الرئيس-الرّقيب على التلفزة العمومية


2023-08-23    |   

الرئيس-الرّقيب على التلفزة العمومية

لا يُريد الرّئيس سعيّد ترك أي مجال للأمل أو الشكّ في إمكانية الحفاظ على الحدّ الأدنى من الضمانات الديمقراطية مع تتالي الممارسات السلطوية الهادفة إلى تضييق هوامش التعبير الحر. آخر المؤشرات ما نقلته الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية عن فحوى اللقاء الذي جمعه مع الرئيسة المديرة العامة لمؤسسة التلفزة التونسية العمومية، عواطف الدالي الصغروني، يوم 4 أوت 2023. لقاء كان بمثابة استدعاء من مدير مدرسة لولي أمر تلميذ مشاغب يتوجب تأديبه، وكلّه رسائل ومؤشّرات مُخيفة توحي بأن الإعلام العمومي مقبل على محنة جديدة قد تعمّق جراحه القديمة.

“من توجيهات الرئيس”[1]

 الرئيس خلف مكتبه، وعلى الجهة المقابلة في طرف المكتب تجلس السيدة عواطف الدالي الصغروني، إعلامية من مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية، عرفها التونسيون كواحدة من شابات الجيل التأسيسي لقناة 21 التي انطلق بثها سنة 1994 (ستصبح “الوطنية 2” بعد ثورة 2011) قبل أن تتولى تقديم النشرة الجوية ثم مجلة صحية تلفزية أسبوعية تحظى بمتابعة جيدة من متتبعي “قناة 7” ثم “الوطنية 1”. وكانت السيدة الدالي قد كُلّفت في عهد الباجي قايد السبسي (حكومة يوسف الشاهد) في أكتوبر 2017 بمنصب مديرة قناة الوطنية 1. وفي أعقاب إقالة السيد محمد لسعد الداهش في 28 جويلية 2021 (أي بعد يومين من إعلان 25 جويلية 2021) تم تعيينها بصفة مؤقتة رئيسة مديرة عامة لمؤسسة التلفزة التونسية، قبل أن يتم تثبيتها في منصبها يوم 16 جوان 2023.  بدأ الرئيس درسه بتذكير السيدة الدالي بتدرّجها الوظيفي مع التمنيات بالتوفيق والنجاح. تهنئة وتذكير بطعم التهديد: من عيّنك في منصبك يمكنه إقالتك منه بجرّة قلم.

لم يتأخر الرئيس في الدخول إلى صلب الموضوع، وعبّر عن استيائه من بعض البرامج التي تبثها التلفزة العمومية دون أن يعطي عناوينَ واضحة، ثم تطرّق إلى النشرات الإخبارية وحتى ترتيب الأخبار، وأكد أنها اختيارات “ليست بالبريئة إطلاقا” مُتهما ضمنيا مؤسسة التلفزة ومديرتها الماثلة بين يديه بخدمة أجندات معينة. ويبدو أن الرئيس يرى أن نشاطاته وإنجازاته وخطاباته لا تحظى بالاهتمام والتقدير اللازمين من قبل معدّي البرامج، خاصة نشرات الأخبار. وبما أن الأستاذ الجيّد لا يكتفي بالتلميح والعرض النظري، بل يقدم شرحا تطبيقيا واضحا للبرهنة على صحة كلامه، اختار الرئيس سعيّد مثالا محددا. بمحض “الصدفة” البحتة، شاهد الرئيس برامج قناة “الوطنية 1” في الليلة السابقة للقائه مع مديرتها فاعترضه برنامج عنوانه “من الزمن الجميل” أثار غضبه الشديد (وعلى الأرجح فإن اللقاء مع مديرة التلفزة لم يكن مبرمجًا وإنّما اكتشاف الرئيس صُدفة لهذا البرنامج هو الذي كان سبب استدعائها). مثلما يُوحي عنوانه، فهذا البرنامج يستعيد تاريخ بعض النّجوم من مختلف الفنون وحتى من مجال الإعلام يأتون فيستعرضون ذكرياتهم من مراحل مختلفة من مسيرتهم وتاريخ البلاد. وقد يعتبر بعضهم أن حال البلاد كانت أفضل في هذه الفترة أو تلك وربما يتحسرون على “الزمن الجميل” أو ما يعتقدونه كذلك. لكن الرئيس سعيّد في سعيه الدائم إلى الانتساب إلى انتفاضة 2010 – 2011 يعتبر أن تاريخ تونس بدأ يوم 17 ديسمبر 2010 وأن ما سبقه “زمن قبيح” لا ينبغي أبدا تذكّره بخير أو حنين. “الزمن الجميل” بالنسبة للرئيس دام بضعة أشهر فقط ما بين ديسمبر 2010 وانطلاق مسار “الانتقال الديمقراطي”، قبل أن تدخل البلاد في “عشرية سوداء” من “الزمن القبيح” لم تنته إلا بتدخّل الرئيس سعيّد لإنقاذ البلاد وإعادتها إلى “الزمن الجميل” مساء 25 جويلية 2021. هذه السردية يبدو أن الرئيس يحث التلفزة العمومية على تبنيها.

عَاتَب قيس سعيّد مديرة التلفزة على عدم اهتمام المؤسسة التي تديرها بتلك “اللحظة التاريخية التي عاشها الشعب التونسي ويراد التعتيم عليها بكثير من وسائل الإعلام الأخرى”. وإذا ما كانت وسائل الإعلام الخاصة حرة في خطها التحريري فإن التلفزة العمومية ينبغي عليها أن “تكون مؤسسة وطنية في خدمة الوطن والشعب” لا أن تستقبل “من كانوا مُتخفين في بداية سنة 2011” .

لم يكتفِ رئيس الجمهورية بالعتاب، بل قَدّمَ جملة من الاقتراحات والتوجيهات لمديرة التلفزة العمومية حتى تتدارك تقصيرها: “التذكير باغتيال الشهيدين بلعيد والبراهمي وشهداء المؤسستين العسكرية والأمنية في تصدّيهم للخونة والإرهابيين”، أو بعبارة أخرى التركيز على مساوئ “العشرية السوداء” وحصرها في هذا الجانب الدموي وتأجيج كُره التونسيين للقائمين على تلك الفترة وتجربة الانتقال الديمقراطي. ولا يجب أن تتوقف المراجعة عند هذا الحد، إذ ينبغي التذكير أيضا بالجرائم القديمة التي اقتُرفَت في عهود سياسية سابقة لثورة 2011 مثل “26 جانفي 1978 و03 جانفي 1984 إلى جانب محطات تاريخية أخرى”، حتّى لا يتوهم التونسيون أن الفترة البورقيبية كانت “زمنا جميلا”.

وربّما أحسَّ الرئيس أن كلامه قد يُساء فهمه أو يستغّله أعداء الوطن والإنسانية من متآمرين يخدمون مصالح الكارتيلات واللوبيات والأطراف الخفية، فاستدرك قائلا: “هناك محطات تاريخية لا ننكرها، ولا نتنّكر لتاريخنا”، وأوضح أن ملاحظاته إلى السيدة مديرة التلفزة لا تعني لا سمح الله -كما قد تفهم بعض الأنفس المريضة المعادية للثورة والوطن والتحرر- تدخلا أو توجيها: “ليس في هذا أيّ دعوة إلى دعاية زائفة مرّ زمنها”. كل ما في الأمر أن الرئيس يكره “تجمير البايت” (إعادة تسخين الأكل) فـ”نحن نتطلع إلى المستقبل ولا نتطلع إلى ما مضى”، وكل ما يريده أن “تنخرط مؤسسة التلفزة التونسية في مسار التاريخ” وتساهم في صناعة “تاريخ جديد” لن ينبلج صبحه “إلا بقراءة موضوعية وقراءة صادقة للتاريخ القديم”.

ختم الرئيس سعيّد اللقاء بكلام يشبه الشعار التاريخي الذي استعُمل مرات عديدة في أكثر من سياق لإغلاق باب النقاش: “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”. لم يقلها الرئيس بشكل حرفي بل بالتلميح، إذ حثّ مديرة التلفزة على تصحيح مسار مؤسستها بعيدا عن “خط القوى المضادة للحرية ومعركة التحرير الوطني التي يجب أن ننخرط فيها جميعا”.

“فلمّا اشتدّ ساعده رماني”

علاقة قيس سعيد بالتلفزة الوطنية قديمة سابقة لوصوله قصر قرطاج، بل إن هذه المؤسسة من أهم العوامل التي صنعت “مجده”. قناة “الوطنية 1” هي من قدّمَت أستاذ القانون الدستوري قيس سعيّد إلى الجمهور العريض منذ سنة 2012. في تلك الفترة لم يكن الرجل معروفا خارج حلقات ضيّقة من الأكاديميين والناشطين السياسيين، لكن الاستضافات المتتالية في نشرات الأخبار وبعض البرامج الأخرى التي تبثها قناة “الوطنية 1”  صنعت للرجل اسما وصفة. كما خدمته طريقته في الكلام والإجابة عن الأسئلة بصوته الجهوري ثابت السرعة والنبرة لتمنحه حضورا خاصا عند مشاهدي القناة العمومية. صنعت التلفزة العمومية صورة الخبير الدستوري الضليع الذي لديه إجابات لكل الأسئلة وحلولًا لكل المآزق الدستورية، والذي لا يهادن السلطة الحاكمة. هذه الصورة منتشرة بقوة عند مستعملي منصّات التواصل الاجتماعي وأسهمت في عبور سعيّد الدور الأول لرئاسيات 2019 ثم الفوز بالدور الثاني. وحتى خلال الانتخابات الرئاسية استفاد سعيّد من المنابر التي أتاحتها “الوطنية 1” للمترشحين، سواء خلال مناظرات الدور الأول أو من خلال الحوار الحصري الذي أجرته معه القناة في فترة ما بين الدورين (عندما كان منافسه نبيل القروي موقوفا على ذمة قضايا فساد).

ظهور قيس سعيّد في الإعلام التونسي بصفته خبيرا في القانون  -والذي كانت الوطنية 1 بوابته الأولى- جاء ضمن سياق كانت فيه الميديا “المتحرّرة” حديثا من سطوة الديكتاتورية ووزارة الإعلام تُحاول فيه أن تصنع محتويات حواريّة ذات طابع سياسيّ بعد أن كانت ممنوعة من ذلك طيلة عقود. وفي هذا السياق، يشير الباحث في الإعلام وأستاذ التعليم العالي بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار، صادق الحمامي، أن “الخبير يعتبر من الفاعلين الجدد إضافة إلى فاعلين آخرين على غرار الكرونيكور. فالميديا تحتاج في برامجها الحوارية إلى متكلمين إضافة إلى السياسيين. كما تحتاج البرامج الحوارية أيضا إلى ملء الوقت الطويل الذي يستحقه البرنامج، لأنّ الموادّ الأساسية التي تؤثثه في الميديا الإذاعية والتلفزية التونسية هو الكلام باعتباره المادّة الأقل تكلفة في مستوى الإنتاج. ويتمثل السبب الثاني في أن الميديا تريد أن تضفي بعدا جدّيا على نفسها بما أنّها تقدّم نفسها ضمنيا كمؤسسة توفّر “الحقائق” أو “المعارف” التي يحتاجها التونسيون لفهم الواقع الذي يعيشون فيه. ولهذا السبب فإن مُعدّي البرامج عادة ما يحبّذون إطلاق صفة الخبير على ضيوفهم من الجامعيّين مثلا، حتى لو كان الضيف مكتفيا بالتدريس فقط لإبراز مكانته وتثمين كلامه”. [2]

“المُشاهد الأكبر”

كان بإمكان المُكلفين بالإعلام في مؤسسة رئاسة الجمهورية أن لا ينقلوا فحوى اللقاء الذي جمع الرئيس بالسيدة عواطف الدالي، وأن يرحموا أبصارنا وبصائرنا من تلك المشاهد البائسة المستلهمة من “الزمن الجميل”، زمن إخضاع الإعلام من قبل السلطة التنفيذية من غير أي حرج أو تحفظ أو حتى تزيين وتمويه. لا نعتقد أن الإصرار على نقل فيديو “فركة الأذن” هذا ينبع من حرص على شفافية النشاط الرئاسي وحق المواطن في المعلومة، وأغلب الظن أنه رسالة فجة تَقَصَّدَ مُرسِلها الوضوح التام والصادم.

أراد الرئيس إبلاغ الرئيسة المديرة العامة لمؤسسة التلفزة التونسية، وعبرها كل العاملين في المؤسسة، بأنه يراقب جيّدا ما يبث في القنوات التلفزية العمومية وأنه بصدد تقييم المحتوى الذي يُعرض على المشاهدين. وبالطبع هذا التقييم ستتلوه قرارات. كلام الرئيس كان واضحا لا يحتمل الكثير من التأويل: “ما يتمّ بثه بهذه الطريقة من قبل مؤسسة وطنية لا يمكن أن يستمر”. باختصار أراد الرئيس أن يُذكّر العاملين في الإعلام العمومي أنهم موظفون عموميون في مؤسسة عمومية تخضع تماما لسلطة الدولة، وبالتالي سلطته الشخصية بحكم سيطرته الكليّة على السلطة التنفيذية. أراد أن يُفهمهم أن الإعلام مجرّد وظيفة مثل القضاء والعمل البرلماني. الكل موظفون في “الجمهورية الجديدة”.

عبر تعداده وتفصيله لمكامن الخلل في المحتوى الذي تبثه القناة العمومية الأولى سعى رئيس الجمهورية ليثبت أنه يتابع بشكل مستمر ومعمق أداء المؤسسة: “احذر..الأخ الأكبر يراقبك”. قد لا يكون “الأخ الأكبر”[3] الملهم الأول لرئيس الجمهورية، فهناك شخصية حقيقية ربما أثرت على تمثل الرئيس سعيّد لدور الإعلام العمومي وعلاقته بالسلطة السياسية: “المجاهد الأكبر” الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة. في كتاب خصصه لتفحص علاقة الرئيس الحبيب بورقيبة بالإعلام العمومي، واختار له عنوانا “بورقيبة المستمع الأكبر”[4]، يصف عبد العزيز قاسم -الأكاديمي والمسؤول السياسي في عهد بورقيبة والذي سبق له أن تولى إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية مرتين في ثمانينيات القرن الفائت- تعامل “المجاهد الأكبر” مع الإذاعة التونسية كما يلي: “[يستمع] الرئيس إلى الإذاعة طوال ما يقارب الستّ ساعات يوميا، واستماعه لا يقتصر على مجرد التلقّي بل هو متفاعل مع كل ما يقع تحت سمعه من بثّ. وله في الأحاديث والبرامج السياسية والاجتماعية والأدبية والفنية والترفيهية رأي وتوجيهات يُفضي بها إلى المدير العام للإذاعة والتلفزة من خلال اتصالات هاتفية ومقابلات بالقصر الرئاسي متواترة معلنة وغير معلنة”.  

بورقيبة الذي عَملَ في مجال صحافة الرأي منذ عشرينيات القرن الفائت كان يُولي اهتماما كبيرا بالعملية التواصلية سواء خلال مرحلة العمل السياسي المبكّر أو في مرحلة التحرر الوطني، ثم كرئيس للدولة التونسية المستقلة طيلة 30 عاما. وحرص منذ السنوات الأولى لحكمه على زيادة عدد الإذاعات واتساع نطاق البث الإذاعي ثم التلفزي، ليس إيمانا بضرورة التعددية الإعلامية ودور الصحافة في بناء الديمقراطية، ولكن كي يصل صوته إلى أبعد مدى، أي من أجل الدعاية لشخصه بوصفه “المجاهد الأكبر” الذي صَنع من “حفنة أفراد شعبا”، و”باني تونس الحديثة”. فضلا عن الجانب الدعائي، كان بورقيبة يعتبر أن للإعلام دورا تثقيفيا وتنويريّا يفترض أن يضطلع به ويساهم في إخراج التونسيين من “الظلمات إلى النور”، لذا تعامل دائما مع الصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية كجهاز يجب أن يعمل في انسجام مع بقية أجهزة الحكم وفي تطابق مع السياسات العليا للدولة.

لا يمتلك الرئيس سعيّد المسيرة الحافلة للرئيس بورقيبة ولا يحوز نفس “الشرعية” التاريخية التي نالها بفضل قيادة حركة التحرر الوطني ومرحلة بناء الدولة الحديثة، لكنه استحدث لنفسه “شرعية” أوّلا عبر الانتساب إلى انتفاضة ديسمبر 2010 – جانفي 2011، وثانيا عبر تصوير نفسه كزعيم يقود حرب تحرّر وطني جديدة اندلعت مساء ـ25 من جويلية 2021. ويعتقد الرئيس أن هذه “الشرعية” المكتسبة تمنحه الحق في أن يعيد إنتاج ممارسات من “الزمن الجميل” مثل تحويل الإعلام العمومي إلى جهاز دعائي للسلطة ووسيط بينها وبين الشعب.

يرى كثيرون أن الإعلام العمومي -خاصة التلفزي- قد فقدَ الكثير من إشعاعه وأنه يحتضر؛ أوّلاً بسبب منافسة القنوات الأجنبية والمحلية الأخرى، وثانيا بسبب التغيرات الثقافية والتكنولوجية التي جَعلت ملايين التونسيين -وهذه ظاهرة كونية- يهجرون التلفاز نحو وسائط وحوامل أخرى. لكن لا يبدو أن الرئيس سعيّد مقتنع بأفول دور التلفزة العمومية، وقد يكون مردّ ذلك انتماؤه إلى جيل احتلّت الإذاعة والتلفزة التونسيتان دورا كبيرا في تكوينه وتشكيل وعيه بما يحدث حوله في البلاد والعالم، وتربّى على وسائط إعلامية خاضعة تماما للسلطة أو مهادنة لها. وربما يعتبر رئيس الجمهورية أن الإعلام العمومي ما زال لديه تأثير على فئات عمرية وأوساط اجتماعية معينة ويجب استغلال هذا التأثير المتبقي. فعلى الرغم من كل شيء، مازالت قناتا “الوطنية 1″ و”الوطنية 2” العموميّتان ضمن أكثر القنوات مشاهدة في تونس بفضل نشرات الأخبار (خاصة نشرة الثامنة مساء) وإعادة البثّ المتواصلة لمسلسلات تونسية وبرامج تلفزية قديمة كانت تحظى بنسب متابعة عالية. ويبدو أن الرئيس سعيّد وأبناء “مشروعه” السياسي -الذي يتحول تدريجيا إلى نظام سياسي متصلب- ينظرون إلى التلفزة وباقي وسائل الإعلام العمومي كأجهزة دولتية لا يجب أن تكون لها إرادة مستقلة وحرة عن إرادة “الدولة” وحاكمها، ولا ينبغي أبدا أن تفتح أبوابها أمام خصوم الحاكم -قائد الدولة وحرب التحرير بتفويض شعبي- أو تساهم في بث أفكار تعارض توجهات الدولة أو تقلل من شأنها. وكان من اللافت سعي السلطة السياسيّة إلى منح الإعلام العمومي احتكار تغطية جلسات مجلس نواب الشعب، ومنع نفس الحق عن الإعلام الخاص والأجنبي، قبل أن يتمّ التراجع عن هذا القرار بعد ما أثاره من ردود فعل قوية. هل كان هذا “التفضيل” للإعلام العمومي تبجيلا له وإيمانا بدوره المواطني أم أنه انطلق من حسابات بسيطة مفادها أنّ هذا الإعلام تابع للدولة وبالتالي يسهل التحكم فيه واختيار ما يبثه وما يحجبه؟

من “اكْبِس” إلى “الجمهورية الجديدة”، سَعي متواصل لإخضاع الإعلام العمومي

من نافلة القول أن وسائل الإعلام العمومية ظلّت منذ تأسيسها بعد استقلال البلاد في 1956 إلى حين سقوط الديكتاتورية في جانفي 2011 أداة دعائية بامتياز، تتصرّف فيها السلطة كما تشاء بلا حسيب ولا رقيب. وكان من الطبيعي أن ينال الإعلام العمومي نصيبه من نقمة الناس ودعوات المحاسبة والتطهير، واعتقد كثيرون أن ترسيخ نظام ديمقراطي يقبل بالتناوب على السلطة كفيل بتحويل الوسائل الإعلامية من أبواق سلطوية إلى منابر مواطنية. لم تكن الأمور بتلك السهولة، فكل من حكَم تونس بعد الثورة حَاولَ بشكل أو بآخر تطويع أو على الأقل استمالة التلفزة العمومية والضغط عليها. كانت البداية بحملة “اكبس”[5] التي نظّمَهَا أنصار حركة النهضة في مطلع سنة 2012 في إطار “تطهير” المؤسّسات العمومية من مُنتسبي حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم قبل الثورة. وقد أفردَت الإعلام العمومي بتحرّك طويل الأمد ومُتوتّر يُشبه الحصار أطلقت عليه تسمية “تحرّك الأحرار لتطهير إعلام العار”. هذا الاعتصام كان الهدف منه ترهيب العاملين في الإذاعة والتلفزة التونسية وتذكيرهم بأن هناك سلطة سياسية جديدة في البلاد لها سنَد شعبي قويّ. لم تكن تلك آخر المحاولات، إذ بذلت أغلب الحكومات جهودا مختلفة الأشكال والحدّة في سبيل التأثير في الخط التحريري للإعلام العمومي، التلفزي بالخصوص. وكان السّلاح الأهم في أيدي الحكّام مسألة تعيينات كبار المسؤولين في المؤسسة الإعلامية العمومية.

تمنح المدوّنة القانونية في تونس السلطة التنفيذية صلاحية تعيين مديري المؤسسات الإعلامية العمومية. صلاحية كانت كاملة وغير مشروطة قبل الثورة، لكن سعت الهياكل المهنية والقوى الديمقراطية إلى تقليصها بعد الثورة عبر المرسوم 116 لسنة 2011 المتعلق بحرية الاتصال السمعي والبصري وإحداث هيئة عليا مستقلة للاتصال السمعي والبصري (الهايكا) الذي ينص على ضرورة عرض التعيينات على “الهايكا”. إذ نقرأ في الفقرة الأخيرة من فصله ال19 أن الهيئة تتولى “إبداء الرأي المطابق في ما يتعلق بتسمية الرؤساء المديرين العامين للمؤسسات العمومية للاتصال السمعي والبصري”. ويُذكَر هنا أن “الرأي المطابق” ملزم قانونيا. لكن ضمانات الهايكا ظلّت محدودة لعدة أسباب؛ أولا هي هيئة مؤقتة كان يفترض أن تتحول إلى هيئة دائمة وفق تركيبة معينة بعد إقرار دستور 2014. وعلى الرغم من تقدم الحكومة بمشروع قانون في الصدد سنة 2017، فإن النقاشات لم تفضِ إلى المصادقة على مشروع قانون، بل إن قوى برلمانية اقترحت مبادرات أخرى هَدفَ بعضها إلى إفراغ فكرة الهيئة من مضمونها مثل مبادرة “ائتلاف الكرامة” التي طُرحت على مجلس نواب الشعب السابق. ثانيا أثبتت عدة محطات أن استقلالية الهايكا عن السلطة وبقية القوى السياسية ظلت نسبية. وثالثا تَعيش الهايكا منذ أشهر أزمة عميقة عنوانها الأبرز التهميش المقصود من قبل السلطة الحاكمة التي حوّلتها إلى شبح لا حول له ولا قوة. ونشير هنا إلى أن رئيس الهيئة، النوري اللّجمي، قد تلقى في فيفري 2023 قرارا بإحالته على التقاعد مما يعني عمليا إقالته من منصبه وإبقاء الهيئة بلا رئيس وبالتالي تعطيل قدرتها على القيام بأنشطتها.

مسألة القنوات التلفزية العمومية وعلاقتها بالسلطة السياسية موضوع قديم خاضتْ فيه عدة دول ديمقراطية وتوصّلت إلى صيغ متنوعة لضمان أكثر ما يمكن من التزام هذه القنوات بدور المرفق العام الذي يخدم كل المواطنين بدون تفرقة على أساس انتماءاتهم، ولا يتأثر بقدوم أو رحيل فرد أو فريق حاكم، مؤسسات عمومية مسخرة للصالح العام لا أجهزة حكومية دعائية. ويعتبر نموذج حوكمة قنوات “بي بي سي” البريطانية من أنجح النماذج في العالم، إذ يعتمد على علاقة تعاقدية بين الدولة والمؤسسة الإعلامية (“الميثاق الملكي” Royal Charter) تتجدد كل عشر سنوات وتُضبط من خلالها المهام الكبرى لوسيلة الإعلام التي تخضع إلى مستويات مختلفة من الحوكمة والرقابة سواء من خلال مجلس إدارتها أو بواسطة أجهزة هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية “أوف كوم” (هيئة تعديلية). ويُذكر هنا أنّ الحكومة التونسية بقيادة يوسف الشاهد وقعت في 30 أوت 2019 “عقد أهداف ووسائل” مع الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية بحضور وإمضاء رئيس الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي-البصري، وذلك بغاية تنظيم العلاقة بين الطرفين وتحديد التزامات كل واحد منهما والأهداف الواجب تحقيقها، لكن يبدو أن هذا الاتفاق مات في المهد وصار نسيًا منسيا.

لا يعني رفض التدخل السياسي الصريح في تحديد الخط التحريري لقناة عمومية أنها ليست بحاجة إلى إصلاحات عميقة على مستوى حسن استغلال الموارد البشرية والتقنية وحتى الأرشيفية التي لا تتوفر لأي وسيلة إعلام تونسية أخرى، فضلا عن تطوير المحتوى وتنويعه بشكل يراعي تنوع الجمهور. لكن لا يجب أن يكون الإصلاح تعلّة لإخضاع المؤسسة، ولا ينبغي أن تحتكره البيروقراطية مع إقصاء العاملين والجمهور. الإعلام العمومي في حاجة ماسّة اليوم إلى علاقة تعاقديّة جديدة مع السلطة التنفيذية تراقبها هيئات تعديلية مستقلة.

طبعًا كل هذه أمانٍ تبدو اليوم أبعد من أي وقت سابق. فعلَى سبيل المثال لم تتم استشارة “الهايكا” عند تثبيت السيدة عواطف الدالي في منصبها المؤقت كرئيسة مديرة عامة للتلفزة التونسية أو عند تعيين السيدة هندة بن علية الغريبي رئيسة مديرة عامة لمؤسسة الإذاعة التونسية (صدر القراران في جوان 2023). كما لم تُستشَر الهياكل المهنية قبل قرار رئيسة الحكومة السابقة، السيدة نجلاء بودن، في 28 جويلية 2023 دمج مؤسستي الصحافة الورقية “سنيب-لابراس” العمومية المتعثرة و”دار الصباح” الخاصة المصادرة، وقبل ذلك بأشهر تم تعيين السيد ناجح الميساوي رئيسا مديرا عاما لـ”وكالة تونس أفريقيا للأنباء” (عمومية) بنفس الطريقة الأحادية. 

لم يُخفِ الرئيس قيس سعيّد -خاصة بعد 25 جويلية 2021- يوما توجّسه من الإعلام بشكل عام. في البداية تجاهَلَه وقزّمَه عبر الاعتماد على موقع فايسبوك كوسيط شبه حصري للتواصل مع الرأي العام والتأثير عليه، ثم استهدفه تكرارا ومرارا باتهامات الانحياز ونُقص المهنية والارتباط بمصالح جهات خارجية أو محلّية. اليوم يمرّ الرئيس إلى السرعة القصوى عبر السّعي العلني والصّريح للتدخل في الخط التحريري لمؤسسة إعلامية عمومية. كل هذا يتمّ وسط لا مبالاة شعبيّة كبيرة واختلال هائل لموازين القوى بين السلطة و”المعارضات”، إذ تعبّر بعض الشخصيات السياسية والمنظمات المدنية عن رفضها واستنكارها لما يتعرّض له قطاع الإعلام من إخضاع، لكن يبقى المهنيون في الصف الأول وهم أكثر من يتوجب عليهم الصمود والدفاع عن حرياتهم وميثاقهم المهني.


[1] من توجيهات الرئيس هي فقرة يومية قارة كانت تبث على التلفزيون التونسي العمومي في حقبة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، وكان تتضمن مداخلة متلفزة خلالها الرئيس كل مرة إلى أحد المواضيع، السياسية او الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،إلخ. (هذا الهامش من وضع المحرّر)

[2] الحمامي، الصادق. ديمقراطية مشهدية، الميديا والاتصال والسياسة في تونس. دار محمد علي الحامي، 2022. ص. 125.

[3] شخصية خيالية من رواية “1984” للكاتب البريطاني جورج أورويل، وصارت ترمز إلى الرقابة والتحكم الشاملين اللذين تمارسهما السلطة السياسية على السكان.

[4] قاسم، عبد العزيز. “بورقيبة المستمع الأكبر”، دار سيراس للنشر، 2023.

[5] اكبِس: مصطلح يجري استخدامه في العامية التونسية للدلالة على “الشّدّ” أو “الضغط” (هامش من وضع المحرّر) 

انشر المقال

متوفر من خلال:

مؤسسات إعلامية ، حرية التعبير ، مقالات ، تونس ، إعلام



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية