“الرجل الذي باع ظهره” أو خريطة العبودية الجديدة على جسد لاجئ سوري


2021-05-07    |   

“الرجل الذي باع ظهره” أو خريطة العبودية الجديدة على جسد لاجئ سوري
من فيلم "الرجل الذي باع ظهره"

بعد فيلمي ”الشلاط” و ”زينب لا تحبّ الثلج”، عالجت المخرجة التونسية كوثر بن هنية العلاقة بين اللاجئين والفن المعاصر في فيلم ”الرجل الذي باع ظهره” الذي يعدّ ثالث عمل لها في فئة الأفلام الطويلة ومن إنتاج مشترك تونسي بلجيكي فرنسي. استوحَتْ المخرجة جزءاً من قصة الفيلم من الأحداث التي عاشها الشاب البلجيكي ”تيم ستاينر” الذي وهب مواطنه الفنان المعاصر ”ويم ديلفوا” الحق في رسم أوشام على ظهره ليتحوّل إلى لوحة فنية حيّة. وانطلاقاً من هذه القصة غير النمطية يسافر بنا فيلم “الرجل الذي باع ظهره” إلى عوالم متنافرة حيث يستعرض خلال ساعة وأربعة وأربعين دقيقة معاناة ”سام علي” اللاجئ السوري الذي عقد صفقة مع أحد الفنانين المعاصرين، تتمثّل في رسم وشم على ظهره مقابل تمكينه من السفر للالتحاق بحبيبته ”هيا”، وخلال هذه الرحلة المجنونة يعيش ”سام” مغامرة غير اعتيادية.

قضية اللاجئ السوري أو إعادة توزيع الجنس البشري

يطرح الفيلم منذ البداية قضية اللجوء عبر مدخل الاستبداد السياسي أثناء نهوض الثورة السورية واصطدامها بقمع نظام بشار الأسد، ولكن من المهم التأكيد في هذا السياق أنّ المعالجة الأوّلية لصورة اللاجئ تمثّلت في إعطائها بعداً عاطفياً ثم درامياً عبر الاعتقال الاعتباطي وإعلان لحظة العشق المتطابقة في الفيلم مع لحظة الثورة. تكتسي صورة اللاجئ في هذه اللحظة من العمل بعداً بيذاتياً (intersubjective) وجماعياً، فنحن مثل بطل الفيلم لاجئون في أوطاننا الضعيفة وخائفون من البوليس السرّي والعلني الذي ينزع عنّا كياننا في السرّ والعلن أيضاً. بعد ذلك تأخذ المعالجة السينمائية لصورة اللاجئ منحىً تطوّرياً يدشن البطل أثناءها لحظة صراعية جديدة عبر محاولة إنقاذ ما تبقّى من الذات عن طريق الهروب إلى لبنان. وهنا تأخذ المسألة بعداً آخر إذ يدخل ”سام” معتركاً ثلاثيّ الأبعاد: عبودية اقتصادية وتهميش اجتماعي وضياع عاطفي بعد التأكّد من فشل مشروع الزواج بحبيبته.

يُلاحظ أنّ الفيلم في البعض من أبعاده يشكّل معالجة لصورة اللاجئ السوري الذي بقي لاجئاً في كلّ مكان يعبره. ولكن في المقابل، علينا التوقّف قليلا لنؤكّد على ذكاء المخرجة في تصوير الجانب الدرامي لقضية اللاجئ الذي بدأ منذ لقائه بالرّسام، لتتحوّل الأحداث جذرياً ومعها شخصية البطل من خلال حبكة سينمائية غير معهودة في الأفلام التونسية. وهنا تتبدّى الركيزة الأساسية في هذا العمل: يعرض ”الفنان” على البطل اللجوء إلى بروكسيل مقابل السماح له بوشم تأشيرة ”شينغن” على ظهره، لتتحوّل بالتالي العلاقة بين الطرفين إلى علاقة تملّك شرطي وتأخذ مسألة اللجوء طابعاً درامياً عميقاً في المرحلة الثانية.

من المهم التوقّف عند رمزية التأشيرة التي تلخّص العلاقة القائمة على الاستغلال الاقتصادي والاستعلاء الحضاري بين دول الجنوب ودول الشمال. فالتاريخ القريب والبعيد القائم على الروابط الاستعمارية ومن قبلها تجارة العبيد تكثّفا في وشم التأشيرة، لتُخلَق بذلك صورة اللاجئ المجهول، الباحث عن الاعتراف الحضاري الذي لا يمكن الولوج إليه إلّا عبر بوابة الاستغلال والاحتقار والمغامرة. تمثّل مسألة اللاجئين السوريين في هذا السياق برهاناً تاريخياً على مدى تخلّف الغرب: فلا ديمقراطيته التمثيلية ولا علومه ولا لائكيته (Secularism) قادرة على استقبال اللاجئين السوريين القادمين في قوارب الموت وفي شاحنات التهريب، أو على منحهم شرف الهروب من وطنهم الجريح. بالتالي لا بدّ من الإقرار بأنّ مسألة اللاجئين أصبحت مأزقاً أخلاقياً وسياسياً فشل الغرب في التعامل معه على قاعدة حقوق الإنسان، ولكنّه في المقابل عمل على استيعابها اقتصادياً عبر إدخالها منظومة الرسكلة البشرية (recycling) التي تقتضي خلق تقنيات جديدة من الاستغلال الطبقي والهيمنة الاقتصادية، لنستنتج في الأخير أنّ اللاجئ ليس إنساناً كالآخرين بل هو قوّة عمل -مع وقف التنفيذ- خاضعة لمنطق إعادة تنظيم الفضاء الاقتصادي والعمومي على أساس الفرز المنهجي، وكأنّما الغرب يخاطب اللاجئ السوري ”إذا لم نمنحك التأشيرة فهذا يعني أنك زائد عن الحاجة”.

فاوست والشيطان: وعي الحرية ووعي العبودية

علّمنا غوته من خلال مسرحيته ”فاوست” أنّ حركة التاريخ لا تكون إلّا تراجيدية، والتراجيديا هنا ليست تحدّي الآلهة والسلطة معاً في المسرح الإغريقي بل الاصطدام بإرادة التجاوز والارتقاء الكامنين فينا بشكل يولّد تضحيات جسيمة وفاشلة تهز الكينونة هزّاً. وهب فاوست روحه للشيطان ”ميفيستوفيليس” مقابل تلقينه أسرار العلم، فهنا يكمن مفتاح الخلود الأسطوري، فتحوّل ”فاوست” عبر هذا الاتّفاق من حالة العبودية بالقوّة إلى حالة العبودية بالفعل، ذلك أنّ ”مفيستوفيليس” استغلّ الرغبة العبودية عند فاوست كي يُحكِم السيطرة عليه بالرغم من منحه أسرار الخلود. في هذا السياق، استرجع فيلم “الرجل الذي باع ظهره” مأساة من القرن 19 ليقول لنا إنّ فاوست لا يزال على قيد الحياة بتراجيديا اغترابه وبوعيه المشوّه بالخلود الأسطوري عبر قصّة البطل الذي وهب جسده ثم كيانه للرسام “مفيستوفيليس” كي يوقّع عليهما خريطة العبودية المنتجة لوعي مزيّف بالحرية في مرحلة أولى ثم وعي كامل بها، وإن كان رمزياً في مرحلة ثانية.

بمجرّد إكمال الوشم ارتقت العبودية إلى تسخير، حيث استغلّ الرسام الرغبة العبودية للبطل في اللحاق بحبيبته ”هيا” في بروكسيل، حيث بإمكانه الانتقال من عالم القمع إلى عالم المواطنة، حتى وإن كان ذلك في صورة لاجئ. ولكن يجب التأكيد هنا أنّ علاقة التملّك التي تمثل محرّك الحبكة السينمائية قد أصبحت قانونية بمقتضى اتّفاق مكتوب لم يُعره البطل أيّ اهتمام نتيجة رغبته العبودية في الخروج من التعاسة وارتكز هذا الاتفاق على المعادلة التالية: اللجوء مقابل حرية التصرّف في الجسد التي تعلن بداية حالة الضياع والانتصار السلبي للبطل. هنا استبدل ”فاوست المعاصر” سيّده السماوي بسيّده الأرضي في إطار وهمه الذي تطابق فيه اللجوء مع الحرّية، ولكن هذا الاستبدال لم يزد وضعه إلّا درامية بعدما أصبح بضاعة تُرى وتُلمس وتعرضَ في أرقى معارض الفن المعاصر والتي لا تختلف عن اللوحات أو التماثيل إلّا بثمنها.

إنّ ديالكتيك العلاقة بين البطل-اللاجئ والرسام قائم على الشعور المتنافر بين اليقين الذاتي بالحرية عند ”سام” والحقيقة الموضوعية للعبودية التي يمثّلها الرسام، وهذا التنافر لن يُحلّ إلّا باتفاق ثانٍ وسرّي يقضي بعودة البطل إلى ”الرقّة” مسقط رأسه مقابل منح الرسام حمضه النووي الذي سيسمح له بإعادة إنتاج الوشم. وعليه، يدخل ”فاوست المعاصر” المرحلة الثانية المتمثلة في الانتصار الرمزي باكتمال وعي الحرية الذي كان ملوثاً في البداية. تتأتّى هذه الرمزية بناءً على مسرحية داخل المسرحية، حِيكت بين الرسام والبطل الذي فرض شروطه في النهاية عبر الموت الرمزي عن طريق ما يسمّى بـ”تنظيم داعش”، لينعم فيما بعد بكامل الحرية التي وجدها أخيراً في سوريا وليس في أوروبا. تتقاطع لحظتا الحرّية والحب في خضمّ هذا الانتصار الرمزي، إذ أنّ نهاية الفيلم أشبه بواقعة حلم أخروي تتلاشى فيه كلّ قيود العبودية وجهود الاعتراف المبذولة في عالم اللجوء الذي استكمل مهمّة التنكيل بكيان البطل التي بدأها قمع النظام السوري.

يوتوبيا الأنوار أو رعب ما بعد – الحداثة

قدّم الفيلم نقداً ذكياً لمجتمع أوروبا ما بعد- الحداثة التي ثارت على العقلانية حتى نجحت في تدجينها، وشكّل الفن المعاصر مدخلاً لهذا النقد. فأوهام الحداثة والتقدّم قد استحالت إلى رماد عبر ظاهرة الاستهلاك غير المحدود مادياً وأخلاقياً، والذي يحتفي بنشوة الدمار وذروة الموت غير الحامل للمعنى. باختصار تُجسّد صور الفيلم احتضار العالم ”المتحضر” من خلال علاقة معقّدة بين شخصين قائمة على مبدأ الاستغلال المتفرد والمُهَيكل قانونياً للجسد-السلعة الذي أصبح عنواناً لأزمة عادية وروتينية تلقّفتها ديناصورات الإشهار والإعلام، كي تفرّغها من محتواها وتضعها في مركز عقلية الترفيه الكوسموبوليتي. إنّ انتكاسة المجتمع الأوروبي تجد تعبيرها في الفيلم كذلك من خلال صورة الحرية المنفصمة التي تعاني منها منظومة حقوق الإنسان في الغرب. فالرأسمالية التي أنتجت في البداية منظومة الحرّيات لكي تصبح بديلاً حضارياً قد داست عليها الآن، لتفتح عصر تشييء الكيان وتسليع المعرفة وتقديس إلٰه المال الخفي. فلا غرابة في أن نجد مدينتي بروكسيل وجنيف اللتين مثلتا مسرح الأحداث رمزاً لهذه البربرية الغربية، ذلك أنّ المدينة الأولى تحوي المنظمات الحقوقية العالمية المهتمّة بشؤون اللاجئين، أما الثانية فتمثل الملاذ الضريبي لتنّين رأس المال المالي.

تطرّق ”الرجل الذي باع ظهره” أيضاً إلى مسألة البعد الأخلاقي للفن. فوفقاً لرأي مفكر ما بعد الحداثة جورج باتاي ”التاريخ يشبه الحياة بما هي تبذير مسرف للطاقة في طلب ذروة متمثّلة في الموت”[1]. نستنتج أنّ سلوك الرسام خلال الفيلم قد تميّز بالبحث عن خلق تفكّك سحيق بين جسد البطل وكينونته حتى يتمكّن من تحقيق هدف مالي لا فنّي بالرغم من اعتباره الوشم على الظهر من أرقى ما رُسِم من ناحية التفرّد. فالرّسام أسرف إذاً في البحث عن شهرته كفنان ثري وموهوب على حساب إنسان آخر يقاوم من أجل الحياة، هذا اللاجئ الذي تحوّل إلى سلعة خاضعة لقوانين التوحّش الاقتصادي.

خلقت قصة البطل حالة من الانقلاب الجمالي، إذ لم يعد الفنّ بحثاً عن الجميل بل عن القبح الذي يلخّصه اختفاء التخوم بين الفنان وسلطة المال. اختفت بالتالي القيمة الكونية للفن كممارسة جمالية وكأوّل خطاب نطق به الإنسان في مغارة ”لاسكو” لتحلّ محلّها التعبيرات المُخيفة التي تحوّل المجتمع الغربي من خلالها من الحيوانية البدائية إلى الحيوانية المقنّنة. هذا ليس مجرّد انقلاب قيمي بل هو في الأساس انقلاب تاريخي يشقّ طريقه بثبات أسطوري نحو القضاء على مكتسبات العقل: فكأنّنا بالتاريخ يتقهقر من أجل سلخ ذاته وتلقينها ما شاءت من السادية والعبث، وكأننّا نرى عبر قصة هذا اللاجئ السوري أنّ الإنسان قد تحوّل فعلاً إلى احتياط دائم لنوع من اليوتوبيا الجديدة القائمة على الهيمنة وأخلاقيات الاحتقار الحضاري. لهذا السبب، نعتبر أنّ الفيلم المستوحى من قصة ”سام” لم يكن متفائلا أبداً بل سعى إلى استبدال المنطق الغائي للتاريخ بالتساؤل حول الجدوى من مكتسبات الثقافة الغربية التي أنتجتها الأنوار. لقد أرادت قصة ”سام” القضاء على التطابق بين الغرب والتقدّم، فالتنوير قد استنزف الابتكار والأصالة من الإنسانية ودمّر شروط الإبداع نفسه وهذه العاهات المستديمة قد عكَسَها الفيلم عبر التساؤل عن مأزق الثقافة الغربية التي قتلت الإنسان وأرجعته لمرحلة الوعي السيزيفي الذي ينطلق من العبث ليصل إليه في حركة لا نهائية.

  1. جورج باتاي ”الأدب والشر”، منشورات غاليمار، باريس، 1957.
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات



لتعليقاتكم