الرملة البيضا: دفاعاً عن الإرث وأجيالنا القادمة


2017-04-10    |   

الرملة البيضا: دفاعاً عن الإرث وأجيالنا القادمة

لبيروت ثلاثة مواقع مميزة  “تشكل جزءاً لا يتجزأ من هوية العاصمة، وهي الواجهة البحرية في عين المريسة، وصخرة الروشة وخليجها الصغير، وشاطئ الرملة البيضاء”. هذا ما ورد في مرسوم ترتيب الأراضي الصادر في 2009، والذي أكّد على ضرورة حماية الخصائص الطبيعية لهذه المواقع من مشاريع عقارية أو إنشائية قد تشوه معالمها. ورغم ذلك، لم يجد محافظ بيروت حرجاً في منح أحد المستثمرين رخصة بإنشاء مبنى من 11 طابقاً وتزيد مساحته عن 20000 متراً مربعاً، وكلّ ذلك ضمن الرمول التي يصل إليها الموج، على الرملة البيضا. فما من اعتبار يعلو على رغبة مستثمر بالإنتفاع من أرضه: لا هوية العاصمة، ولا جمالها ولا المحافظة على البيئة وعلى استمرارية الشاطئ ولا بهجة أبنائها وسكانها وهم يتمتعون بالماء والشمس والرمل. والحجة الوحيدة (ورقة التين) التي يتذرع بها الذين يبددون ثرواتنا المشتركة (أهمّ وربما كلّ ما نملك)، هي قدسية الملكية الخاصة وحقّ الإستثمار. وهي طبعاً حجّة ساقطة في أي نظام يقيم أدنى اعتبار لقيم الديمقراطية: فالملكية الخاصة ليست مطلقة، بل هي تخضع في جميع دول العالم، ومنها وفق قوانين لبنان ومراسيمه، لاعتبارات النظام العام الذي تفرضه المصلحة العامة. وبالطبع، من غير المنصف تحميل المحافظ وحده مسؤولية هذا الإزدراء بالصالح العام: فوزير الداخلية لم يحرّك ساكناً لتنفيذ أحكام القضاء القاضية بوقف أعمال البناء، فأضاء المستثمر ما لديه من بروجكتورات لتواصل جرافاته العمل (الهدم) ليلاً، وهو بذلك أضاء على نحو فائق البلاغة، على ما وصلت إليه الدّولة من فساد وانحطاط. وفيما عدا النائب غسان مخيبر الذي ذكّر بوجوب تنفيذ الأحكام في الهيئة العامة لمجلس النواب، لم يجد أيّ من النواب ما يستدعي أن يرفع صوته، دعماً لقضاة تولوا هم وحدهم، الدفاع عما تبقى من الدولة.

غداً، حين ننظر إلى الرملة البيضا بعد انتهاء معركتها، سنكون أمام مشهد من إثنين: إما ينجح القضاة على الثبات في مواقفهم، فيصبحون نموذجاً لأجمل مقاومة ولبنة لبناء القضاء الرائد والمستقلّ. وإما تكون الرمول استحالت بنايات تبلع البحر كله، فتصبح بيروت وناسها بلا بحر … ولا أفق. عندئذ، سنعي فداحة ضعفنا، فداحة ما وصلنا إليه.

 نشرت هذه المقالة في العدد |48|أذار/مارس 2017، من مجلة المفكرة القانونية | لبنان |. لقراءة العدد اضغطوا على الرابط أدناه :

الرملة البيضا: دفاعاً عن الإرث وأجيالنا القادمة

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية