستستمر لغاية يوم 15-09-2016 سنة[1] هامة لجهة أنه ينتظر أن يعرف المشهد القضائي خلالها تحولات كبرى على اعتبار أن الاستحقاقات التشريعية القضائية التي فشلت السلطة السياسية في إنجازها خلال السنة القضائية السابقة رُحِّلت إليها. لكن أهمية الإنتظارات المعلّقة على السّنة القضائية وهي في بدايتها لا تحجب انطلاقتها المتعثرة بفعل ما يعرفه مرفق القضاء في تونس من إشكاليات موضوعية تتفاقم من سنة قضائية لأخرى في ظلّ غياب تصوّرات إصلاحية كبرى.

السنة القضائية 2015-2016 سنة الاستحقاقات التشريعية الكبرى:

في 14-09-2015، أكد رئيس لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب عبادة الكافي أن لجنته أعادت صياغة مشروع قانون المجلس الأعلى للقضاء على ضوء قرار الهيئة الوقتية للرقابة على دستورية مشاريع القوانين. وذكر أن مشروع القانون سيعرض في صياغته النهائية على الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب في أجل لا يتجاوز الأسبوعين[2].وينتظرتالياً أن تشهد بداية السنة القضائية إرساء المجلس الأعلى للقضاء بعد المصادقة على مشروع القانون. ويُنتظر الا تطول آجال تعيين وانتخاب أعضاء المجلس الأعلى للقضاء لارتباط عمل هذا المجلس بالمحكمة الدستورية.

وكان الفصل 148 من الدستور حدّد أجلاً أقصى لإرساء المحكمة الدستورية خلال سنة من تاريخ إجراء الإنتخابات التشريعية[3]، علماً أن تعيين ثلث أعضائها يتم وفق الدستور من قبل المجلس الأعلى للقضاء المزمع إنشاؤها.

وينتظر بالتالي أن ينكب مجلس نواب الشعب بمجرد الانتهاء من المصادقة على مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء على مشروع القانون الأساسي للمحكمة الدستورية على امل النجاح في ارسائها في آجالها ودون خرق مجدد للدستور.

ويتوقع باعتبار الآجال الدستورية أن يفرغ مجلس نواب الشعب من الالتزامات التي تتعلق بإرساء المؤسسات الدستورية القضائية خلال الشهرين الأولين من السنة القضائية 2015-2016.ويفترض أن يعقب ارساء المجلس الاعلى للقضاء والمحكمة الدستورية الاهتمام بسن قوانين اساسية جديدة للقضاء والقضاة علاوة على إيجاد تصورات لإصلاحات تشريعية كبرى لمنظومة القضاء خلال المدة المتبقية من السنة القضائية. لكن ما ينتظر من إصلاحات وتشريعات يبدو خارج إهتمام السلطة التشريعية والحكومة على حد سواء. فقد كشف المزاج السياسي في نهاية السنة القضائية 2014-2015 عن تنامي خطاب معادٍ لاستقلال القضاء في أوساط النخب السياسية. وقد تطوّر هذا الخطاب في سياق الحرب المعلنة على الارهاب والتي بدت وكأنها تستدعي تغليب المقاربة الامنية على أرض الواقع. وسرعان ما تم تظهير أن الأمن يتولى إيقاف الإرهابيين فيما القضاء يطلق سراحهم.

وتالياً، من غير المرتقب أن يجهد مجلس النواب في المرحلة القادمة على صياغة مشاريع تشريعات تدعم استقلالية القضاء.

السنة القضائية 2015-2016 سنة البدايات للمجلس الاعلى للقضاء

كما تقدم، يُنتظر أن تكون السنة القضائية 2015-2016 السنة التي يباشر فيها المجلس الأعلى للقضاء مهامه خلفا للهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي. وسيواجه المجلس الأعلى للقضاء في بداية عهدته مسؤولية تدعيم ما توصلت له الهيئة الوقتية للقضاء من منجزات فيما يتعلق بدمقرطة إدارة مرفق القضاء كما سيكون مطلوباً منه خصوصاً في الأوساط القضائية تجاوز ما ميز عملها من غياب لتراتيب عمل ملزمة ودائمة.

وتبدو مسؤولية المجلس الأعلى للقضاء هامّة في إنضاج تجربة الإدارة الذاتية للقضاء وتوفير ضمانات استقلالية القضاء. وقد يكون تعاطي المجلس الأعلى للقضاء بوصفه جهة اقتراح تشريعية خلال بداية ولايته مع القوانين الأساسية للقضاء وتصور إصلاح مرفق القضاء عاملا محددا في تجسيد مشروع إصلاح القضاء في تونس.

وينتظر ألا تكون مهمة المجلس الأعلى للقضاء في المجال متيسرة خصوصا وأن هذا المجلس سيصطدم بمجرد تركيزه بتحدي إرساء المحاكم المستحدثة خلال السنوات القضائية الماضية في ظلّ ضعف الموارد البشرية وقلة الامكانيات المادية بما قد يجعله يغرق في تفاصيل ادارة الشأن اليومي للقضاء ويبتعد عن مشروع اصلاحه.

تحدي تركيز المحاكم المستحدثة

يُفترض أن تشهد السنة القضائية 2015-2016 إرساء صنفين من المحاكم المتخصصة أولهما الدوائر المتخصصة بالنظر في قضايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان التي ينص عليها الفصل الثامن من قانون العدالة الانتقالية وثانيهما القطب القضائي المتخصص في القضايا الارهابية الذي نص على استحداثه الفصل 40 من قانون مكافحة الإرهاب.

كما أصدرت الحكومة التونسية خلال السنة القضائية 2014-2015 ثلاثة أوامر بعث محاكم استئناف جديدة بكل من باجة والقيروان وجندوبة دون أن يتم إحداثها فعليا بما جعل بعثها استحقاقا مؤجلا للسنة القضائية الجديدة.

سيواجه المجلس الأعلى للقضاء في أول سنوات عمله مسؤولية بعث محاكم متخصصة استحدثها القانون و منها دوائر العدالة الانتقالية التي يبدو أن السلطة السياسية لم تعد ترغب في تركيزها بفعل الصراع القائم بين هيئة الحقيقة والكرامة والحكومة. كما سيكون مطلوبا من المجلس أن يعدّ لافتتاح ثلاث محاكم استئناف جديدة في ظل تهرم قضائي بات يلقي بثقله على القضاء التونسي وسيكون من تحديات السنة القضائية الجديدة.

تهرم قضاء شاب، ظاهرة تحتاج حلولا:

تتمثل ظاهرة تهرم القضاء التونسي في تراجع نسبة قضاة الرتبة الاولى مقارنة بعموم القضاة وإرتفاع نسبة قضاة الرتبتين الثانية والثالثة. وقد انطلقت هذه الظاهرة بداية السنوات القضائية الثلاث الاخيرة كأثرمباشر لاعتماد مبدأ الترقية الالية في ادارة المسار المهني للقضاة. وقد سجل تهرم القضاء مع بداية السنة القضائية 2015-2016 تطوراً نوعياً تمثّل في تسجيل تطور سلبي في عدد قضاة الرتبة الاولى تشهده المحاكم التونسية لأول مرة منذ بعث المعهد الاعلى للقضاء.

تمّت بمناسبة الحركة القضائية لسنة 2014-2015 ترقية 86 قاضيا من الرتبة الأولى إلى الرتبة الثانية، ولم يتم في مقابل ذلك تعيين قضاة جدد في الرتبة الأولى. وتراجع تبعا لذلك عدد قضاة الرتبة الاولى من 764 الى 678 قاضيا. كما شهدت السنة القضائية 2014-2015 عودة للتمديد لمن بلغ من القضاة سن التقاعد بمباركة من الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي. وينتظر أن يتدعم اتجاه استبقاء من بلغوا سن التقاعد في حالة مباشرة بفعل ما ينتظر من قرب صدور قانون جديد يمدد سن التقاعد لخمسة وستين عاما بالنسبة لمختلف موظفي الدولة ومنهم القضاة. وسيعرف القضاء بالتالي بداية من السنة القضائية 2015-2016 تضخما غير مسبوق في قضاة الرتبة الثالثة سيصبح معه في بحر الخمس سنوات القادمة نصف عدد القضاة في الرتبة الثالثة مقابل انكماش في نسبة قضاة الرتبة الاولى مقارنة بعموم القضاة. ويطرح تراجع عدد قضاة الرتبة الاولى تحديات في عمل المحاكم خصوصا وان القضاء التونسي يعتمد بشكل كبير على القضاء الجماعي، فيما يؤدي تضخم عدد قضاة الرتبة الثالثة دون مراجعة لتنظيم عمل المحاكم لتطور بيروقراطية قضائية تفتقد الحماس للعمل.

مقرات المحاكم استمرار وضع سيء وحلول مؤقتة تدوم :

طرحت الحكومة التونسية خلال العطلة القضائية طلب عروض لكراء مقر جديد للمحكمة الابتدائية بتونس. وينتظر تبعا لذلك ان تكون السنة القضائية 2015-2016 السنة التي تنهي علاقة تاريخية بين المحكمة الابتدائية بتونس و"باب بنات"[4]عنوانها قصر العدالة. لم تهتم الحكومات المتعاقبة بعد الثورة وقبلها بصيانة "قصر العدالة". وأدت عوامل الرطوبة وقدم البناء لتداعي أجزاء منه. قد تكون "الرغبة في صيانة المحكمة وفق قواعد معهد التراث وضوابطه من أسباب قرار هجر مقر المحكمة وان كانت اعتبارات تتعلق بأمن المحاكم قد ساهمت فيما يبدو بشكل أهم في اتخاذ قرار"الرحيل". وتتمثل هذه العوامل اساساً في صعوبة تأمين مقر المحكمة.

قد يؤدي  كراء مقر جديد لمحكمة تونس الإبتدائية لحلّ مشاكل المقرّ القديم. إلا أنّ النظر في تجربة كراء مقرّات المحاكم بتونس يكشف أنّ الحلّ المعتمد ينذر بالخروج من حالة إستقرار سيء إلى وضعية لا تقلّ عنه سوءاً عنوانها الأبرز المؤقت الذي يدوم والمكوث بغير مقام.

أعاد عرض كراء مقر جديد مؤقت لمحكمة تونس الابتدائية الى الذاكرة تجربة محكمة ناحية تونس. فقد تمّ نقل محكمة ناحية تونس خلال ثمانينات القرن الماضي من مقرها الأصلي الذي يقع في خلفية وزارة العدل لصيانته مؤقتا إلى مقرّ لا يتوفّر على قاعات جلسات يقع حذو مقر المحكمة الابتدائية بتونس. لكن الحالة المؤقّتة استمرّت أكثر من عشرين عاماً ولم تنتهِ الا بعد أن تداعى المقر المؤقت للسقوط. وفي إثر ذلك، غادرت محكمة ناحية تونس مقرّها المؤقت الى مقرٍّ مؤقت جديد أكثر سوءاً لا يضم بدوره قاعات جلسات ويقع في طابق علوي مرتفع ببناية مصعدها معطب بشكل دائم ومكاتبها مظلمة. يستمر به عمل محكمة ناحية تونس دون التفات لعدم قدرة المتقاضين المسنين والمعوقين على الوصول لمكاتب موظفيها والقضاة ودون اعتبار لكون العمارة التي تضم مقر المحكمة لا تصلح لان تكون مقرا لاهم محكمة ناحية بالبلاد التونسية.

ستشهد محاكم العاصمة تونس خلال السنة القضائية 2015-2016 حالة تشتت جديدة تتمثل في البعد الجغرافي بين مقرات المحاكم مع ما يؤدي له ذلك من صعوبات في العمل بالنسبة للمتعاملين معها و خصوصا منهم المحامين الذين سيصبح أداؤهم لمهامهم أكثر صعوبة بنتيجة ذلك.

ويبدو في بعد آخر إنتقال المحكمة الإبتدائية بتونس من مقرّها الذي يقع وسط العاصمة وعلى مقربة من المدينة العتيقة الى أحد الأحياء الإدارية الراقية في أطراف العاصمة عامل حيرة سيميّز السّنة القضائيّة الجارية بالنسبة لكتبتها وأعوانها. فيستقرّ أغلب أعوان المحكمة الإبتدائيّة بتونس بمحلات سكنى على مقربة من مقر المحكمة تجنباً لمصاريف النقل وبحثا عن حسن تصريف مواردهم المالية المحدودة. وقد يؤدّي انتقال المحكمة لخارج إطارها المكاني الاصلي لتشويش توازن ظروف معيشة أعوان المحكم بما يطرح السؤال حول التزام مؤجرهم أي وزارة العدل بتوفير وسائل نقل لهم تمنع تحول الانتقال للمقر الجديد إلى عقوبة بالنسبة لهم و لأسرهم. كما قد يكون انتقال المحكمة سببا في تفقير عدد من التجار ومسدي الخدمات الذين انتصبوا حول المحكمة وصنعوا خصوصية مكان أساءت الدولة الحفاظ عليه.

حملت السنة القضائية 2015 -2016 منذ أيامها الاولى هواجس ومخاوف لأعوان المحكمة الابتدائية بتونس. وتجاوز الهاجس الاجتماعي اعوان المحاكم ليكون مساحة مشتركة بين مختلف المتدخلين ولم يخرج القضاة عن القاعدة  

هاجس عدم الاستقرار

يباشر القضاة الذين شملتهم الحركة القضائية للسنة القضائية 2014-2015 عملهم والحركة القضائية لم تنشر بعد بالجريدة الرسمية. ويؤدي إهمال نشر الحركة في آجالها إلى تعطيل الحسم في مطاعن القضاة على حركتهم القضائية مع ما يعنيه ذلك من عدم استقرار للعمل في المحاكم وبالنسبة للقضاة.

كما انطلقت السنة القضائية الجديدة في ظلّ ازمة حادة بين أجهزة الامن والقضاء على خلفية شكوى تقدم بها قاض ضدّ مسؤول أمنيّ اتهمه صلبها بكونه تولى الاعتداء عليه. وقد قررت المحكمة الابتدائية بزغوان إصدار بطاقة ايداع بالسجن في حق العنصر الأمني لكن قوات الأمن امتنعت عن تنفيذ القرار القضائي. ويطرح هذا الإمتناع السؤال حول نفاذ سلطة القانون في تونس.

ويذكر في سياق الإشارة لثقافة القبلية القطاعية التي باتت سائدة أن السنة القضائية 2015-2016 ستشهد المؤتمرات الانتخابية لعمادة المحامين ولجمعية القضاة التونسيين مع ما قد تؤدي له الأجواء الانتخابية من تطور لمزاج الصراع القطاعي بين جناحي العدالة، هذا الصراع الذي ميز السنوات القضائية السابقة واثر سلبا في عمل القضاء.

تبدو السنة القضائية 2015-2016 سنة مهمة في تاريخ القضاء التونسي باعتبار أهمية استحقاقاتها  لكن خامس سنة قضائية بعد الثورة كشفت ومنذ بدايتها عن أزمة هيكلية عميقة يشهدها القضاء التونسي يصعب إيجاد حلول لها في ظل تراجع الخطاب الداعم لاستقلال القضاء.


[1]ينص الفصل 38  جديد من القانون الاساسي عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14-07-1967  المتعلق بالنظام الاساسي للقضاء على ان السنة القضائية على ان السنة القضائية تنطلق يوم 16-09 من كل سنة وتستمر لغاية 15-09 من السنة الموالية .
[2]مشروع قانون المجلس الاعلى للقضاء أمام الجلسة العامة بمجلس نواب الشعب  صحيفة الشروق التونسية 14-09-2015
[3]اجريت الانتخابات التشريعية بتاريخ 26-10-2014 واعلن عن نتائجها النهائية يوم  21-11-2014 ويكون باعتماد تاريخ الانتخابات يوم 26-10-2015 اخر اجل لارساء المحكمة الدستورية فيما يكون ىخر اجل باعتماد تاريخ التصريح بالنتائج النهائية وهو تاويل اعتمده مجلس نواب الشعب سابقا في المجلس الاعلى للقضاء يوم 21-11-2015                                                                                       
[4]من انهج العاصمة تونس يربط المدينة العتيقة بامتدادها الحضري يقترن ذكر تسميته في الذهنية العامة بالمحكمة الابتدائية بتونس التي تسمى في الاصطلاح العامي محكمة باب بنات
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، تونس ، مجلة تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية