السرديّات حول قضيّة إيلّا طنّوس بين الخطأ الطبّي والخطأ القضائي


2021-05-18    |   

السرديّات حول قضيّة إيلّا طنّوس بين الخطأ الطبّي والخطأ القضائي

أعلنت محكمة استئناف الجنح بتاريخ 5 أيار 2021 مسؤولية مستشفيين وطبيبين عن الخطأ الطبي الذي أدى إلى بتر أطراف الطفلة إيلّا طنّوس وحكمت عليهم بالتضامن بتسديد تعويضات لصالح هذه الأخيرة ووالديها قاربت 750 ألف دولار أميركي وفق سعر الصرف المعمول به. وقد استند القرار إلى تقريرين صدرا تباعاً عن اللجنة الطبية داخل نقابة الأطباء وعن لجنة تحقيق طبية رأسها نقيب الأطباء الحالي شرف أبو شرف وشارك فيها عدد من الأطباء اللبنانيين والأجانب. وقد حصل هذا بعد سبع سنوات من المنازعات القضائية، وبعدما رفضَتْ المُستشفيات والأطبّاء المدّعى عليهم دعوات متكرّرة من القضاء لإجراء مصالحة في هذا الخصوص. وقد شكّل هذا القرار فور صدوره مادة جدلٍ واسع على وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي، وبالأخص على صفحات الأطباء وبعض المسؤولين المعنيين بالشأن الطبي. 

وبمتابعة هذا النقاش، أمكن تصنيف المواقف والسرديّات التي رشح عنها هذا الجدل ضمن ثلاث سرديّات، هي الآتية: 

  • الفئة الأولى تمثّلتْ في تحويل القضيّة من خطأ طبّي إلى خطأ قضائي وغالباً ما ركّزت على المزاج العام النقديّ للقضاء،   
  • الفئة الثانية لم تركّز على مضمون القرار إنّما على أبعاده وتأثيراته وبخاصّة على الجسم الطبي. وبحسب هذه السرديّات، فإنّه بمعزل عن احتمال وجود أخطاء فيه، بدا القرار عاملاً إضافياً يسهم في إحباط الأطباء وتهجيرهم أو يثنيهم عن المشاركة في الأعمال الطبيّة الخطيرة التي تتطلّب مهارة خاصّة، كما جاء في بيان نقابة الأطباء،
  • الفئة الثالثة على العكس من ذلك تماماً رحّبت بالقرار الذي انتصر لإيلّا وعائلتها، في موازاة اعتباره منعطفاً على صعيد الأخطاء الطبية التي غالباً ما بقيت بمنأى عن المساءلة. وقد ترافقت بعض المواقف ضمن هذه الفئة مع تنديد بردود الأفعال الصادرة عن الجسم الطبي التي ارتقت إلى مستوى التدخّل بالقضاء.  

يشار إلى أنّه لم تصدر مواقف علنيّة في هذا الخصوص عن الأحزاب المشاركة في البرلمان والحكومة فيما فضّل معظم المعنيين مباشرةً بالقطاع الصحّي “نأي الملف عن الإعلام”.

أكبر الصامتين 

في حين اشتدّ النقاش العام حول الحكم في قضية الطفلة إيلّا، آثرت مراجع رسمية وغير رسمية معنيّة مباشرة عدم إبداء موقف: وزير الصحة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن تمنّى “النأي بتداعيات القرار القضائي لملف الطفلة إيلّا طنوس عن الإعلام”. ونوّه من جهة، بـ”الدور الاستباقي للمؤسّسات النقابية في الحدّ من النزاعات وتطوّرها قضائياً”. وأشار من جهة أخرى إلى ثغرات في النظام الصحّي اللبناني “ما يستدعي تعزيز أقسام العناية الفائقة بالأطفال في المستشفيات في مختلف المحافظات، كما السير قدماً باستراتيجية اللامركزية الصحية التي تحدّ من نقل الحالات الحرجة من منطقة إلى أخرى”. لكن الإشارة هذه إلى الثغرات في القواعد والنظم المسيّرة كانت خجولة من باب رفع العتب وتأييد موقف النقابة، لم تستتبع أي طرح أو رؤية لإيجاد حلول، لا قانونيّة ولا تنظيميّة ولا إجرائيّة، كما لم تنل أدنى اهتمام رغم أهميّتها. 

من ناحية أخرى بقي النواب بعيدين عن القضيّة، وبخاصّة النوّاب المعنيين بالملف الصحي، مثل ماريو عون مقرّر ​لجنة الصحّة النيابية وفادي علامة العضو في اللجنة. وكان رئيس اللجنة النائب عاصم عراجي اكتفى في 5 أيار بالتغريد حول الضائقة المادية التي يعاني منها الناس وعدم قدرتهم على الطبابة والاستشفاء.  

كما لوحظ صمت تام للأحزاب المشاركة في البرلمان أو الحكومة، بما يعكس تخوّفها من الخوض في مسائل اجتماعية خلافية. وقد لوحظ انقسام التيار الوطني الحرّ بين فريق قانوني رحّب بالحكم، وفريق آخر طبّي اعتبره غير منصف كما نبيّن ضمن السرديّات أدناه. أما أحزاب المعارضة، فقد أبدى بعضها موقفاً من خلال ائتلاف استقلال القضاء من دون أن يصدر أيّ منها مواقف منفصلة. 

من جهة أخرى، لم يبدر عن مجلس القضاء الأعلى أو نادي قضاة لبنان أي موقف. 

الفئة الأولى: “خطأ قضائي وليس طبياً”

في حين ذهبت العديد من المواقف إلى اتّهام القضاة بالتأثّر بالإعلام الذي حوّل القضية إلى قضية شأن عامّ، لم يجد البعض حرجاً في كيل اتهامات للقضاء عموماً الذي لا ثقة لا فيه ولا في أحكامه. وغالباً ما ترافقت سرديّات هذه الفئة مع اتّهام للعامّة وللقضاء بالجهل في الشؤون الطبية. 

تمثّل أهم المواقف في هذا الخصوص في البيان الصادر في 7 أيّار عن اللجان الطبية في 31 مستشفى لبنانياً الذي اعتبر أنّ القرار الصادر “يفتقر لأي أساس علمي وطبي، مبتعداً ومتجاوزاً في ذلك رأي  لجنة التحقيق في نقابة أطباء لبنان”. بالتالي أعاد هذا البيان النقاش إلى المربّع الأوّل رافضاً الاعتراف بالأخطاء الطبيّة والإهمال من قبل بعض المستشفيات. ورأى البيان أنّ الحكم يعدّ إساءة لا بل تهديداً للطبيب ومهنة الطب بشكل عام، مطالباً نقابة الأطباء بالوقوف في وجه كلّ حكم جائر بعدما أشار صراحة إلى تقصيرها في التصدّي للموضوع بشكل فعّال منذ البداية. وإذ لم تجد نقابة الأطباء وبالأخص النقيب أبو شرف حرجاً في تنزيه الأطباء والمستشفيات من أي خطأ في ظلّ استناد القرار إلى تقارير طبية صادرة عنهما، فإنّها وجدت ضالّتها في ضخامة التعويضات المحكوم بها والتي لا تتوافق مع المعايير الاقتصادية الراهنة في لبنان وتشكل “عنفاً مادياً” على الطبيب الذي لن يستطيع تسديدها. وقد وصلت تبعاً لذلك إلى صبغ الحكم بالاستنسابي، بخاصّة بعدما ربطت بين حزم القضاء فيه وعدم صدور أيّ قرار في قضية تفجير المرفأ، وذلك نظراً لكون رئيس المحكمة التي أصدرت القرار في قضية إيلّا هو نفسه المحقق العدلي في قضية المرفأ.   

في الاتجاه نفسه، غرّد مدير مستشفى رفيق الحريري، المحاضر في الجامعة الأميركية، فراس الأبيض: “كم كانت المهنة أسهل لو عطّلنا ضمائرنا، وتجنّبنا علاج الحالات المستعصية، لكنّه زمن رديء، يحاسب فيه من بذل وأعطى، ويحتفل فيه بمن تخلّى عن مسؤولياته”. كما استغرب رئيس الهيئة الوطنية الصحية والنائب السابق اسماعيل سكرية في تصريح “الحكم القضائي في قضية الطفلة إيلّا طنوس الذي جاء أقرب إلى الانفعالية منه إلى الحكمة والعدالة المستندة إلى الحقائق العلمية للموضوع، إذ ركّز القضاء على مأسوية المشهد الأخير للطفلة الحيّة المعطلة الذي لا يعوّض بمال مهما بلغ دون التدقيق في مراحل المرض وتراكم أسبابه”. كما انتقد الوزير السابق محمد جواد خليفة القرار بشدّة في حديث لوكالة “أخبار اليوم”، مضيفاً: “بالنسبة إلى الطفلة طنّوس، فهي كانت تعالج عند طبيب مشهور، وقد عالج الآلاف من الأطفال وقد أدخلها مستشفى المعونات حين رأى ضرورة لذلك”، وتابع “ما حصل في الجامعة الأميركية، كان بمنتهى المسؤولية المهنية والأخلاقية، وأيضاً بمستوى تحمّل المسؤولية” ثم قال “كان التركيز مع الطفلة على إنقاذ حياتها بالدرجة الأولى بغض النظر عن عوارض أو مشاكل جانبية كانت تنتج عن العلاج، في حين أنّ وقف العلاج كان سيؤدّي حتماً إلى إنهاء حياتها”. ويلحظ أنّ هذه السرديات لم تذهب بالضرورة إلى إنكار أيّ خطأ طبي، حيث ذهب بعضها إلى الدفاع عن الأطباء فقط أو عن مستشفى دون آخر. أبرز هذه المواقف بدر عن وزير الصحة السابق وائل أبو فاعور على تويتر معتبراً أنّ القضاء أنصف إيلّا، وطالب بالاعتذار منها من قِبل “من عاب علينا اتّخاذ الإجراءات حينها في وزارة الصحة”، ثمّ علّق في تغريدة أخرى محيّداً مستشفى الجامعة الأميركيّة عن الخطأ الطبي “عندما وصلت إلى #مستشفى_الجامعة_الاميركية تمّ إنقاذ حياتها بأعجوبة لكن  الضرر الذي يصعب رفعه كان قد حصل”.   

علاوة على هذه المواقف، أصدر العديد من الأطباء تعليقات معبّرة على صفحاتهم ذهبت في الاتجاه نفسه، سنكتفي هنا بإيراد بعضها. إحدى الطبيبات علّقت في تغريدة “انتو أخدتوا سردية إعلامي فاسد”، مشككة في الوقائع العلمية والطبية التي تمّ الاعتماد عليها، وتابعت أنّه تمّ تضليل الناس قائلة: “يا ريت حدا منكن واعي لعواقب اللي عم تعملوه. الله يسترنا ويستركن!” طبيب آخر من الجامعة الأميركية غرّد: “سلّملي عالقضاء”، ليضيف “حكمتم عالأطباء كإعلاميين وحوّلتوها قضية رأي عام وانجرّ القضاء معكم”، ثم تابع “خطأ طبي؟ أين الدليل على ذلك؟ الحلّ الوحيد لحالة إيلّا كان هذا الخيار. صدقني ما بحبوا الأطباء يبتروا أطفال إذا مش مضطرين”. طبيبة أخرى غرّدت أنّ التقارير النقابيّة غير شفّافة والإعلام منحاز افترائي والقضاء مسيّس يحمي أشباه الأطباء ودكاكينهم. طبيب آخر غرّد: “منْ أخلاقِ الجاهلِ، الإجابةُ قبلَ أنْ يسمعَ، والمعارضةُ قبلَ أنْ يفْهَمَ، والحُكْمُ بما لا يعلمُ”. كما وردت تغريدات أخرى لأطباء جاء فيها أنّ القرار “شعبوي” أو أنّه تمّت محاكمة الأطباء “كما الدواعش”. عدد من الأطباء اكتفوا بمشاركة هاشتاغ #كلنا_رنا_شرارة وهاشتاغ #كلنا_عصام_معلوف لكن من دون خوض الجدل. وفي حين ذكّر البعض هؤلاء الأطباء بأنّ القرار استند إلى تقارير صادرة عن لجان نقابية ومنها لجنة ترأسها نقيب الأطباء الحالي شرف أبو شرف، عمد بعضهم في تغريدات عدّة إلى التّمييز بين النقابة التي تمثل الأحزاب السياسية والجسم الطبّي الذي وحده يعبّر عن مصالح الأطباء.   

الإعلامية رنا معوّض خصصت على موقع “جريدة النهار” حلقة بهذا الشأن. وباشرت الحلقة بالكلام حول جهل الرأي العام، وكيف الجميع في لبنان يعتبر أنّه ملمّ بكل المواضيع. وقالت: “من المؤسف أنّه حين يكون لدينا اختصاصيون من النخبة، ألّا نلجأ إلى رأيهم ونطلق الأحكام ثمّ نذهب إلى الطرقات وإلى وسائل التواصل الاجتماعي لإدانة الناس عن حق أو غير حق”. وفيما لم يتّضح لنا ما الذي قصدته الإعلاميّة معوض بـ”إدانة الناس” و”النزلة على الطرقات ووسائل الإعلام”، تابعت أنّ الحكم كان “حكم الرأي العام”، وأنّ “من ظلم الطفلة هو قدرها لا الأطباء”، وركّزت معوّض في كلامها على أخلاقيات الطبيبيْن وإنسانيتهما ودرجاتهما الأكاديميّة. لكن بدل الكلام حول القضيّة نفسها كان الكلام حول البكتيريا التي تسبّبت بفقدان إيلّا أطرافها، حيث استضاف في الحديث عنها كلّ من رئيسة جمعيّة طب الأطفال ماريان مجدلاني الاختصاصي بالأمراض الجرثومية والمعدية عند الأطفال غسان دبيبو. وللمصادفة فإنّ كلا الطبيبين هما من العاملين في مستشفى الجامعة الأميركية. ودار معظم النقاش حول مدى شراسة البكيتريا.

كما دخل على خطّ الجدل القاضي السابق بيتر جرمانوس، فاعتبر في تغريدة أنّه لا يحقّ للقضاء الجزائي توقيف طبيب بسبب خطأ طبّي ونعت القرار بالشعبوي الذي يجاري الرأي العام. 

ويجدر التذكير هنا بأنّها ليست المرة الأولى التي يتصادم فيها الجسم الطبي مع القضاء في هذه القضية. ففي عام 2015، كانت نقابة الأطباء في بيروت شنّت حملة إعلاميّة مضادّة ضدّ الإجراء القضائي بتوقيف الطبيب عصام معلوف، معلنة الإضراب والامتناع عن استقبال المرضى إلّا في الحالات الطارئة، ما لم يتمّ الإفراج عن معلوف. كما رفضت النقابة إحالة الطبيب إلى مجلس تأديبي مطالبة والد إيلّا بإسقاط الدعوى حتى يحيلوه إلى مجلس تأديبي.

كما يجدر التذكير هنا وقبل الانتقال إلى الفئة الثانية من السرديات بما قاله نقيب الأطباء أبو شرف (بصفته رئيس لجنة تحقيق طبية في القضية) في مقابلة مع تلفزيون “الجديد” في  16 آذار 2019: “صار أخطاء في المعونات نعم وذكرناها، صار أخطاء بأوتيل ديو نعم وذكرناها، ولكن الخطأ الأكبر كان مع الأسف في الجامعة الأميركيّة، وهم يحاولون التغطيّة على هذا الخطأ والتهجّم علي على نحو شخصاني”. ولدى سؤاله عن الخطأ الذي ارتكبه مستشفى الجامعة الأميركية قال “خطأ في العلاج وخطأ في التشخيص، تأخّروا 8 أيام حتى اكتشفوا أنّ التشخيص خاطئ والعلاج خاطئ، وهو أمر بات علنياً في الملف”. وأضاف أبو شرف “نتأسّف أنّ القضاء يأخذ وقته، هذه الأمور لا تحتاج كل هذا الوقت حتى يبتّ فيها”، وانتهى بالقول إنّ الخطأ يحصل ولكن المهم التعلّم منه كي لا يتكرّر.  

الفئة الثانية: “القرار يفاقم أعباء الجسم الطبي ويهدّد بتهجيره”

اتّصلت الفئة الثانية من السرديّات ليس بمضمون القرار ولكن بشكل خاص بأبعاده. فأجمعت على أنّه بمعزل عمّا إذا كانت المحكمة ارتكبت خطأ في تقييم الأداء الطبي في القضية، فإنّ للقرار الصادر عنها أبعاد خطيرة جداً على العمل الطبي في لبنان، وتالياً على الحق في الصحة للمواطنين كافة. ومن هذا المنطلق، يصبح من الضروري، وفق هذه السرديّات، إبطال هذا القرار أو الرجوع عنه بطريقة أو بأخرى. 

أبرز المواقف في هذا الخصوص، الموقف الصادر عن نقابة أصحاب المستشفيات، حيث اعتبرت أنّ مبلغ التعويض المحكوم به “فاحش” وأنّ العلاقة بين المؤسّسات الاستشفائية والمريض بعد هذا الحكم لن تكون كما كانت من قبله. وفي حديث إذاعي، لفت نقيب أصحاب المستشفيات الخاصّة سليمان هارون إلى “أنّنا إذا سلّمنا جدلاً بأنّ من الممكن أن يكون هناك خطأ من قبل المستشفيات، فالعقوبات الواردة في القرار غير مسبوقة في لبنان، ولا تتناسب مع الوضع المالي والاقتصادي الّذي نشهده”، مركّزاً على أنّ “الأرقام هائلة ولا يستطيع الأطبّاء والمستشفيات تحمّلها، وسيكون لها تأثير سلبي مستقبلاً على العلاقة بين المستشفيات الأطبّاء من جهة، والمرضى من جهة ثانية”.  

في الاتجاه نفسه، ذهبت نقابة الأطبّاء في مؤتمرها الصحافي المنعقد في 7 أيّار. ففين حين سلّمت النقابة بوجود خطأ طبي، حصرت انتقادها للقرار بقيمة التعويضات كما سبق بيانه، قبل أن تنطلق من ذلك في اتجاه الحديث عن أوضاع القطاع الصحي والصعوبات التي يمرّ بها ومخاطر صدور حكم كهذا في أوضاع كهذه. وقد ذهب البيان حدّ التحذير من أنّ مثل هذه الأحكام سيؤدّي إلى الإضرار بصحة الناس عبر تهرّب الأطباء لاحقاً من معالجة الحالات الصعبة وإلى ثني الأطباء “ذوي الخبرة العالية عن المشاركة في الأعمال الطبيّة الخطيرة خشية الإساءة إلى سمعتهم”. لا بل ذهب البيان حدّ الإيحاء بأنّ من شأن القرار أن يعزّز توجّه الأطباء إلى الهجرة. طبيب جرّاح في الجامعة الأميركية كان استبق بيان النقابة بتغريدة جاء فيها “أنه بعد القرار في قضيّة إيلا لن يجد المرضى ذوي الحالات الحرجة من يخاطر للقيام بما هو صائب، هذا إذا ما وجدوا من طبيب باقٍ في هذا البلد”. 

في الاتجاه نفسه، رأت هيئة الأطباء في “التيار الوطني الحر” في بيان، أنّ القرار القضائي “ركّز على الخطأ الطبي وتغاضى عن نوعية الجرثومة والمضاعفات الطبية”. وردّدت ما قالته نقابة المستشفيات حول القرار بأنّه “سوف يحدث تغييراً جذرياً في النظام الصحّي اللبناني وسوف يؤثر سلباً على نوعية الخدمات الطبية، نظراً لضخامة مبلغ التعويض”، متحدثة عن المفاعيل  السلبيّة للقرار على صحة المرضى”. 

الفئة الثالثة: منعطف لإنصاف ضحايا الخطأ الطبي 

في مقابل هاتين الفئتين من السرديّات اللتين التقتا بشكل عام على إدانة القرار القضائي والعمل على إبطاله، برزت سردية ثالثة تناولت القضية من منظور مختلف تماماً. فهذه السردية رأت أنّ القرار يشكّل منعطفاً في اتّجاه وضع حدّ لإفلات الأخطاء الطبية من المحاسبة وإنصاف ضحاياه. بعض الذين قاربوا القضية من هذه الزاوية ذهبوا للتنبيه من خطورة البيانات والمواقف التي اتخذتها نقابتا الأطباء وأصحاب المستشفيات الخاصّة على خلفية مسّها بمبدأ الفصل بين السلطات والنظام القضائي ككل.  

أبرز المواقف في هذا المضمار تمثّل في البيان الصادر عن ائتلاف استقلال القضاء تحت عنوان: “حماية مصالح الأطباء المشروعة لا تتم بإنكار حقوق الضحايا”. فبعدما رحّب الائتلاف بالمنعطف الذي حقّقه الحكم في اتّجاه إخضاع النظام الطبّي للمساءلة وبخاصّة في اتّجاه إنصاف ضحايا الأخطاء الطبية، أشار إلى أنّه ليس لأحد استدعاء السلطة التنفيذية أو حتى التشريعية للتدخّل في القضاء في اتّجاه كسر أحكامه، أو إعلان إضراب القطاع الصحّي بما يمسّ بحق الصحة ويأخذ المرضى رهائن في معركة هم أبرياء منها. وبعدما حذر من خطورة تعميم مسؤولية القضاة أو تعميم لا مسؤولية الأطباء، انتهى إلى دعوة “نقابتيْ الأطباء والمستشفيات إلى التراجع الفوري عن قراريْ إعلان الإضراب ضنا بصحة الناس”، ودعوة “جميع الأطباء إلى الارتقاء فوق المصالح المباشرة لنبني معا استقلال القضاء ونظام مساءلة منصف للأطباء والمرضى على حد سواء”.  

وقد ذهبت وزيرة العدل ماري كلود نجم في الاتّجاه نفسه في ردّها على الكتاب الذي وجّهته إليها نقابة الأطباء في بيروت والذي طالبها بالتدخّل لإبطال القرار. وقد جاء حرفياً في كتابها أنّها تلتزم باستقلالية القضاء وبعدم التدخّل في أعماله، داعية النقابة إلى إبداء حرص مماثل لأنّ في هذه الاستقلالية “قيامة الدولة وإرساء دعائم سليمة وسوية للبناء المجتمعي أما دونها فالانهيار”.   

كما علّق كثيرون بغضب على قرار إغلاق المستشفيات، منهم الإعلاميّة جيسي المر التي كتبت: “أنا في لبنان مع والدتي لأنّه عندها عملية كانت مقررة غداً. أفاجأ باتصال من طبيبتها أنّ المستشفى ألغى كلّ العمليات بسبب إضراب الطاقم الطبي احتجاجاً على القرار القضائي لصالح الطفلة إيلّا طنوس. شو هالعشوائية هي؟ كيف منلغي عمليات بدون أي اعتبار ولا بديل؟ انعدام تام للمسؤولية!” الناشطة سحر غدّار كتبت على تويتر: “عنّا بس تنتصر قضية بوجه كارتيل بتتحوّل القصّة لإبتزاز للناس، اليوم كارتيل المستشفيات الخاصّة الأحقر قرّر الوقوف بوجه القضاء وسلاحه هو ابتزاز الناس”. الإعلاميّة ضحى شمس علقت: “برايي لازم ناخد لائحة بأسماء الأطباء اللي عم يحتجوا علي القرار القضائي بقضية الطفلة ايلا طنوس ونحرص ان ما نكون تحت ايديهم ابدا.” السي مفرّج تساءلت “الاطباء لما يعتبرون ان الحكم هو إدانة لهم وهل يفضلون العيش في مجتمع اللامحاسبة؟”

كما شرح والد إيلّا بالتفصيل توزّع كلفة علاج ابنته مستنداً إلى التقارير الطبية وذلك في مقابلة مع “لبنان 24”، وفنّد محامي عائلة إيلّا، المحامي نادر الشافعي في مقابلة على قناة “إل بي سي” الأخطاء الطبيّة التي وقعت وأوضح أنّ “القانون يقول إنّ الخطأ هو نتيجة إهمال أو قلّة احتراز أو عدم مراعاة القوانين، وهنا المقصود الأنظمة الطبية لا الأنظمة القانونيّة أو أي أمر آخر”.

هذا ما أمكن قوله عن السرديّات في هذه القضية التي يرجح ألّا تكون انتهت فصولاً.

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، حقوق الطفل ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قطاع خاص ، مؤسسات عامة ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، مقالات