“الخطاب السياسي الاحتجاجي” حرية مضمونة: قرار قضائي بتبرئة إهانة هيئات منظّمة في المغرب


2023-02-17    |   

“الخطاب السياسي الاحتجاجي” حرية مضمونة: قرار قضائي بتبرئة إهانة هيئات منظّمة في المغرب

بتاريخ 04/01/2023، أصدرتْ المحكمة الابتدائية بالصويرة -جنوب المغرب- حكما[1] قضى ببراءة ناشط حقوقي من جنحة إهانة هيئات منظمة على خلفية تدوينات نشرها في صفحته الشخصية على موقع الفيسبوك . وكان لافتا في الحكم الذي تنشره المفكرة القانونية أنه اعتبر عبارات النقد المتداولة من طرف المتهم عبر صفحته الشخصية في الفيسبوك والمستعملة من طرف تنظيمات سياسية “معارضة” لا تخرج عن إطار حرية التعبير والرأي التي يكرسها الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها.

الحكم يأتي بعد أيام قليلة من نشر حكم آخر صادر عن القضاء المغربي قضى برفض طلب النيابة العامة حجب صفحة فيسبوكية مؤكدا أن “الفيسبوك منصة ومساحة لتبادل الأفكار والآراء ونشر المقالات”.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 26/12/2022 حينما تم توقيف ناشط حقوقي من طرف المصالح الأمنية لكونه يشكل موضوع برقية بحث على الصعيد الوطني من أجل جنحة إهانة هيئات دستورية على إثر قيامه بمشاركة مجموعة من التدوينات على حسابه الفيسبوكي الحامل لاسمه الشخصي.

وفي إطار البحث التمهيدي الذي تشرف عليه النيابة العامة، وبتنسيق مع فرقة الاستعلامات المحلية تبيّن أن المعني بالأمر عضو في الجمعية المغربية لحقوق الانسان وناشط سابق بحركة عشرين فبراير وعضو سابق بالمكتب المحلي لحزب العدالة والتنمية وناشط سابق بالتنسيقية الوطنية لحاملي الشهادات المعطلين.

وعند الاستماع تمهيديا إلى المتهم في محضر قانوني، أكّد أن الحساب الفيسبوكي الحامل لاسمه الشخصي مع صورة تحمل علم فلسطين وكتابة مفادها لا للتطبيع، هو حسابه الشخصي وقد أنشأه منذ 10 سنوات وهو الحساب الوحيد الذي يتوفر عليه، مُوضحا أنّه بالفعل قام بنشر مجموعة من الصور والتّدوينات والكتابات التي تبقى في مضمونها تعاطفا مع معتقلي حراك الريف الذين ينادون بمطالب اجتماعية، وتعبّر أيضا عن موقفه الشخصي من رفض مسألة التطبيع مع إسرائيل، وانتقاده للسياسة الحكومية العبثية. وهو ما دفع به إلى نشر وكتابة ومشاركة هذه التدوينات والكتابات التي يوجد بعضها على جدار حسابه فيما قام بحذف تدوينات أخرى ، مضيفا أنه يطالب بالحرية للمعتقلين السياسيين الذين تم اعتقالهم في حراك الريف بسبب مطالبهم المشروعة في الصحة والتعليم والحياة الكريمة. كما أنه لم يسبق له أن حرض على التجمهر غير المرخص كما لم يحرض على عدم التلقيح ضد فيروس كورونا، والدليل أنه تلقى جرعتين من لقاح كورونا. والأكثر من هذا أنه قام بتصوير فيديو يحثّ ساكنة المدينة على ملازمة مساكنهم احتراما للطوارئ الصحية ولمساعدة البلد على تجاوز آثار الجائحة.

قررت النيابة العامة متابعة المتهم من أجل جنحة إهانة هيئات منظمة، طبقا لمقتضيات الفصلين 263 و265 من القانون الجنائي [2] وإحالته على جلسة الحكم.

موقف المحكمة

أثناء المحاكمة، حضر المتّهم أمام المحكمة وأكّد تصريحاته التمهيدية، مُضيفًا أنّ التدوينات التي قام بنشرها على صفحته في الفيسبوك عبارة عن شعارات خاصّة بالجمعية المغربية لحقوق الانسان وكذا هيئات حقوقية أخرى، وأنّه لم يعُدْ يتذكّر السياق الذي جعله يستعمل تلك الألفاظ المدوّنة بالحساب وأن ما قام بتدوينه يبقى مجرد آراء شخصية لم يكن يقصد منها إهانة أي جهة أو مؤسسة معينة. وعليه قضت المحكمة بعدم مؤاخذة المتهم من أجل المنسوب إليه والحكم ببراءته من جنحة إهانة هيئة منظمة اعتمادا على العلل التالية:

  • الفصل 25 من الدستور الذي ينص على ضمان “حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها” و “حرية الابداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني”، والفصل 28 من الدستور الذي يقر “… للجميع الحق في التعبير ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيد عدا ما ينص عليه القانون صراحة…” والفصل 19 الذي ينص على “تمتع الرجال والنساء على قدم المساواة بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية، الواردة في الدستور، وفي الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب…”؛
  • أن لمحكمة الموضوع كامل الصلاحية للأخذ بما تطمئن إليه من كافة وسائل الإثبات المعروضة عليها والمناقشة أمامها، ومنها تصريحات الأطراف وباقي الأدلة المحيطة بوقائع القضية، وطرح ما لم تطمئن إليه منها.
  •  بالاطلاع على وثائق الملف، لا سيما نسخ التدوينات موضوع المتابعة وتعليق المتهم عليها وتفسيره لها أثناء عرضها عليه تمهيديا وأمام المحكمة، يتبين أن بعض المفردات والعبارات التي استعملها المتهم في بعض كتاباته لا تعدو أن تكون خطابا سياسيا متداولا عند بعض التنظيمات السياسية بالمغرب ذات التوجه الاحتجاجي منذ عقود، لا يخرج عن إطار حرية التعبير والرأي التي يكرسها الدستور والاتفاقيات الدولية المصادق عليها؛
  • لا دليل للمحكمة على قيام جنحة إهانة هيئات منظمة ضد المتهم، نظرا لانتفاء أهم عناصرها التكوينية، المتمثل أساسا في عنصر المساس بشرف أو بشعور هيئة معينة أو الإخلال بالاحترام الواجب لسلطتها ، طالما أن الثابت من الوقائع أعلاه، هو أن المتهم قد عبر عن عدم اتفاقه مع قرارات سياسية وإدارية فقط، مما يتعين معه القول بعدم مؤاخذته من أجلها، والتصريح ببراءته، عملا بالمبدأ المنصوص عليه في المادة 01 من قانون المسطرة الجنائية، والقاضي بأن :”الأصل في الإنسان البراءة”، وأن الأحكام الجنائية “لا تبنى على الشك والتخمين بل على الجزم واليقين”.

تعليق على الحكم

تكمن أهمية هذا الحكم الذي تنشره المفكرة القانونية في كونه يعيد إلى الواجهة الإشكاليات التي تُواجه المدافعين عن حقوق الإنسان في ممارستهم لحرية التعبير عبر مواقع التواصل الاجتماعي من تضييقات نتيجة إعمال المواد المقيدة لحرية التعبير الواردة في القانون الجنائي، وكذا إعمال قانون الطوارئ الصحية والتي تتّسم بالعمومية؛

كان لافتا في الحكم أنه انتصر لحرية التعبير التي تبقى مبدأ لا يمكن الحدّ منه إلا مع مراعاة مبدأيْ الضرورة والتناسب، وذلك إعمالا لمقتضيات الاتفاقيات الدولية المصادق عليها ولبنود الدستور وبالأخص الفصل 25 منه والذي يعتبر حرية التعبير مضمونة؛

اعتمدت المحكمة تفسيرا ضيقا لمقتضيات الفصل 263 من القانون الجنائي الذي يعاقب على جنحة إهانة هيئة منظمة “بواسطة أقوال أو إشارات أو تهديدات أو كتابة أو رسوم غير علنية…حيث ربطت تطبيق هذا الفصل بوجود القصد الجنائي الذي يتمثل في “قصد المساس بالشرف أو الشعور أو الاحترام الواجب للسلطات…”؛

اعتبرت المحكمة أن الانتقادات الواردة في تدوينات المتهم والمنشورات التي شاركها في مواقع التواصل الاجتماعي والتي تتضمّن انتقادات للقائمين على تدبير الشأن العام، لا تخرج عن إطار حريّة التعبير والرأي التي يكرسها الدستور والمعايير الدولية، كما أنها منشورات لا تخرج عن الخطابات السياسية المتداولة عند بعض التنظيمات السياسيّة بالمغرب ذات التوجه الاحتجاجيّ منذ عقود، وهو ما يكرس الحق في الاحتجاج كشكل من أشكال التعبير.

وتجدر الإشارة الى أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان أوصى بضرورة تدقيق العناصر التكوينية لجنح إهانة موظفين عموميين وإهانة الهيئات المنظمة لأنها تتّسم بعمومية مخلّة بمبدأ الشرعية الجنائية حيث لا تحدد نوعية الكتابة أو الرسوم التي يمكن اعتبارها إهانة للموظفين العموميين أو للهيئات المنظمة[3]، كما طالب بحذف إمكانية تحريك المتابعات في قضايا التشهير بناء على بنود القانون الجنائي وهو ما لا يتيح إمكانية التنبؤ.

يمكنكم هنا الاطلاع على نسخة من حكم البراءة من تهمة إهانة هيئات منظمة

مواضيع ذات صلة

ما ساكتينش” حملة إلكترونية بالمغرب للمطالبة بهامش حرية أكبر
القضاء يرفض طلب النيابة العامة بحجب صفحة فيسبوكية: الفيسبوك منصة ومساحة لتبادل الأفكار والآراء ونشر المقالات
الحكم على مدوّنة بالمغرب بتهمة “الإساءة للإسلام
بالمغرب الحبس لأربعة صحافيين بتهمة نشر أخبار صحيحة

نقاش في المغرب بعد نشر ضوابط للتعاليق بالمواقع الالكترونية

منشور بمنع محامي الدار البيضاء المشاركة في البرامج الإعلامية

المغرب يعلن حال الطوارئ الصحية: احترام مبدأ الشرعية الجنائية في زمن “الطوارئ الصحية



[1]– يتعلق الأمر بحكم المحكمة الابتدائية بالصويرة في ملف جنحي تلبسي رقم: 1987/2106/2022 صادر بتاريخ: 04/01/2023.

[2] تنص الفقرة الأولى من الفصل 263 من القانون الجنائي على معاقبة “كل من أهان أحدا من رجال القضاء أو من الموظفين العموميين أو من رؤساء أو رجال القوة العامة أثناء قيامهم بوظائفهم أو بسبب قيامهم بها، بأقوال أو إشارات أو تهديدات أو إرسال أشياء أو وضعها، أو بكتابة أو رسوم غير علنية وذلك بقصد المساس بشرفهم أو بشعورهم أو الاحترام الواجب لسلطتهم…”، كما ينص الفصل 265 من نفس القانون على أن “إهانة الهيئات المنظمة يعاقب عليها طبقا لأحكام الفقرتين الأولى والثالثة من الفصل 263 أعلاه”.

[3] أنظر لمزيد من التفاصيل:

محمد الادريسي العلمي المشيشي : دراسة حول ملاءمة مشروع القانون الجنائي مع المبادئ والقواعد المعتمدة في منظومة حقوق الانسان، إصدارات المجلس الوطني لحقوق الانسان، ص 146.

رأي المجلس الوطني لحقوق الانسان حول مشروع تعديل القانون الجنائي، ديسمبر 2019، ص 61.

انشر المقال



متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أحزاب سياسية ، قرارات قضائية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية