الخيم تثابر في صور والنبطية وكفررمان: رسم الإنتفاضة في الجنوب عبر نشاطات ساحاتها


2020-02-05    |   

الخيم تثابر في صور والنبطية وكفررمان: رسم الإنتفاضة في الجنوب عبر نشاطات ساحاتها

بعد عقود عاشها لبنان تحت نظام الزعامات، أتت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019 لتكسر خوف الكثير من اللبنانيين ويأسهم وتجعلهم يعيدون النظر لأوّل مرّة بـ"مقدسّاتهم" الزعاماتية. فاجتاحت موجة الإنتفاضة لبنان من شماله إلى جنوبه، كاسرةً الحواجز داخل كل منطقة، وبين مختلف المناطق. ومع المسّ بهالات الزعماء، نجحت الإنتفاضة في إعادة النظر في صور نمطية لبعض المناطق لا سيّما في الجنوب الذي غالباً ما اعتبر معقل الثنائي الشيعي.

وعليه، كسرت صور وشقيقتها النبطية منذ الأيام الأولى للإنتفاضة محظورات نقد الثنائي الشيعي أو التعرّض له في الفضاء العام. وتمثّل ذلك في انتقاد رئيس مجلس النواب نبيه بري وزوجته السيدة رندة بري، لا بل مهاجمة مكاتب ومنزل نواب من المنطقة واستراحة صور التي يشاع أنها ملك للسيدة بري[1]. وفي اليوم الثالث اجتمعت الجهات الفاعلة في ساحة دوّار العلم في صور لتتابع لوجستيّاً موضوع الخيم وتطلق برنامج ندواتها أسوة بسائر المناطق[2]. أما في النبطية، فالنشاطات الحوارية حصلت تبعاً لأوقات فتح الطريق في محاولة لكسر الحصار المفروض على المحتجّين هناك: "بلّشت المجموعة تحصر حالها من لما فتحت الطريق لأن صرنا نوقف على جنب (الطريق)، فصرنا نحاول نعبّي هيدا الوقت بنشاطات".

أما كفررمان التي لديها صورة نمطية مختلفة لجهة كونها معقلاً للحزب الشيوعي ـ من هنا أتت تسميتها "كفرموسكو" ـ فحين اندلعت الثورة، أُغلق دوار كفررمان فيها بالسواتر الترابية ليتحوّل إلى الساحة الرئيسية التي شهدت اعتصامات حاشدة وفي بعض الأحيان مواجهات مع القوى الأمنية أو "غزوات" من قبل مناصري أحزاب السلطة. "أول ثلاثة أيام كان في كثافة حضور نزلت العالم بشكل عفوي، بعد خطاب السيد طلعت الناس من الشارع  وفي عالم كتير انسحبت على أساس أنو الحراك مسيس أو مشبوه"[3]. وبعد مرور 12 يوماً على 17 تشرين الأول، وعندما اتُّخذ القرار بفتح طريق دوار كفررمان، انتقلت الخيمة إلى موقعها الحالي على أوتوستراد كفررمان مغلقةً أحد مساربه وبدأت تتنظم الندوات فيها. "بعدما أخدنا قراراً بفتح الطريق نحنا كان بدنا بقدر الإمكان نكمل بهيدي الثورة ولنكمل عملنا جدول الندوات"[4].    

وقبل المضي في تحليل نشاطات ونقاشات هذه الخيم، تجدر الإشارة إلى أمرين:

  • تأتي هذه المقالة في سياق جهد "المفكرة" للتعرّف على نشاطات الخيم في مختلف المناطق اللبنانية، والتي شكلت ظاهرة خلال الإنتفاضة. وبعدما كنّا درسنا حوارات بيروت وطرابلس في مقالة سابقة، نتناول في هذه المقالة نشاطات صور والنبطية وكفررمان وهي ثلاث مدن يجمعها سياق مشابه لا سيما لجهة تعرضها للقمع نظراً إلى وقوعها ضمن نطاق هيمنة حركة أمل وحزب الله أو ما يصطلح على تسميته "الثنائي الشيعي".
  • أنه بما يخصّ المنهجية المعتمدة في هذا البحث، فقد تمّ توثيق مواضيع النقاشات والندوات التي جرت في خيم صور والنبطية وكفررمان وذلك في الفترة الزمنية بين 27 تشرين الأول 2019 و18 كانون الثاني 2020 وبخاصة المنشورة على صفحات فيسبوك الخاصة بهذه الخيم ومنظّميها. كما أجرت "المفكرة" مقابلات مع منظمي النقاشات في الخيم حول نشاطاتها والمشهد في المنطقة بشكل عام.

 

نشاطات "جديدة"؟ بين الأفكار النمطية والواقع

بعد إجراء مقابلات مع ناشطين من خيم الجنوب والاستفسار عن الجهات التي تنظم الحوارات، يتبين سريعاً أنّ العديد من الأفكار النمطية السائدة عن كل من مدينة صور، والنبطية، وكفررمان غير دقيقة أو حتى عارية من الصحة. فعندما اندلعت الإنتفاضة في مدينتي صور والنبطية، صُوّر الأمر وكأنها الأولى التي تشهد هذه المناطق تحرّكات احتجاجية. وإشكالية هذه الفكرة أنها تغيّب التحركات السابقة التي شهدتها هذه "المعاقل" على الصعيد المناطقي كما تغيّب مشاركة العديد من أفرادها في حراكات على الصعيد الوطني.

ففي النبطية، تؤكّد إحدى منظمات النقاشات ميرنا بشارة أن المدينة شهدت تحرّكاً قبل ثلاثة أيام من اندلاع الثورة: "نزلنا سكرنا الشارع بنص سوق النبطية اعتراضاً على تراكم النفايات بالشارع ونحنا كان عنّا كتير تحركات بهيدا الصدد لأن نحنا عنا مشكلة نفايات بالنبطية والبلدية ما عم بتلاقي حلول، وبيطلع كتير فضايح". كما ذكّرت بتحرّك آخر ضد تكاثر الجرذان في منازل النبطية. وقد أتت الإنتفاضة والجوّ العام الذي فرضته لتحثّ الناشطين على التنظيم ونتج عن ذلك مجموعة "حراك النبطية" التي تولّت تنظيم النقاشات في الخيم. "نحنا بلّشنا مع الثورة، يعني بلشنا ننقي بعضنا من أول يوم، حدا بيعرف حدا، حدا بحكم أنو وقفنا حد بعض، بلشت المجموعة تحصر حالها من لمّا انفتحت الطريق"[5]. وتضم هذه المجموعة أفراداً من خلفيات مختلفة: فمنهم من ينتمي إلى الحزب الشيوعي أو حركة الشعب ومنهم مستقلون أو حتى أفراد ميّالون إلى أحزاب السلطة. وقد اجتمع كل هؤلاء تحت ميثاق واحد ومطالب موحدة. "أول مرة التقينا حطينا ميثاق للمجموعة، إنّو نحن ما دخلنا بخلفية الشخص طالما هو مش عم يفرض رأي حزبي أو آراء الجهة اللي هو تابع لإلها، يعني بيشلح حزبو برّا و بفوت على المجموعة كمواطن لبناني".[6]

أما صور فشهدت عدداً من الندوات قبل 17 تشرين الأول، وقد نظمها منتدى صور الثقافي والحزب الشيوعي وما يسمّى "حراك صور" الذي نشأ عام 2017 تمحورت كلّها حول حق الوصول إلى المعلومات بالتعاون مع البلديات. كما شهدت المدينة تحركات من أبرزها تحرّك "حراك صور" في ساحة العلم يوم 23/12/2018 شارك فيه حوالي 700 شخص. وبحسب دكتور حسان حجازي، وهو ناشط في "حراك صور" وأحد منظمي نقاشات الخيمة، رُفعت آنذاك شعارات ومطالب ترفعها الإنتفاضة اليوم كمحاربة الفساد والمحاصصة الطائفية، استرجاع الأموال المنهوبة، استقلالية الفضاء، وتشكيل حكومة إنقاذ. ويفسر د. حجازي أنّ استياء الناس في صور أظهر ملامحه في السنوات الماضية في الإنتخابات: "بمنطقة صور صح أنو في حزبين مسيطرين، بس إذا بترجع للانتخابات النيابية أو البلدية في نسبة كبيرة من العالم قرفت أو ما صوتت أو صوتت ضدّ، في خروقات صارت بالبلديات بالضيع بمنطقة صور"، "وهيدا بيدلّ على حالة وعي". تفسّر إحدى المنظمات وتدعى رهام رومية أنّه بعد 17 تشرين اجتمع جميع الأفراد والمجموعات المشاركة في الانتفاضة لينظموا معاً النشاطات الحوارية في خيمة ساحة العلم. وأفادت رومية أن العديد من ناشطي الخيمة عملوا معاً سابقاً خلال الإنتخابات النيابية، وحراك إسقاط النظام الطائفي عام 2011، وحراك النفايات في صيف 2015.

الأمر نفسه في كفررمان التي عرفت أيضاً نشاطات حوارية قبل 17 تشرين الأول، حيث كان نادي التحرّر ينظم شهرياً ندوة في البلدة والقرى المجاورة. أما بعد اندلاع الإنتفاضة، فقد أصبحت مجموعة حراك كفررمان هي التي تنظّم نشاطات الخيم، وهي مجموعة تضم مختلف الأفراد والجهات الناشطة في البلدة، وأحدها الحزب الشيوعي. يفسّر أحد المنظمين يوسف سلامة أن الحزب الشيوعي يشكل جزءاً أساسياً من الحراك كون عدد المنتسبين إليه كبير نسبياً في كفررمان. لكن يؤكد سلامة أن الحراك يضمّ أفراداً مستقلين "ما إلهم علاقة لا بالحزب (الشيوعي) ولا بحدا"[7]. "أول ما نزلنا على الشارع، شلحنا العباية السياسية وشلنا صيغة إنه الحزب الشيوعي قائد هيدي الثورة لأن بالنهاية أي انتفاضة ما بيسوى يكون عندها قائد، الشعب اللي بيتحرك وبيقرر"[8]. ولكن محاولات الحزب الشيوعي بـ "شلح العباية" لم تمنع أنصار حركة أمل من أن يهتفوا "حرامي حرامي تشي غيفارا حرامي" في 18/12/2019 بعدما أدركوا أنّ هتاف "شيعة شيعة شيعة" لا جدوى له ضد الحراكيين الشيعة. 

 

الخيم مساحة تثقيف ومثابرة وصلة وصل مع الإنتفاضة الوطنية

اختلف مشهد الخيم في الجنوب عن المشهد في العاصمتين بيروت وطرابلس. ففي مدن صور والنبطية وكفررمان، تراجع عدد الداعمين علانية للانتفاضة بعد القمع الذي تعرّضوا له مما دفعهم إلى إقامة خيمة واحدة في كل مدينة على عكس بيروت وطرابلس التي انتشرت فيها الخيم بكثرة. وعليه، يتخطّى دور هذه الخيمة دور الخيم في بيروت أو طرابلس، بحيث تصبح رمزاً لثورة مدينة بأكملها وصلة وصل مع الإنتفاضة الوطنية. ففي مدينة صور "الخيمة أهميتها إنو صور جزء من لبنان وصور جزء من الإنتفاضة الي عم بتصير بلبنان كله، اللي اسمها لبنان ينتفض"[9]. كما في مدينة النبطية، الخيمة هدفها "نكون نحنا كمان بالنبطية شقفة من لبنان ما نحس حالنا عطول أنو نحنا متل كأننا بلد تاني"،"هيدي كمان عاطية فرح للشباب أنو حاسّين بالنبطية لأول مرة أنو عم بشاركوا كلبنانيين"[10].

وأصبحت خيم الجنوب ترمز إلى استمرارية الثورة في وجه القمع الشديد التي تعرّض له الثوار من "غزوات" مناصري الأحزاب إلى اعتداءاتهم إلى التوقيفات. في صور وبحسب د. حجازي "لازم نترك الخيمة كرمزية الإستمرار في الإعتصام والإعتراض على السياسات المستمرة، إنّو نحن موجودين". وتجدر الإشارة هنا إلى القمع التي شهدته مدينة صور من إطلاق نار وانتشار مظاهر مسلحة لمناصري حركة أمل إلى سلسلة توقيفات واستدعاءات طالت نحو 150 شاباً (بينهم قُصّر) من المنطقة[11]. وأتى جواب مشابه من النبطية حيث "كتير مهم وجودها للخيمة وكتير مهم أنو نحنا بعدنا لهلق رغم المضايقات رغم الاعتداءات اللي صارت رغم التهديدات اللي صارت من 17 تشرين لهلق"[12]. ومن هذه الاعتداءات نذكر الاعتداء على المتظاهرين من قبل الشرطة البلدية في 23/10/2019 والتي أدت إلى استقالة ثلاثة أعضاء من المجلس البلدي.

أما بما يخص النشاطات الحوارية، فيبدو الهدف مشابهاً للنقاشات في بيروت وطرابلس وهو التوعية والتثقيف وإتاحة مساحة للنقاش وطرح الأسئلة من أجل تسليح الثوار بالمعرفة اللازمة حول الوضع الراهن وآليات التغيير.

 

كيف تُحدد مواضيع النقاش والمتحدثين؟

تشابهت آلية اختيار مواضيع النقاشات في مدن صور والنبطية وكفررمان مع الآلية المعتمدة في المناطق الأخرى. فكما حصل في بيروت وطرابلس، اختار المنظمون المواضيع التي تستجيب من منظورهم لطلبات المحتجين بمزيد من المعرفة والتي تندرج عموماً تحت سؤال مركزي: "ليه وصلنا لهون وشو فينا نعمل"[13] وتؤدي عملياً إلى تسليط الضوء على مكامن "الفشل" في أداء السلطة[14]. كما تمّ في حالات عدة اختيار مواضيع على أساس اقتراحات الناس مباشرةً كما هو الحال في صور[15].

أما بما يخص المتحدثين، فيتمّ اختيارهم على أساس اختصاصهم في الموضوع المطروح. وهنا أضاف د. حجازي أنه لا يقتضي فقط على المتحدث أن يكون صاحب اختصاص في المجال بل يجب أن يكون أيضاً ناشطاً فيه. كما يتم التأكد أنّ المتحدث غير تابع لأي جهة من جهات السلطة، أي "شخصيات بتحكي بحرية"[16]. ونظراً  لتاريخ جنوب لبنان النضالي في مقاومة العدو الصهيوني، شدّدت رومية على أن "أهم شي ما يكون في نقاط عمالة وتطبيع" لصاحب الإختصاص.

 

المواضيع

بعد رصد المواضيع التي تمت مناقشتها في ساحات صور والنبطية وكفررمان، أمكن تصنيفها على غرار ما فعلناه عند دراسة نقاشات بيروت وطرابلس، ضمن أربع فئات نعرضها تباعاً وفق مدى حضورها: مواضيع متّصلة بضمان استمرارية الثورة ومواضيع متّصلة مباشرة بمطالب ومواقف الإنتفاضة ومواضيع متّصلة بردود أفعال على السلطة، وأخيراً مواضيع اكتسبت زخماً مع الإنتفاضة.

 

مواضيع تضمن استمرارية الثورة

من أبرز مخاوف الثوار، الخوف على استمرارية انتفاضتهم ومسارها. وتجلّى هذا الهمّ أيضاً في الجلسات الحوارية بحيث كرّست الخيم عدداً هاماً من النقاشات حول مواضيع تعالج حاجات الثوار على الأرض بغية ضمان استمرارية انتفاضتهم. احتلت هذه الفئة المرتبة الأولى من مجمل النقاشات (حوالي 43%) وتنوعت المواضيع بين "الفن والثقافة في الثورة" في خيمة كفررمان إلى "دور الحركة الطلابية في الإنتفاضة" في خيمة صور، إلى "تصوّرات المرحلة القادمة من الإنتفاضة" في خيمة النبطية. ومن الملفت تنظيم الحوار نفسه مع المتحدث نفسه بين المناطق كجلسة تحت عنوان "الإنتفاضة وتحديات المرحلة" مع حسن خليل في كل من كفررمان وصور. كما نُظمت "لقاءات" مع شخصيات معروفة كمقدّم البرامج هشام حداد في كفررمان أو مع الصحافي رضوان مرتضى في النبطية.

فكثرة هذه الفئة من المواضيع يعكس الخوف على الإنتفاضة بالجنوب (كما هو في سائر المناطق)، وقد أتت هذه المواضيع كاستجابة لمخاوف وأسئلة شائعة مثل "وبعدين؟" أو "أدّي لح نقدر نكفي؟"[17]

 

مواضيع متصلة مباشرة بمطالب ومواقف الإنتفاضة

تتضمن هذه الفئة مواضيع اقتصادية واجتماعية وسياسية ناقشتها المجموعات انطلاقاً من مطالب الإنتفاضة. فهي مواضيع متعلّقة مباشرةً أو غير مباشرةً بأولويات لازمت في معظمها انطلاقة الثورة ومطالبها والخطاب المنبثق عنها.

وفيما أتت هذه المواضيع في المرتبة الثانية بخلاف حال بيروت حيث أتت في المرتبة الأولى، فإن أكثر المواضيع حضوراً منها كانت هي نفسها أي أسباب الأزمة الإقتصادية والمصرفية والحلول الممكنة للخروج منها (حوالي 35% من مواضيع هذه الفئة). يشار إلى أنّ ناشطي كفررمان والنبطية عمدوا على إقفال مدخل مصرف لبنان في النبطية أكثر من مرة.

أما المواضيع المتعلقة بالمطالب السياسية للثورة (حوالي 31% من مواضيع هذه الفئة)، فإن معظمها تناولت موضوع النظام الطائفي وكيفية تغييره، وذلك بخلاف بيروت حيث احتلت مواضيع الحكومة الإنتقالية الصدارة، مما قد يشير إلى أن بوصلة التغيير بالنسبة إلى حراك الجنوب تتجاوز الحكومة الإنتقالية لتطال بالدرجة الأولى النظام بأكمله.

وقد احتلت مواضيع الفساد المرتبة الثالثة ضمن هذه الفئة (حوالي 27%) وشملت قطاعات ومجالات مختلفة من ملف نهر الليطاني إلى قطاع الكهرباء. ورافقت النقاشات هذه تحركات في النبطية أمام شركة الكهرباء في 11/1/2020 حيث دخل المعتصمون مبنى الشركة وألقوا بياناً طالبوا فيه بإصلاحات تخص القطاع بأكمله.

كما برزت بعض الجلسات حول استقلالية القضاء ونزاهته، وهو مطلب برز في جميع الساحات اللبنانية. وتُرجم المطلب هذا في الجنوب عبر اعتصام نفذه ثوار النبطية وكفررمان أمام قصر العدل في 7/1/2020 حيث رفعت شعارات تطالب باستقلالية القضاء ومحاسبة الفاسدين.

 

ردود فعل على خطاب السلطة وأفعالها

بالإضافة إلى ما تقدم، برز عدد كبير من النقاشات كردة فعل على خطوات اتخذتها السلطة تفاعلاً مع الانتفاضة أو في مسعى لاستيعابها. ولكن تبيّن أن هذه الفئة كانت شبه غائبة وانحصرت بنقاش واحد حول قانون العفو العام الوارد على جدول أعمال الجلسة النيابية التي دعا إليها رئيس مجلس النواب نبيه بري يوم الثلاثاء 12 تشرين الثاني 2019 تحت حجة تلبية مطالب الحراك. وخطورة القانون تكمن في أن العفو العام أخذ طابع المبدأ بحيث يستفيد الجرم (أي جرم) من العفو إلّا الجرائم المستثناة والمذكورة صراحة فيه، الأمر الذي يؤدي إلى شمل الجرائم التي يشتبه تورط السلطة الحاكمة بها، مثل الجرائم البيئية أو جرائم التهرب الضريبي وجرائم ديوان المحاسبة وتهريب الرساميل إلخ[18].

وتسجل جلسة حوارية واحدة من بين 69 جلسة لردود الأفعال إنما يظهر أن إنتفاضة هذه المدن آثرت التركيز على مطالبها وأولوياتها فيما تجنّبت الغرق في ردود الأفعال على تصرفات السلطة. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى دعوة ناشطي هذه المدن إلى المشاركة في تحركات كردة فعل على قمع السلطة، ومنها دعوة حراك النبطية وصور إلى الإعتصام أمام قصر العدل في صيدا يوم 14/11/2019 تضامناً مع معتقلي استراحة صور. كما يسجل أن حراكيي النبطية عمدوا إلى حرق أعلام إسرائلية وذلك تأكيداً على التزامهم بمعاداة ومقاومة إسرائيل ورداً على حملة التخوين والتشويه التي كانت شنّتها ضدهم أركان السلطة. وبالمقابل، وصف ناشطو الجنوب في محلات عدة، أفعال وسياسات السلطة بـ"الإحتلال".

 

قضايا اكتسبت أو ازدادت زخماً مع الإنتفاضة

مع اندلاع الإنتفاضة في 17 تشرين الأول وبروز إهتمام غير مسبوق لدى المواطنين بمختلف القضايا الوطنية، اكتسبت العديد من المواضيع الإجتماعية والبيئية زخماً لم تشهده سابقاً. فظهرت في الساحات ندوات حول حق المرأة في إعطاء جنسيتها لأولادها وملف الغاز والنفط الذي برز أيضاً في بيروت وطرابلس والنظام التعليمي والتخطيط المدني.

في سياق تاريخ الجنوب النضالي بما يخص المقاومة، نُظمت ندوة مرتين في خيمة صور تحت عنوان "المقاومة الوطنية إن حكت" مع الأسير المحرر كايد بندر بهدف مناقشة تاريخ مقاومة اللبنانيين ضدّ العدو مع الجيل الجديد.

 

النشاطات الفنية

لجأت خيم الجنوب إلى النشاطات الفنية بشكل كثيف، وهي ظاهرة لم نشهدها في خيم بيروت. هذه النشاطات تمثلت في عرض أفلام في الخيمة وتأدية أغاني وطنية وثورية من قبل الفنان خالد الهبر في صور أو شربل روحانا ومارسيل خليفة في النبطية، وصولاً إلى ليالي إلقاء شعر في كفررمان. وفسّرت رومية من خيمة صور أن الموجودين على الساحة يحتاجون إلى أجواء هذه النشاطات لرفع المعنويات. وجاءت الإجابة من خيمة النبطية بما يخص النشاطات الفنية: "نحنا فرحانين، الثورة عاملتلنا جوّ من الفرح، يمكن السبب الأساسي لعمل أشياء فنية هو إنّو نحنا فرحانين. إلنا ناطرينها للثورة من زمان". ويبرز دور آخر للنشاطات الفنية، فبحسب يوسف من خيمة كفررمان إنها تزيد من كثافة الحضور وتجذب مشاركة وجوه جديدة. "يوم الاستقلال عملنا مهرجان أجى شربل روحانا وزياد الأحمدية وغيرهم كان في ما يقارب 3000 شخص عم يتسمعوا" والعديد منهم هم من الوجوه الجديدة. وفي بعض الحالات جذبت الأعمال الفنية وجوهاً جديدة إلى النقاشات في ما بعد. وعليه، تصبح النشاطات الفنية وسيلة أساسية لتوسيع نطاق المشاركة في ظل القمع الممارس في المنطقة منذ اندلاع الإنتفاضة في 17 تشرين.

 

ماذا بعد كسر الخوف؟

إن وجود تحرّكات وبوادر تغيير ما قبل 17 تشرين لا يلغي وجود خوف من التعبير عن الرأي المستقل أو المعارض خلال هذه الفترة بشكل عام، وذلك بسبب هيمنة الثنائي الشيعي في الجنوب. "بالنبطية إذا مستقل بتقعد بتتوشوش إنت ورفيقك المستقل متلك، ما في مجال تحكي بأي شي خارج عن الحزب أو الحركة دغري الإتهامات جاهزة"[19]. وبالنسبة إلى د. حجازي الخوف الموجود قبل 17 تشرين ليس خوفاً جسدياً من الاعتداء إنما هو خوف نفسي. ويفسّر انكسار الخوف مع الإنتفاضة "لأن 17 تشرين وحّدت المطالب عند كل اللبنانيين وعملت حالة عامة تحاكي المشهد المطلبي للحق للناس"، حتى أنّ بعض الأفراد توجّهوا نحو الشتائم ضد زعماء كانوا يُعتبروا آلهة، وذلك نابع من وجعهم ومعاناتهم. وبالرغم من الغزوات والاعتداءات والتهديدات التي تتكرر وتجعل من الجنوب منطقة "خطرة"[20] للثوار، يؤكد يوسف من خيمة كفررمان أن الخوف انكسر وأن ناشطي كفررمان تمكّنوا من التصدي لاعتداءات أنصار السلطة و"الرد بالمثل" لحماية استمرارية خيمتهم وحراكهم.

ولكن ماذا بعدما انكسر حاجز الخوف في "معاقل" الثنائي الشيعي؟ فبالإضافة إلى ازدياد النشاطات النقاشية بكثافة، يُلحظ مشاركة وجوه جديدة في تحركات وحراكات الجنوب "هني من الـ40% اللي ما صوتوا"[21]. وفي كفررمان، حيث الفئة الناشطة بمعظمها من الجيل الشاب أي بين 17 و 23 عاماً وبعد تشكيل حكومة لا تلبّي مطالب الشعب، الأمور تتوجه نحو التصعيد بعد اعتماد كافة الوسائل من تسكير الطرقات إلى الندوات. أما في صور، فهناك توجه لبعض المجموعات كـ"حراك صور" نحو الإستفادة واستثمار كسر الخوف لترجمته إلى حالة وعي ثقافية في المدينة والقرى المجاورة عبر مختلف النشاطات والتحرّكات[22]. وبنظر د. حجازي، أحزاب السلطة "كتير مبسوطة" في حال تظلّ نشاطات الحراك "محبوسة" في الساحة ولا يشارك فيها إلّا الحراكيون،"منكون عم نحجّم حالنا". ويرى أنه يجب بموازة إبقاء الخيمة ورمزيتها، يجب الوصول إلى الفئات التي لا تشارك في نشاطات الساحة، "لازم نحمل حالنا ونروح نحن والندوات على الضيع"، كما يجب الوصول إلى قاعدة الأحزاب الشعبية. فمع تفاقم الأزمة الإقتصادية وتردّي الأوضاع المعيشية، وفي ظل انكسار حاجز الخوف وجهود الثوار الجنوبيين بعد 17 تشرين، هل سيشهد الجنوب توسعاً مستداماً لقاعدة المستقلّين (عن السلطة) على المدى القريب؟

 

 


[1] المفكرة القانونية، " من طرابلس إلى النبطية وصور مرورا بصيدا: ثورة على الزعامات"، موقع المفكرة القانونية، 21/10/2019.

[2] دكتور حسان حجازي، أحد منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

[3] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[4] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[5] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[6] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[7] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[8] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[9] رهام رومية، إحدى منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

[10] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[11] رولا فرحات، " أسباب خفوت حراك صور: قمع وتوقيفات واستقالة الحكومة"، موقع المفكرة القانونية، 1/11/2019.

[12] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[13] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[14] د. حسان حجازي، أحد منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

[15] رهام رومية، إحدى منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

[16] د. حسان حجازي، أحد منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

[17] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[18] المفكرة القانونية والمرصد البرلماني لبنان، " قانون عفو عام بطعم الرشوة والعفو والذاتي: انهيار النظام القانوني"، موقع المفكرة القانونية، 11/11/2019.

[19] ميرنا بشارة، إحدى منظمي الندوات في خيمة النبطية، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[20] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[21] يوسف سلامة، أحد منظمي الندوات في خيمة كفررمان، مقابلة مع المفكرة في 20/1/2020.

[22] د. حسان حجازي، أحد منظمي الندوات في خيمة صور، مقابلة مع المفكرة في 21/1/2020.

انشر المقال

متوفر خلال:

حراكات اجتماعية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *