الخطاب الاقتصادي لليسار أو خطاب اليمين المُستَتر: من تبنّي المصطلحات إلى الانصهار في الإطار الليبرالي


2023-05-23    |   

الخطاب الاقتصادي لليسار أو خطاب اليمين المُستَتر: من تبنّي المصطلحات إلى الانصهار في الإطار الليبرالي

كثيرًا ما أجد نفسي في حالة إحراج كبيرة حينَ يدُور أمامي حديث عن “اليسار” وعمّا يَطرحه من برنامج وعن أساليب عمله وتواصله مع النّاس، ثمّ يُوجّه إليّ اللّوم والعِتاب كمُمثل “محلّي” لليسار. أسباب هذا الحرج عديدة؛ أوّلها أنّ من يطرح هذه النوعية من النقاشات قليلاً ما يكونون حقّا ممن ينتمون إلى هذا “اليسار”. ثانيها أنّنا لا نسمع أبدا عن لومٍ لليمين أو أزمة لليمين، رغم أنّ اليمين وسياساته هم الحاكمون الفعليون في هذه البلاد وفي العالم منذ سبعينيات القرن الماضي على الأقل، حتى تحت مسمّيات يسارية خصوصا في انجلترا وألمانيا وفرنسا، وهو مسؤول عن الحالة التي وَصَلهَا الوضع البشري في هذه الفترة. لكن ثالثا وبالخصوص لأنني لا أشعر بالانتماء إلى هذا “اليسار” أو على الأقل لا أتبنّى الخطاب الذي يأتيني بسببه اللوم من أصدقائي: هؤلاء من يتكلّمون ويُسمَعون ويُحسبون على اليسار لا يمثلونني.

عن أيّ “يسار” نتحدّث؟

لا أتحدّث هنا عمّن أبحرُوا دونَ رجعة نحو ضفاف اليمين ويتبنّون اليوم الطرح الليبرالي بكلّ فضاضته. وقد كان “الرافد اليساري” لحزب نداء تونس خير مثال على هؤلاء. أتحدّث هنا عمّا سأسمّيه “يسار العدالة الجبائية”: هو يسار صَبَّ كل همّه في “تحصيل الموارد” من أجل مُعالجة “التوازنات الكبرى للدولة” والتقليص من “عجز الميزانية” و”الحدّ من المديونية” التي “ارتفعت إلى مستويات كبرى”، ذلك التداين الذي “لم يذهب في خانة الاستثمار” ولا في “مشاريع مُنتجة”. ويتمّ إنجاز العدالة الجبائية عبر “الترفيع في الضريبة بالنسبة للشرائح العليا” و”سنّ ضريبة على الثروات الكبرى” و”مُحاربة التهرب الضريبي” و”مقاومة الاقتصاد الموازي” لجًرِّه إلى مربّع الشرعية القانونية. ونكُون بهذا قد عالَجنا “أزمة المالية العمومية” ووَجدنا أخيرا الحلّ النهائي ضدّ التقشف وتفادينا “اللجوء إلى المديونية” [1].

كلّ المفردات الموجودة بين ظفرين في الفقرة السابقة هي مفردات تسلّلت في السنوات الأخيرة إلى معجم اليسار وحتى أكثر مُمثليه راديكالية. وهذه المفردات لَيست الوحيدة، فهناك أيضا طيف واسِع من اليسار وضع لنفسه شعاريْ “مقاومة الفساد” و”محاربة اقتصاد الريع”، وتَطول القائمة إلى ما يُنهكُ النّفسَ حتى في ذكرها. هي مفردات عَوّضت شيئا فشيئا مقولات الصراع الطبقي والاقتصاد التّابع والإصلاح الزراعي ومحاربة الرأسمالية والإمبريالية. بطبيعة الحال، لم يكن المطلوب أن تتواصل تلك المفردات بعينها، فالعلم والمعرفة تطوّرَا وتَغذّى المخزون الاشتراكي الجَماعي بتجارب نضالية عديدة، إلاّ أنَّ يسارنا لم يَستلهم منها لا فكرًا ولا ممارسة.

وَجبَ هنا في البداية رسم حدود هذا اليسار الذي أتحدّث عنه، كي لا أسقط في نفس أخطاء من يأتونني غاضبين ومُندّدين بأفكار هذا وممارسات ذاك، ولو أن المهمّة صعبة بعض الشيء. سألجأ إذن هنا إلى التقسيم الذي قدّمه الكاتب التونسي بكّار غريب في كتابه الذي صدر بداية 2014 تحت عنوان “من أجل إعادة تأسيس اليسار التونسي”.[2] يتحدث الكاتب في الجزء الذي عنونَه بـ “المصالحة بين اليسار والاقتصاد” عن “يسار إيديولوجي” و”يسار سياسي”. بالنسبة إليه، فإن اليسار الإيديولوجي فاقد لكلّ صلة بالواقع ويكتفي إمّا بالتنظير أو المزايدات وليس له أي تأثير فيه. أما اليسار السياسي، فهو اليسار الذي يجب أن يُراهَن عليه بعد الثورة وهو اليسار الذي يَطرح برنامجا جديّا من أجل الحكم والخروج بالبلاد من المأزق. أنا هنا أتحدّث عن هذا اليسار السياسي والذي لم يكتفِ بمكوّناته التقليدية (حركة التجديد التي تحوّلت إلى حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي، الحزب الديمقراطي التقدمي الذي تحوّل إلى الحزب الجمهوري) بل جَلَبَ إليه حتى المكوّنات “المؤَدلجة” وجَمعها في الجبهة الشعبية. لكن اليسار السياسي كَان كَذلك مجالاً مُغريا إلى درجة أن التحقت به أحزاب شاركت في الحكم زمن الترويكا على غرار التيار الديمقراطي (سليل حزب المؤتمر من أجل الجمهورية) والتكتل من أجل العمل والحريات، وصَدَحت بانتمائها إليه بصفتها وسط-يسار أو ديمقراطيين-اجتماعيين. لكن إضافة إلى هؤلاء، فإنّ هذا المجال اتّسع لمن يمكن أن نعبّر عنهم بالـ “يَسار المدني” (إن قبلنا بالتقسيم مجتمع مدني- مجتمع سياسي) أي بعض المنظمات والأفراد التي اشتغلت على موضوع العدالة الجبائية وصارت هي المزوّد الرسمي لليسار السياسي بالأفكار والأرقام والتوجهات والمقترحات.

ليسَ المَجال هنا بأن نقدّم لهم نقدًا أخلاقويا ونُعطيهم دروسا في السياسة الحقة. كان هذا توجّهًا غالبا في تلك الفترة وكانت تجربة المشاركة السّياسية مُغرية، خصوصا بعد النّجاحات الحَاصلة للأطراف اليسارية في أمريكا الجنوبية في الألفينيات، وصُعود حكومات يسارية هنا وهناك في أوروبا وخاصة النجاحات الانتخابية التي حققتها حركتا بوديموس في إسبانيا وسيريزا في اليونان. نحن اليوم نتحدّث من موقع زمني مُتقدّم وفي سياق يُتيح لنا النظر إلى الوراء بنظرة رصينة. لنا فقط أن نَفهم محرّكات ذلك الخطاب ومآلاته لنُعدّل بوصلتنا، وهذا ما يطرح هذا المقال المساهمة به.

“اليسار” زمن عشرية الانتقال ومسارات الانحدار

يمكن القول بأن كتاب “من أجل إعادة تأسيس اليسار التونسي” كان بمثابة المانيفاستو الحقيقي لفترة “الانتقال الديمقراطي” حتى دون عِلم صاحبه أو عِلم الأطراف المكوّنة لذلك اليسار. لقد قال بكلّ وضوح وبساطة ما كانت تُضمره أغلب المكوّنات التي انتمت إلى مجال “اليسار” في العشرية الماضية. ويُمكن أن نُلخّص ما أرَاد الكتاب قوله في فصله المُتلّعق باليَسار والاقتصاد، كالآتي: “آنَ الأوان أن نحكُم… آن الأوان إذن أن نكتسب بعض المشروعية والمُحترميّة في الساحة السّياسية ولدى الإعلام وننزع عنّا صورة الرافضين دائما لأيّ شيء…علَينا أن نقبل بالعالم كما هو لا كما نُريده نحن…علينا أن نَقبل إذن بالعولمة وما تُحتّمه علينا من سياسات… فلنكُن براغماتيين، لا يُمكن للدولة أن تفعل كلّ شيء ويجب علينا تشجيع القطاع الخاص ليقوم بمهامّ التنمية… يجب أن نُدير ظهرنا لليسار الإيديولوجي وننخرط جميعنا في اليسار السّياسي الذي يقبل بخوض غمار المعارك الانتخابية والحوارية الرسمية مع الأطراف الأخرى…لنَجلس معهم على نفس طاولات الحوار ونفتح  أيادينا لقراءة الفاتحة على الأولياء والصالحين”.

يُمكن أن نقرأ مشروع الميزانية البَديلة الذي قدمته الجبهة الشعبية في مارس 2014 [3] في هذا الإطار. كانت تُحرّك الجبهة الشعبية آنذاك رغبة كبيرة في أن تُثبت ذاتها كجسم قادر على الحكم ولا تُعارض فقط من أجل المعارضة، فقدّمت ذلك المشروع. لقد قرأ بكّار غريب اللحظة أحسن قراءة. لقد كان هناك تيّار عميق يشق كل هاته المكوّنات وأغلب مُنظّريه وقياداته في تلك الفترة، يحمل داخله صوتا يقول: علينا الدخول إلى المجال الرسمي للسياسة وافتكاك المواقع ودفع مؤسسات الدولة إلى انتهاج سياسات اجتماعية تخفّف عن المضطهدين والمضطهدات وطأة الحياة. وكان كتاب بكّار غريب خيرَ مُعبّر عن الخطاب الذي تبنّوه وعن السياسة التي اتّبَعها اليسار طيلة عشرية الانتقال.

أمّا اليوم، وبعد إثنتي عشرة سنة من الثورة وثمان سنوات من المنعرج الإنتخابوي المُحتَرمِي الذي أخذه اليسار، علينا أن نقف وقفة تأمّل للخراب الذي لحق خطابه وبرامجه. مشهَدان علِقا في ذهني يعبّران خير تعبير عن ذلك: الأوّل[4] مَشهد الزعيم التاريخي لليسار، حمّة الهمامي، في حصّة تلفزية وهو يُشيد بتحاليل “سي عز الدين سعيدان” الخبير الاقتصادي الليبرالي، مؤكّدا أنه تحدّث معه قبل بداية الحصّة. لم يكتف بذلك، بل تبنّى مقولة الخبير في أنّ الدولة “تطبع العملة لخلاص الأجور، وهو ما سيسبّب في مزيد ارتفاع التضخم”، وهي المقولة المركزية الداعمة لسياسات التقشف[5]. لم تَحصل طباعة العملة في حقيقة الأمر وهَا نحن نَرى اليوم بالكاشف أن أسباب التضخم هي ارتهاننا للسوق العالمية في أساسيّاتنا وافتقادنا لسيادتنا الغذائية والطاقية. تُرى هل يعلم عز الدين سعيدان بأنّه صار من المراجع الفكرية لحزب كان يسمّي نفسه شيوعيا؟

أما المشهد الثاني فهو أقرب إلينا زمنيا وأتانا من لقاء حواري نَظّمَه موقع نواة مؤخرا[6]، لقاء حول موضوع “إفلاس الدولة، فزاعة أم خطر حقيقي؟” -تجدر الإشارة هنا إلى أن ما يقصده واضِعو الحوار بكلمة فزّاعة ليس أن إفلاس الدولة غير ممكن، بل المقصود بها أنه لايزال أمام تونس الفرصة للتدارك وإنقاذ وضعها الإقتصادي والإجتماعي[7]– من بين المدعوّين والمدعوّات لهذا الحوار نَجِدُ لبنى الجريبي، النائبة السابقة في المجلس التأسيسي والدّاعمة لحكومة الترويكا من حزب التكتل من أجل العمل والحريات المحسوب على اليسار والوزيرة السابقة المكلّفة بالـ”مشاريع الكبرى” في حكومة إلياس الفخفاخ. مداخلة الوزيرة السابقة تمّ خلالها إطلاق العنان لزُبدة الخطاب الإيديولوجي الليبرالي: “قرض صُندوق النّقد أنقذنَا ويُعطينا اليوم الفرصة لإنجاز الإصلاحات، هناك نزيف في المالية العمومية” (أي نزيف؟ هل تتحدث عن الأجور أم عن الدعم؟)، “يجب  خلق الثروة عن طريق الإبداع والتجديد من أجل إعادة توزيعها” (وكأننا لسنا الآن في حالة عبودية لدى المستثمر الأجنبي وبلغنا أقصى درجات الإنهاك في أجسادنا وأراضينا من أجل العملة الصعبة[8] وكأننا معزولون عن سياق نهب الجنوب من الشمال[9]، هذَا دون التعمّق في معنى هاته “الثروة” ومن سيستفيد منها؟)، و”يجب الدفاع عن الملكية الفكرية” (بتعلّة “الستارتابس” وباسم “الفنانين والمبدعين”، متناسين أنّ المستفيد الأول من منظومة الملكية الفكرية هي دول الشمال[10]) “يَجب توجيه الدعم إلى مستحقيه” (وهي التعلّة التي تَستعملها السلطة وصندوق النقد لإلغاء الدّعم وتعويضه بمبدأ التحويلات المباشرة لفئة من الناس سنسمّيهم “فقراء”، ونكون بهذا الفعل قد صنعنا لغويّا وسياسيّا فئة “الفقراء” ويتمّ حصرهم فيها إلى الأبد، ومن ناحية أخرى أطلقنا العنان للسوق للتحكم في أساسيّات عيش الناس بظهور حقيقة الأسعار[11]).

إن لم تَكن هذه النماذج المذكورة سلفًا استسلاما نهائيا ومن دون رجعة للغة الاقتصاد اليميني، فما عساه يكون؟ وهكذا نكون قد أغلقنا الدائرة؛ من تبنّي المصطلحات في محاولة منّا لإضفاء شرعيّة على كلامنا وأفكارنا في المجال السياسي الرسمي، أخذَنا التيار إلى الانصهار في الإطار الليبرالي، وهذا تجاهل لأول الدروس التي تُعلّمنا إياها الماركسية: لا يُمكن للفرد وحده أن يقاوم البُنى. إنها مؤسسات تشتغل يوميّا لكي تفرض الهيمنة الفكرية الليبرالية. إنّه خطاب يلُوكُه صباحا مساء الصحفي و”الكرونيكور” والخبير. أرَدتَ التَّموقع بتبنّي نفس المصطلحات فوجدتَ نفسك لا تستطيع تحريك تلك الكلمات إلاّ بنَحوِهم وصرفِهم: في نهاية المطاف، وجدتَ نفسكَ ليس فقط تتحدّث لغتهم، بل كذلك تجترّ أفكارهم.

في محاولة تفكيك شيء من ذلك الخطاب

ليسَ المجال هنا لتقديم خدمة تصحيح لهذا الخطاب “اليساري” إزاء الظاهرة الاقتصادية ونقدِه في جميع جوانبه وإثبات كيف أنّه خطاب يعزّز الهيمنة الليبرالية ولا يخدم في شيء مصالح المُضطَهدَات والمضطَهَدين. هذه المُهمّة عويصة، وعَلَى الأرجح فإنّ التيار القويّ الذي حَملَ هؤلاء إلى مثل ذلك التّمَوقع وذلك الخطاب أعمق من أن يُواجَه فقط بخطاب يُفكّك تلك المقولات. لن نستطيع هنا تناول كلّ الخطاب، لكن سنختار إذن فيما تبقّى جانبا منه يعيننا على إدراك جُلّه. وعليه سيتمّ التركيز فقط على محور “العدالة الجبائية” ونثبت أنه تمظهر مركزيّ لتهافت اليسار في عشرية الانتقال.

من العادي أن نتساءل: ما الإشكال في المطالبة بالعدالة الجبائية ولماذا كل هذا التركيز حولها؟ ببساطة لأنّ جميع العناصر التي تَفصل هذا اليسار عن كونه تنظيمات تَدعو حقّا إلى قلب منظومة الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية تتكثّف في خطاب العدالة الجبائية. هذا الخطاب يبدو في ظاهره منحازًا طبقيا، لكن جميع مآلاته تصبّ في خانة الإبقاء على المنظومة. بداية لأن خطاب العدالة الجبائية صار هو الخطاب الاقتصادي المركزي للجميع، من منظمات المجتمع المدني إلى القيادات السياسية[12]، وكأنّ السياسات الاقتصادية الوحيدة الممكنة هي سياسات الدولة التي تحققها عبر ميزانيتها وتعبئة مواردها. ونسينا إمكانيات وجود سياسات زراعية وصناعية وغاب عنا الصراع الطبقي وغابت عنا المسألة الفلاحية. أن تجمع الدولة مداخيل جبائية أكبر لن يغيّر من البنى الاقتصادية والاجتماعية ولن يمسّ من منظومة الهيمنة. في أحسن الحالات سُيدخل عليها بعض التحسينات الهامشية لا غير. وهنا نرى كذلك أن العدالة الجبائية تحوّلت بقدر قادر من شعار مركزي للحركة العمالية في سياق خوضها للصراع الطبقي إلى مطلب تقني مُحاسباتي بحت أُفرِغ من جوهره الطبقي: طيلة فترة الرئيس بن علي كانت موارد الدولة كافية لإنجاز سياساتها ولم تكن هناك لا مشاكل مديونية ولا عجز في الميزانية، هل يختفي إذن مطلب العدالة الجبائية في سياق مُماثل؟ كذلك في هذا التركيز على العدالة الجبائية وهمٌ بأنها ستكون حلاّ لجميع المشاكل بإجراءات قانونية محلية بحتة، متناسين أن اللاعدالة الجبائية بدأ تَاريخها مع دخول منطق الإصلاحات الذي فرضته الإمبريالية عبر صندوق النقد الدولي. يتناسُون كذلك أن هيكَلة الاقتصاد ككلّ خاضعة اليوم إلى منطق التقسيم العالمي للعمل ونحن مُنخرطون فيه اليوم من أسفل حلقاته. والدولة في كل هذا ليست إلاّ أداة لتيسير حركة مرور العمل والسّلع والتدخل الدائم لإنقاذ الميزان التجاري -المختل هيكليا- عبر الاقتراض الخارجي. هذا اليسار فقد بوصلته الطبقية.

من زاوية أخرى نُسجّل أن خطاب العدالة الجبائية يكرّس منطق “التوازنات العامة” للدولة. حيث أن هذا الخطاب يُعطي الشعور أن موارد الدولة الإضافية الوحيدة الممكنة هي التي تَجنيها عبر الجباية وكذلك أن الدولة لا يمكن أن تنفق إلاّ من الأموال التي تَجمعها عبر الجباية. ومن هنا نستشفّ كذلك الخوف من فزاعة العجز في الميزانية، أي أن اليسار استبطن القاعدة الأخلاقية التي تقول بأنه لا يجب أن يُنفق المرء أكثر من مداخيله. وهو منطق يمكن أن يسري على مستوى الأفراد لكن لا على مستوى الدولة أيضا. تصوّروا إن امتنع الجميع في نفس الوقت عن أي مصاريف جانبية واكتفوا فقط بالأساسيات وادّخروا ما بقي لهم من مداخيلهم: هذه الممارسة الجماعية ستُدخل الاقتصاد برمّته في أزمة وتؤدّي إلى الانهيار الحقيقي! والدولة في هذا السياق هي آخر متدخل يمكن أن يسمح لنفسه بذلك[13]. هنَا يتجلَّى اليسار تابعا فكريّا للقوالب الليبرالية.[14]

الزاوية المعتّمة في هذا التفكير هو أن الدولة لا تنفق فقط من ضرائبها، بل كذلك من خلق العملة الذي يتمّ عبر القروض التي تسديها المنظومة المالية. وهنا يبرز مرة أخرى غياب القراءة التاريخية لهذا اليسار: “التنمية” التي حققتها الدولة التونسية وبلدان الجنوب بصفة عامة تمّت عبر المديونية. نذكر هنا بأنّ الميزانية الأولى للدولة التونسية سنة 1958([15]) جمعت فيها الدولة التونسية موارد ذاتية تقدّر بـ51 مليون دينار بينمَا بلغت مصاريف التسيير في تلك السنة مبلغ 50 مليون دينار: أيّ تنمية يمكن أن تقوم بها دولة بمثل ذلك المبلغ؟

 وهنا يكفي أن ننظر إلى منحنيات الاقتراض الصافي[16] في فترة الستينات، وهي الفترة التي حققت فيها الدولة التونسية أولى خطوات ما سُمّي بالتنمية، وبَنت المدارس والمستشفيات والمؤسسات العمومية وغيرها. كل تلك الاستثمارات لا تأتي بتجميع الموارد الضريبية، بل تأتي من التّداين كشكل من أشكال خلق العملة. وبتقدّم الزمن فإنّ حجم الدولة يكبر عبر الاستثمارات وتكبر كذلك مداخيلها وتصبح المبالغ التي تمّ اقتراضها في السابق هامشية أمام الموارد الذاتية للدولة بعد بضع سنوات[17]. هذا اليسار لا فقط غير حامل لقراءة جدلية في الاقتصاد، بل هو كذلك لا يقرأ التاريخ. 

وهنا نرى زاوية معتّمة أخرى في خطابات العدالة الجبائية. كل ذلك التكرار أخفى عن الأنظار ممكنات السياسات النقدية، هذه السياسات النقدية التي فقدت الدولة السيطرة المباشرة عليها بالمصادقة على القانون الأساسي للبنك المركزي لسنة 2016 والذي يكرّس استقلالية هذه المؤسسة عن القرار السياسي (لكنها ليست استقلالية عن المنظومة المالية). تطوّرت المعارف والتحاليل في مجال الاقتصاد السياسي في هذا الميدان ونشأت “النظرية النقدية الحديثة” تحت أقلام اقتصاديين تمرّدوا على الإطار المعرفي الذي حصرهم فيه “علم الاقتصاد” ففتحوا الأبواب على التاريخ والعلوم الاجتماعية والأنثروبولوجيا. مفاد خلاصاتهم فيما يهمّنا هنا هو أن العملة هي مؤسسة اجتماعية وهي ضرورية لتدور الحياة في شرايين المجتمع. ثانيها أن العملة لا تَخلُق بالضرورة بوجود مقابل مادّي ملموس (ما يعبّر عنه مُجترّو الجُمل الاقتصادية الليبرالية بـ”إنتاج الثروة”) بل كذلك بوجود مقابل اجتماعي لها. أخيرا بالنسبة إلى ما يهمّنا هنا؛ العُملة تاريخيّا هي صَنيعة الدّولة خَلقتها لسدّ احتياجاتها وليست صنيعة “السوق”. أمّا الآن فقد تمّ خوصصَة خلق العملة من المنظومة المالية، بلغة أخرى: لا يُوجد أساس علمي لمنطق الكلفة إن كانت بالعملة المحلية، وإن أرادت الدولة بناء مستشفى عبر طاقات محلية وموادّ أولية محلية وتنتدب إطارات طبية وشبه طبية وموظفين وعملة ليديروا ذلك المستشفى، فلا شيء يمكن أن يَمنعها من ذلك. يمكنها إمّا التداين من البنك المركزي أو من المنظومة البنكية مُراعاة لمشاعر الاقتصاديين الرسميين. هذه ملامح عن الزوايا المعتّمة في خطاب اليسار؛ لأنّه يسار لا يقرأ ولا يطّلع على مستجدات العلوم والمعرفة. هو يسار مثالي [18]خاضع لمؤسسة “الخبراء الاقتصاديين”. وفي كلمة، هو يسار تخلّى عن ماركسيته ومُهيمن عليه ثقافيا من اليمين.

أيّ مصير لهذا اليسار؟

الآن وقد قلنا ما قلنا، من البداهة أن الأسئلة التي يجب أن تُطرح ليست من قبيل “من أين نأتي بالأموال؟” الأسئلة الواجب طرحها هي كيف نفكّ الارتباط بمنظومة الهيمنة الإمبريالية؟ كيف نمرّ إلى مشروع سياسي للسيادة الغذائية؟ وما هو مصير الزراعات التصديرية (القوارص وزيت الزيتون والدقلة) التي تستنزف الأرض والماء؟ ماهو مصير الفلاّحات والفلاحين الذين يعملون في الزراعات التصديرية؟ كيف نَخرج من حالة التعويل شبه المطلق على الاستثمارات الأجنبية والمؤسّسات المُصدّرة كلّيا في توفير الشغل من ناحية وفي تحصيل العملة الصعبة من ناحية أخرى؟ أيّ إعادة توجيه لمنظومتنا التعليمية والجامعية كي لا تكتفي بتكوين مهندسين مصيرهم جميعا العمل بأجور زهيدة لدى المُناولين المحليين للشركات الكبرى أو الهجرة للعمل مباشرة لدى تلك الشركات؟ كيف نُحقق سيادتنا الطاقية دون الارتهان للاستثمارات الأجنبية والخضوع للمشاريع المُسطّرة شمالا ودون الإضرار بأراضي الناس ومجالات عيشهم؟ كيف نبني علاقات مع بلدان الجنوب الأخرى من دون أن تكُون علاقات اجترار للهيمنة الاستعمارية البيضاء ومن دون اجترار مفردات من قبيل “غزو السوق الإفريقية”؟ أي أولويات لجهازنا الإنتاجي وفي أيّ ناحية نوجّهه؟ ماهي الإمكانات المتوفّرة لدينا محلّيا وما الذي يمكن أن نتعاون فيه مع شبيهاتنا من بلدان الجنوب وأيّ منتجات سنكون مجبرين على التوجّه من أجلها نحو بلدان الشمال؟

في كلمة: أيّ حياة مُجتمعيّة نريد؟ لأنّ ما فقدَه هذا اليسار هو التفكير الفعلي في حياة الإنسان لتكون حياة كريمة هانئة آمنة، حياة لا تقتصر على أبعادها الشغلية والاقتصادية. هذا اليسار بقيَ محصورا في مربّع التفكير الاقتصادي الليبرالي، خاضعا لهيمنته الأيديولوجية ويتحرّك فكريا فقط في ذلك المربّع. فقدَ هذا اليسار القدرة على تقديم تصوّرات شاملة ووضع الخطط اللازمة للوصول إلى هذا التصوّر. قد يُقال لنا أنّنا “شموليّون”. سنجيب: انظروا حياة الإنسان اليوم وحياتنا نحن بالخصوص، ألسنا خاضعين وخاضعات لنموذج ليبرالي قوامه الاستهلاك والسوق والعمل صباحا مساء من أجل توفير مرتّبات تسمح لنا بالاقتراض من أجل السيارة أو بعض التجهيزات المنزلية؟ ألسنا مُرغمين على سماع نفس نوعية الإنتاجات الفنية والثقافية والرياضية التي تتخلّلها ومضات إشهارية تُصوّر لنا حياة مُغرية من الترف لن تتحقق أبدا؟ ألسنا مرغمين اليوم على الذهاب جميعنا إلى المساحات الكبرى لاقتناء حاجيات الأسبوع والشهر القادم ونختار بين ماركات حمراء أو زرقاء أو صفراء؟ مَا نسيَه هذا اليسار أن الليبرالية مشروع شمولي، مهما ادّعت إعطاء الفرد حرية الاختيار؛ نعم ستختار يا صديقي، لكن فقط بين سندويتش “مقلوب إسكالوب” و”بيتزا” ذات الأربعة أنواع من الأجبان، ثم تُنزّل صورَها على الانستاغرام وتصبّ جام حزنك وإحباطك بـ”مِيمزَات” على الفايسبوك، وتَشتكي قيام صباح الإثنين للذهاب إلى عمل رتيب رتابة حياتك.   

بعد كل هذا، هل يمكننا فعلا الحديث عن أزمة لليسار؟ في رأيي، هذا القول مجانب للصواب: من تحدّثنا عنه أعلاه هو اليسار الفعلي. أو بالأحرى هو التمظهر الحالي لليسار في شكل يمين مستتر في بلدنا وفي بلدان أخرى، يقدّم نفسه كبديل لليمين الرسمي داخل نفس المنظومة لإدارة الشأن العام، لا لقلب منظومة الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية. نحن نقول: ليبقى ذلك اليسار في مكانه، وهو المكان الذي اختاره لنفسه اليوم، وعلى من يطرحون حقا على أنفسهم قلب المنظومة أن يتمَوقَعوا فوق أو تحت أو “شمال غربي” حلبة الصراع تلك برمّتها. ولنترك هذه الجثّة المُتهالكة المسمّاة يسارًا تندثر في صمت في مربّعها الليبرالي.


[1] La justice fiscale en Tunisie, un vaccin contre l’austérité, Oxfam, 2020.

[2]Gherib Baccar. Pour une refondation de la gauche tunisienne, Diwen éd, 2014.

[3] مشروع بديل لميزانية 2014، الجبهة الشعبية.

[4] حمة الهمامي في حصّة Rendezvousفي 25 جانفي 2022.

[5] وليد بسباس، عندما يسخر المغرور من يده المشلولة: “تحبّو طبعان الفلوس؟” أو سياسات الوصم الساذج في خدمة التقشف، موقع إنحياز، 8 سبتمبر 2021.

[6] نقاشات نواة: إفلاس الدولة، فزاعة أم خطر حقيقي؟ نُشر بتاريخ 23 نوفمبر 2022 على الموقع الرسمي.

[7] مقتطف من كلمة تقديم ميسّر الحوار.

[8] وليد بسباس، عبودية الديون أو الشكل الآخر للإستخراجية: أية قيمة لأي عمل و أية زيادة في أي إنتاج؟ موقع إنحياز، 8 جانفي 2022.

[9] Jason Hickel, Dylan Sullivan & Huzaifa Zoomkawala, Plunder in the postcolonial era: Quantifying the drain from the global south through unequal exchange, 1960-2018. New political economy, 17 April 2019.

[10] محمد ليمام صميدة، عن قيود الملكية الفكرية، موقع إنحياز، 3 جانفي 2020.

[11] أنظر.ي:

[12] مثلا:

[13] أنظر.ي في ما يلي الجزء المخصص للـ”النظرية النقدية الحديثة”.

[14] أو بلغتنا الماركسية هو يسار مثالي.

[15] تقرير البنك المركزي لسنة 1959.

[16] أي الفارق بين مبلغ الاقتراض الذي تقوم به الدولة ومبلغ تسديد الديون.

[17] مثلا، سنة 1963 كان مبلغ الاقتراض الصافي للدولة التونسية حوالي 8 مليون دينار، ما مثل 12% من الموارد الذاتية لتلك السنة. لكن لم يعد يمثل سوى 7%  من الموارد الذاتية لسنة 1968 و3,5% من الموارد الذاتية لسنة 1973.

[18] بالمعنى الماركسي المذكور أعلاه.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية