الدّعم التمويني بعد 25 يناير: عقد من الحذف والإضافة


2021-02-19    |   

الدّعم التمويني بعد 25 يناير:  عقد من الحذف والإضافة

خرج هتاف “عيش، حرية، عدالة اجتماعية” من المتظاهرين في ميدان التحرير إبان ثورة 25 يناير 2011، للتعبير عن سوء الحالة الاقتصادية والاجتماعية للمصريين طيلة سنوات حكم الرئيس السابق محمد حسني مبارك. وفي المطلب الأول “العيش” لخّص المواطنون الاحتياجات الأساسية من الغذاء الذي يعتمد ثلثا المصريين على الدعم التمويني للحصول على احتياجاتهم الأساسية منه، حيث وصل معدل الفقر في مصر إلى 29.7% من 100 مليون.[1]

بدأ نظام العمل بالبطاقات التموينية في مصر إبّان الحرب العالمية الثانية، ووفّرت الدولة للمواطنين الاحتياجات الأساسية مثل الزيت والسكر والدقيق والشاي، بأسعار مخفّضة، نتيجة الاضطرابات التي شهدها اقتصاد العالم. كان مفترضاً أن يكون الدعم مرحلياً، إلّا أنّ النظام التمويني استمرّ عقب ثورة 1952، وتعمّق في الدولة كلّياً في الستينيّات وفي ظلّ نكسة 1967 ساعد الدعم المواطنين على الحياة على هامش الفقر.

يمثل “التموين والخبز” جزءاً من هذا الدعم الذي كان المحرّك الأساسي لتظاهرات شهدتها مصر وأطلقت عليها تسمية انتفاضة الخبز 1977، حينما اتّجه الرئيس السابق أنور السادات نحو ترشيد الدعم وتقليصه، قبل أن يتراجع عن قراراته عقب تلك التظاهرات. وكرّر مبارك التّجربة ذاتها، حيث كانت حكوماته المتتالية بين 1981 و2010 تسعى لتخفيض عدد المستفيدين من البطاقات التموينية. كما أغلق إضافة المواليد في البطاقات سنة 1988.

من الورق إلى المَيْكنة[2]

عقب ثورة 25 يناير، كان التغيير الأبرز في الدعم التمويني، هو تحويل منظومة صرف التموين الورقية إلى البطاقات المُمَيْكنة (الممغنطة)، ليصبح صرف الدعم سهلاً، ويتمكّن المواطن من صرف السلع الغذائية من أي مكان، بعدما كان يقتصر صرف السلع على منفذ تموين واحد.

بدأ التفكير في خطة التحوّل نحو البطاقات الممغنطة منذ 2005 [3] على أن تطبّق في محافظة السويس، وكان مفترضاً أن تعمّم على محافظات الجمهورية، على أن تمرّ بثلاث مراحل. الأولى حصر منافذ التموين، والثانية بناء قاعدة بيانات عن دخل هؤلاء المواطنين واللجوء أحياناً إلى بعض المؤشرات التقريبية الدالّة على الدخل كاستهلاكهم من الكهرباء، والمرحلة الثالثة استخدام البطاقة الذكية في الحصول على السلع التموينية المدعومة من أي منفذ للتوزيع.

لم تنفّذ هذه الخطة خلال عهد مبارك، ودخلت فعلياً حيز التنفيذ خلال يناير 2013 في بورسعيد، حينما أعلن وزير التموين السابق باسم عودة، ربط منظومَتَي السلع والخبز معاً في بطاقة واحدة، وعلى أن تنتقل التجربة إلى باقي المحافظات خلال أشهر.

قبل ثورة يناير، لم يكن سهلاً على أحد من محدودي الدخل أن يضيف طفلاً أو أحد أبنائه إلى بطاقة التموين، لكن بعد الثورة وفي مايو 2013، بدأت الحكومة في إضافة مواليد الفترة من 2005 حتى 2011، بعد أن توقّفت عن ذلك لأسباب أرجعتها إلى عجز في موازنة الدولة.

كان استخراج بطاقة تموين خلال السنوات التي سبقت رحيل مبارك أمراً صعباً. فقد وضعت وزارة التموين، في أغسطس 2008 شروطاً وصفت بالتعجيزية، ومنها أن يكون المستفيد مقيماً في خيمة أو مركب أو في غرفة على السطوح أو في أسفل البناية السكنية، وغير مسموح لملّاك الشقق أن يحصلوا على البطاقات الجديدة، ويحظر على مستأجري العقارات والشقق الانتفاع بها أو الحصول على سلع مدعمة إلّا إذا كانت الأسرة تقيم في غرفة داخل شقة بها حمام مشترك تستخدمه عائلات عدّة.

لكن تلك الشروط التعجيزية للحصول على التموين تقلّصت في مايو 2013، وأصبح الحصول على البطاقة التموينية مرتبطاً بدخل الفرد الذي يشترط ألّا يتجاوز 1500 جنيه للراتب الشهري و1200 جنيه للمعاش، حينها كان الحد الأدنى للأجور 1200 جنيه. سُهّلت الإجراءات واقتصرت على: صورة من بطاقة الرقم القومي لرب الأسرة ومفردات مرتّبه مختومة من جهة عمله أو “بحث حالة اجتماعية” من مكتب الشؤون الاجتماعية وصورة من بطاقة الرقم القومي لزوجته وصور كمبيوتر من شهادات ميلاد الأولاد ووصل غاز أو كهرباء وحوالة بريدية بقيمة 10 جنيهات. وبدأت الإجراءات الفعلية لإضافة مواليد ما بعد 2005 وحتى نهاية 2011 على البطاقات التموينية، الأمر الذي شكّل انفراجة للمواطنين.

نقود أم سلع؟

عقب 30 يونيو 2013، بدأت مؤشرات التحسن ترتفع تدريجيًا. فبدأت الحكومة في إجراء إصلاحات هيكلية في اقتصاد الدولة، وكان التوجه نحو “توصيل الدعم إلى مستحقيه” واستبعاد الفئات القادرة ماليًا وتحويل الدعم من عيني عبر صرف سلع محددة للفرد إلى توفير مبلغ مالي يستخدم في شراء سلع من المنافذ التموينية، حيث بدأت منظومة جديدة للسلع التموينية تجعل الدعم شبه نقدي، لكنه كان لا يزال مقترنًا بمنافذ التموين والمجمعات الاستهلاكية، وبدأت الحكومة في فبراير 2014، بتخصيص مبلغ 15 جنيهاً للفرد شهرياً ليشتري سلعاً محددة بأسعار أعلى نسبياً من سعرها في السوق.

وجاءت الزيادة الأولى في يونيو 2016، وكانت قليلة نسبياً بقيمة 3 جنيهات لكلّ فرد وارتفع بذلك نصيب الفرد من 15 إلى 18 جنيهاً. تلا ذلك زيادة مماثلة ليرتفع الرقم إلى 21 جنيهاً. أما الزيادة الأعلى فكانت 29 جنيهاً إضافية على 21 جنيهاً في يوليو 2017، وبذلك أصبح نصيب الفرد 50 جنيهاً، وظلّ المبلغ ثابتاً حتى الآن.

حددت الحكومة عملية إصلاح منظومة التموين، في استبدال حصص السلع المدعومة بمخصّصات نقدية شهرية، يشتري بها المستفيد السلع من محال التموين الخاصّة أو المجمّعات الاستهلاكية، لكنها لم تراع خفض قيمة العملة أو تذبذب أسعار السلع، والتي من المفترض أنّها موجّهة لمحدودي الدخل.

وكانت منظومة السلع القديمة التي تعمل بالبطاقة الورقية محصورة بصرف مخصّصات محدّدة، وهي السلع الأساسية، وهي على سبيل المثال: زجاجة ونصف زجاجة زيت وكيلو سكر وكيلو أرز، وأحياناً شاي ومكرونة وعدس. لكن بعد التحوّل إلى البطاقات الممغنطة فتحت الوزارة الباب أمام أصحاب المنافذ والمجمّعات الاستهلاكية لبيع نحو (21 سلعة) منها جبن وقهوة ومسحوق غسيل وسلع أخرى، يمكن للمستفيد أن يشتري ما يحتاجه.

لعلّ أبرز الصعوبات التي يواجهها المواطن في المنظومة الجديدة، هي زيادة أسعار المواد الغذائية في منافذ البيع الخاصّة بالدعم عن خارجها. كذلك يصعب عليه الحصول على كلّ احتياجاته الأساسية بالمبلغ الموجود في البطاقة، وعليه أن يتحمّل دفع مبالغ إضافية تضاف إلى مصاريف غير رسمية يطلق عليها (مشال) أي ثمن نقل السّلع من المخزن إلى المستهلك، وتكون في العادة 5 جنيهات على البطاقة.

ويرى متخصّصون أنّ هامش الربح الذي يرفع أسعار السلع نسبياً عن السوق كان هدفه تحويل البقّالين إلى منافسين في السوق لمنع تسرّب السلع إلى السوق السوداء، لتلبية معايير جودة معيّنة لزيادة مبيعاتهم وبالتالي أرباحهم.

الحذف والإضافة.. معاناة محدودي الدخل

تزامناً مع اقتراض الحكومة 12 مليار دولار من صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، بدأت وزارة التموين إصلاحات لتنفيذ توجيهات الصندوق عبر تخفيض أعداد المستحقّين لدعم الغذاء البالغ قيمته 85 مليار جنيه سنوياً، فضلاً عن توجيه نسبة من الوفر المحقق في المالية العامّة تبلغ حوالي 1% من إجمالي الناتج المحلي إلى زيادة الدعم على السلع الغذائية.

حين ذاك، بدأت الحكومة تدريجياً في تنقية قاعدة بيانات المستفيدين من الدّعم التمويني التي كان مدرجاً فيها أشخاص متوفّون ومقيمون في الخارج وأصحاب دخل مرتفع وآخرون تكرّرت أسماؤهم في أكثر من بطاقة، حتى أنّ التكرار وصل إلى 20 مرة للشخص الواحد. ونتج عن ذلك حذف نحو 10 ملايين مواطن بقيمة 5 مليارات جنيه.

خلال رحلة الحكومة للبحث عن الفئات المستحقّة للدعم، وضعت معايير استهلاك المصريين لتحديد من سيرفع عنه الدعم، وكانت كالتالي: “من لديه فاتورة هاتف مرتفعة عن 800 جنيه، أو لدى الأسرة حيازة زراعية أكثر من 15 فداناً، أو يستهلك المستفيد 650 كيلووات من الكهرباء في المتوسط شهرياً، ومن ينفق 30 ألف جنيه على مصاريف تعليم طفل واحد سنوياً ومن يمتلك سيارة إنتاج عام 2014 أو ما بعده ومن يشغل وظيفة إدارية عليا، وكذلك الأسرة التي لديها واردات جمارك[4] أكثر من 100 ألف جنيه”. وعليه استبعد نحو 13 مليوناً و782 ألفاً كانوا يستفيدون من الدعم التمويني حتى مايو 2019.

لكن تلك العملية شهدت استبعاداً وحذفاً رآهما البعض عشوائيَّيْن وينقصهما الحرص والدقة. وعليه، ندّدت التظاهرات التي شهدتها مصر في سبتمبر 2019، بالاستبعاد من الدعم، ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسي يتدخل وقتذاك سريعاً ويعلن تفهّمه لصعوبة الإجراءات الاقتصادية. وعليه أعلنت وزارة التموين والتجارة الداخلية إعادة مليون و800 ألف مستبعد إلى بطاقات صرف السلع التموينية في خطوة لتصحيح الأمر.

الدّعم النقدي المشروط

منذ تولّي وزير التموين الحالي المصيلحي، بدأ التفكير في التحوّل من الدّعم العيني إلى النقدي المشروط، وهو ما يعني تقديم دعم نقدي في صورة مبالغ مالية يصرفها المواطن ويشتري بذلك المقابل النقدي السّلع التي يريدها بالجودة التي يرغبها من أي مكان، عكس الدعم المالي الحالي الذي يلزمه بشراء احتياجاته من أماكن مخصّصة. وقال وزير التموين إنّه سبق أن طرح الأمر بالفعل قبل سنوات، بخاصّة أنّه كان في المنصب ذاته في آخر حكومة لمبارك، وأنّه في طور دراسة كيفية تطبيقه. وتحدثت مصادر رسمية إلى صحف بخصوص اقتراح تحويل الدعم العيني لبطاقات التموين إلى دعم نقدي مشروط، على أن يكون نصيب الفرد 200 جنيه.

ظهر تخوّف لدى اقتصاديين من الاتّجاه نحو الدّعم النقدي بسبب ضعف آليّة ضبط الأسواق، من حيث توافر السلع أو ضبط سعرها، إذ يُخشى أن يتكرّر ما حدث في نوفمبر 2016، حينما حرّرت الحكومة سعر صرف العملة الأجنبية مقابل الجنيه المصري، وما تلا ذلك من ارتفاع مفاجئ في أسعار سلع إلى ثلاثة أضعاف، واختفاء سلع أخرى.

في العموم، تهدف سياسة الدّعم النقدي المشروط إلى مساعدة الأسر الفقيرة التي يقلّ دخلها عن حدّ معيّن، (تحدّده الحكومة) ربما يكون نصف الحد الأدنى للأجور وهو 2000 جنيه أو أعلى، كما تدعم أيضاً الأمهات المعيلات لتوفير الرعاية الصحية الأوّلية للرضّع والأطفال، والمسنّين فوق 65 سنة، وقد تدخل شرائح أخرى.

في حين أنّ دعم السلع الأساسية آلية لتأمين شبكة الأمان الاجتماعي في مصر، تبيّن أنّ هذه الآلية تفتقد إلى الفاعلية والإنصاف والاستدامة، مع أنّ الهدف منها هو دعم الدخل الحقيقي للفئات الفقيرة عبر تأمين الحكومة لبعض السلع الأساسية بأسعار أقلّ من سعر السوق، وحماية السكّان من الصدمات الناتجة عن تقلّبات الأسعار الدولية للسلع الأساسية، لكنها لم تستهدف تلك الفئات وكانت نسبة من الدعم تذهب إلى الفئات المقتدرة مالياً ولا تحتاج إلى المساعدة فيما المستحق لا يحصل على الدعم.[5]

  1. يعرّف جهاز التعبئة العامّة والإحصاء الحكومي الفقر بأنّه: “عدم القدرة على توفير الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للفرد أو الأسرة”، فيما تصف الأمم المتحدة الفقر بأنّه “الجوع وسوء التغذية وانحسار إمكانية الحصول على التعليم والخدمات الأساسية”.
  2. Mechanization
  3. كفاءة وعدالة سياسة الدعم في مصر، د أمنية حلمي (ورقة عمل رقم 105)، نوفمبر 2005
  4. إذا تطابق اسم أحد المستفيدين من الدعم التمويني مع مستورد بضائع أو سلع من الخارج ويدفع قيمة جمركية تصل إلى 100 ألف جنيه، حينها يستبعد من الدعم.
  5. ماذا تبقّى من الربيع؟ مسار طويل نحو تحقيق العدالة الاجتماعية في المنطقة العربية، دراسة حالة، 2015.
انشر المقال

متوفر من خلال:

حركات اجتماعية ، حقوق المستهلك ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، مؤسسات عامة ، مصر



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *