ديوان المحاسبة يمدّ يده على الوزراء: صفْقتا مبنى “تاتش” نموذجًا


2023-05-11    |   

ديوان المحاسبة يمدّ يده على الوزراء: صفْقتا مبنى “تاتش” نموذجًا
رسم رائد شرف

من يتابع عمل ديوان المحاسبة اليوم، يُدرك أنه أسّس لدور لم يعد سهلاً تجاوزه. إصدار قرار يتّهم 6 وزراء للاتصالات بهدر المال العام، ثم إصدار قرار قضائي أولي بحقّهم أمس (هو بمثابة قرار اتهامي) وإعطاؤهم فترة شهرين للدفاع عن أنفسهم قبل إصدار القرار النهائي، مع احتمال الحكم بعقوبات كبيرة بحقهم تتناسب مع حجم الهدر، لم يأتِ من فراغ. وهو لم يكن ممكناً لو لم يسبقه “سيبة” من القرارات التي كسرت عدداً من الأعراف التي كرّست عدم مسّ الديوان بهالة الوزراء، حتى لو ثبت فسادهم وتورّطهم بجرائم مالية.

المرة الأولى التي تجرأ فيها الديوان على اتهام وزير بهدر المال العام وإنزال عقوبة بحقه، كان في 24/9/2020 من خلال الغرفة الثانية برئاسة القاضي عبد الرضى ناصر وعضوية القاضيين جوزيف الكسرواني ونجوى الخوري. حينها، وفي إطار الرقابة المؤخرة على صفقة تلزيم إقامة جسور في منطقة البحصاص في طرابلس، تبيّن للديوان أنّ وزير الأشغال حينها محمد الصفدي مسؤول عن هدر المال العامّ. في قرارها القضائي النهائي، وبعد إثارة الصفدي في دفاعه مسألة انتفاء صفة الديوان في مساءلته عن أي عمل أجراه خلال توليه حقيبته، معتبراً أن ذلك يعود إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، أصدرت الغرفة المعنية قراراً تضمن مطالعة قانونية متينة تبيّن صلاحية واختصاص ديوان المحاسبة في مساءلة الوزراء.

الديوان يحاكم الوزراء… مالياً

حينها كانت المرة الأولى التي يحسم فيها الديوان أنه المرجع الصالح لمحاكمة الوزراء عن المخالفات المالية المتعلقة بإدارة واستعمال الأموال العامة، معتمداً على كونه محكمة إدارة مالية تشمل صلاحياتها محاكمة المسؤولين عن المخالفات القانونية المتعلقة بالأموال العامة في كافة الإدارات (المادة الأولى من قانون تنظيم الديوان). وبالتالي فهو المعني بمحاكمة كلّ المسؤولين من دون استثناء. وبحسب المادة 59 من قانون الديوان التي تحدد الموظفين الخاضعين لرقابته، فهم “كل من يقوم بإدارة واستعمال الأموال العمومية”. وبالتالي، لم تنصّ هذه المادة على أيّ استثناء بمن في ذلك الوزير. أضف إلى أن الوزير هو المسؤول الأول عن إدارة واستعمال الأموال العامة، إذ أنه هو المرجع الصالح لعقد النفقة بحسب قانون المحاسبة العمومية، وهو المعني الأول بالتصديق على الصفقات العمومية، وهو أيضاً، بحسب القانون نفسه، مسؤول شخصياً من أمواله الخاصة عن كل نفقة يعقدها متجاوزاً الاعتمادات المفتوحة بوزارته مع علمه بهذا التجاوز، كما أن هذه المسؤولية لا تحول دون ملاحقة الموظفين التي تدخلوا في عقد الصفقة.

وعليه، فإن المسؤولية المترتبة بموجب المادتين 111 و112 من قانون المحاسبة العموميّة تفضي حكماً إلى إمكانيّة ملاحقة ومحاسبة الوزير أمام المحكمة الإداريّة الماليّة المختصّة، أي أمام ديوان المحاسبة، لا سيما بالنظر إلى وحدة وتلازم القضية، إذ من غير المنطقي أن تتم ملاحقة الموظفين الذين تدخّلوا بعقد النفقة وعدم ملاحقة الوزير، المسؤول الأول في الوزارة، بالنسبة للمخالفة عينها.

أضف إلى أن الفصل ما بين العقوبات المالية التي يعود للديوان فرضها والعقوبات الأخرى من إلزامات مدنية وعقوبات جزائية ومسلكية التي يعود للجهات والمحاكم الأخرى المعنية فرضها برهان على استقلالية الديوان في اتخاذ الإجراءات التي تدخل ضمن صلاحياته. إذ أن صلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء محصورة بالملاحقة الجزائية نظراً لعدم تمثيل القضاة الإداريّين والماليّين فيه، ولا تدخل، بالتالي، ضمن صلاحياته الملاحقة الإدارية الماليّة الناجمة عن المخالفات التي ينظر فيها ديوان المحاسبة، ضمن اختصاص الديوان، بصفة هذا الأخير محكمة إدارية تتولّى القضاء المالي.

الوزير مسؤول من أمواله الخاصة

بالنتيجة، يخلص القرار الصادر في 24/9/2020 عن الديوان إلى أنّ الوزراء مسؤولون أمامه وأنّه يتمتّع بالصلاحيّة والاختصاص لمحاسبة ومساءلة أيّ وزير عن الأخطاء والمخالفات الماليّة الّتي يرتكبها، ضمن الحدود المنصوص عنها في القوانين ذات الصلة، لا سيّما قانون تنظيم الديوان. لكن مع حسم الديوان صلاحيته في مساءلة الوزراء، برزت مشكلة تتعلق بعدم وجود عقوبة رادعة يمكن أن يفرضها، إذ تقتصر العقوبة على غرامات مالية زهيدة، فكان الديوان أن سعى إلى تثبيت حقه في التناسب بين الجرم والعقوبة، وهو ما كرّسه في قرار آخر صدر العام 2021، بشأن تمديد عقد استثمار وتشغيل المنشآت المخصصة لتزويد الطائرات بالوقود، والذي خلص فيه إلى أن وزيريْ الأشغال الأسبقين ميشال نجار ويوسف فنيانوس مذنبان، وإضافة إلى الغرامة، وجد الديوان أن المخالفة المرتبكة من نجار تُرتّب عليه مسؤولية شخصية سنداً إلى أحكام المادة 112 من قانون المحاسبة وتستدعي مساءلته من أمواله الخاصة عن طريق استصدار سند تحصيل بحقه.

وبما أن الديون والواردات التي لم تعين القوانين النافذة طرق تصفيتها وتحصيلها تصفى بموجب أوامر تحصيل تصدر عن رئيس الإدارة المختصة وفق ما نصت عليه المادة 45 من قانون المحاسبة العمومية، طلب الديوان، بناء على هذه المادة، معطوفة على المادة 112 من قانون المحاسبة العمومية، من الإدارة المعنية (وزير الأشغال العامة) إصدار سند التحصيل. وتلك كانت سابقة بالنسبة للديوان.

لكن لأنه صودف أن القرار يطال وزيراً حالياً، وبالتالي رئيس الإدارة الذي يفترض أن يصدر سند التحصيل، ما يؤدي إلى تضارب مصالح، اعتبر الديوان أن الأخير ينبغي أن يتنحّى عن الإجراء المتعلق بإصدار سند تحصيل بحق نفسه، على أن يصدر السند عن وزير الأشغال بالوكالة المعين بموجب مرسوم تشكيل الحكومة، إلا في حال تشكيل حكومة جديدة قبل إصدار سند التحصيل إذ يقوم عندها وزير الأشغال الأصيل الجديد بتوقع سند التحصيل.

بذلك، يكون الديوان قد ثبّت أمرين: حقه في محاكمة (تغريم) الوزراء عن المخالفات المالية المرتكبة من قبلهم، وحقّه في تحميل الوزير المعني المسؤولية عن هذه المخالفات من أمواله الخاصة، وبقيمة الهدر نفسه، وليس فقط الاكتفاء بتغريمه.

في الملف المتعلق بنجّار، عاد الأخير وأبرز مستندات جديدة لم تكن في الملف، منها موافقة مجلس الدفاع الأعلى على الأشغال باعتبارها تتعلق بالسلامة العامة، كما أبرز موافقة استثنائية موقّعة من رئيسي الجمهورية والحكومة. وأمام الوقائع الجديدة جمّد الديوان قرار الغرامة، لكنه أبقى على المخالفة.

أما في الملف المتعلق بالصفدي، فقد عمد الأخير إلى الطعن بالقرار أمام مجلس شورى الدولة، مستعيناً بالحجج القانونية نفسها التي كان أوردها في دفاعه أمام الديوان، أي عدم صلاحية الأخير في محاكمة الوزراء. لكن الشورى، في قراره الصادر في 27 نيسان 2023، ردّ دعوى الصفدي وأكد على اجتهاد الديوان، إذ تشير مراجعة “الشورى” إلى أن كل شخص تدخل في إدارة أو استعمال أو قبض أموال عمومية أو قام بعمليات من شأنها ترتيب دين على دولة أو ارتكب خطأ أو تقصيراً أو إهمالاً ألحق الضرر بهذه الأموال، يكون مسؤولاً أمام المرجع القضائي الذي أولاه القانون مهمة الحفاظ على الأموال العامة ومراقبة انطباق استعماله على القوانين والأنظمة ومحاكمة المسؤولية عن مخالفة الأحكام التي ترعى هذا الاستعمال. كما يوضح “الشورى” أن قانون المحاسبة العمومية كما قانون الديوان لم يتضمّنا أيّ استثناء يُعفي الوزير من المساءلة أمام ديوان المحاسبة بل على العكس فقد نص على رقابة الديوان على الوزير في كافة مهامه بإدارة استعمال الأموال العمومية كمرجع لعقد النفقة في الصفقات العمومية متى تجاوزت 35 مليون ليرة وفقاً للمادة 133 من قانون المحاسبة العمومية وجعلت منه مسؤولاً شخصياً على أمواله الخاصة في حال عقد نفقة تتجاوز الاعتمادات المفتوحة للوزارة وأحلت مسؤوليته محل مسؤولية الموظف التابع له مباشرة متى نتجت المخالفة عن تنفيذ أمره. كما أوجد القانون موجب إعلام المدعي العام لدى الديوان بالمخالفات المبنية على المادتين 111 و112 من قانون المحاسبة العمومية اللتين تتناولان مسؤولية الوزير بشكل أساسي بصفته عاقد النفقة، علماً أن هذا الإعلام يشكل إجراء تمهيدياً للادّعاء على المُقصّرين والمخالفين في إدارة واستعمال الأموال العمومية ومن ثم محاكمتهم.

خلل ينبغي معالجته

كل هذه الوقائع ستكون على طاولة ديوان المحاسبة عندما تصدر الغرفة المعنية قرارها القضائي النهائي بحق وزراء الاتصالات الستة، ربطاً بملف مبنييْ تاتش الذي كشف فيه الديوان هدر ملايين الدولارات. لكن إذا لم تتغير الحكومة قبل إصدار القرار النهائي، فإن الإشكالية التي واجهت إصدار سند تحصيل بحق الوزير نجار ستُكرّر مع الوزير جوني القرم. فسند التحصيل يُفترض أن تصدُره الإدارة المعنية، أي وزارة الاتصالات. وبالتالي، لا يُعقل أن يصدر الوزير قرار تحصيل بحق نفسه، واستطراداً لن يكون منطقياً أن يُصدر قراراً بحق الوزراء السابقين مستثنياً نفسه، لذلك يُتوقع أن تتكرر التجربة بتكليف وزير الاتصالات بالوكالة بهذه الخطوة. لكن المشكلة تبقى في احتمال عدم التنفيذ، علماً أن ديوان المحاسبة يؤكد أن أيّ تقاعس من قبل الوزير المعني في تنفيذ قرار قضائي، واستعادة الأموال المهدورة، ستُحوّله إلى شريك في هدر المال العام، وبالتالي يصار إلى اتباع الإجراءات نفسها لاستعادة هذه الأموال، أي إصدار قرار قضائي يدينه.

هذه الإشكالية المتعلقة بالطلب من الإدارة المعنية معاقبة نفسها يفترض أن يجد المعنيون لها حلاً يعطي هيئات مستقلة مسؤولية التنفيذ. وعلى سبيل المثال، كما حصل مع هيئة القضايا في وزارة العدل في الاجتهاد الذي خلصت فيه إلى أن تتدخل عفواً لحماية حقوق الدولة ومن دون الحاجة إلى طلب من الإدارة المعنية، فيُفترض أن يتكرّر الأمر مع الديوان، المطالب بالتنسيق مع الهيئة أو مع أي جهة رسمية أخرى لتحصيل أموال الدولة وعدم انتظار الإدارة المعنية بالمخالفة أو بالجرم حتى تنفذ العقوبة بحق نفسها.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، سلطات إدارية ، مؤسسات عامة ، قرارات قضائية ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية