الحياة الخاصّة للمتقاضين أمام المحاكم الشرعيّة… ملك الجميع


2021-02-17    |   

الحياة الخاصّة للمتقاضين أمام المحاكم الشرعيّة… ملك الجميع
رسم رائد شرف

ترتبط دعاوى الأحوال الشخصية بحقوق تتعلق بحياة الإنسان الخاصة. ومن تسميتها، يتضح أنها قضايا تطرح حقوقا لصيقة بشخص الإنسان وكيانه. ولا يخفى أنه في النزاعات القضائية أمام المحاكم الشرعية، تشتدّ الخلافات في قاعات المحاكم نتيجة حساسية هذه الدعاوى، فيكفي أن تقضي يوما واحدا في إحدى قاعات المحاكم الشرعية لتشاهد إمرأة تبكي أو تشتم زوجها أو تجد رجلا يتهم زوجته بما يمس شرفها أمام العامة، وما شابه ذلك. فكثيرا ما يحصل مشاكل وتشنجات قد تزيد أو تقل من دعوى لأخرى، على قوس المحكمة داخل قاعة ممتلئة بالحضور. ومثل هكذا حوادث متوقعة، فالنزاع انتقل من داخل المنزل الزوجي إلى قوس المحكمة، إضافة إلى الوضع النفسي الداخلي لكل متقاضٍ في هذه الدعاوى الناتج من مشاعر تولدت عن عشرة سنين طويلة قد يصعب السيطرة عليها عند الوقوف في قاعة المحكمة. 

والمبدأ أن المحاكمات علنية ويسمح للجمهور بحضور الجلسات أمام المحاكم الشرعية، والسند القانوني لمبدأ العلنية نجده في المادة 171 من قانون تنظيم القضاء الشرعي الصادر بتاريخ 16/7/1962  التي تنص : “تكون جلسة المحاكمة علنية إلا إذا رأت المحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد المتقاضين أو النيابة العامة إجراءها سرا محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة…”.

أي أنه مبدئيا، كل تفاصيل الدعوى وما تتضمنه من أحوال الزوجين وأسرارهم الخاصة يطرح علنا أمام جموع الناس، من دون مراعاة حق المتقاضين بحفظ أسرارهم الخاصة وحقهم في الخصوصية. 

والخصوصية حق أساسي من حقوق الإنسان، نصت عليه العديد من الصكوك الدولية لحقوق الإنسان وتحتل موقعا  مركزيا في حماية الكرامة البشرية. ويجسد الحق في الخصوصية الإفتراض بأنه يجب أن يتمتّع الأفراد بحيّز من التنمية المستقلة، والتفاعل، والحرية، وبمساحة خاصة مع أو من دون التفاعل مع الآخرين، خالية من التدخل التعسفي للدولة ومن التدخل المفرط وغير المرغوب فيه من قبل أفراد آخرين غير مدعوين.(1) وأقرت حرمة حياة الإنسان الخاصة في المادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، كما في المادة 17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، نصت مقدمة الدستور أن لبنان “عضو مؤسس وعامل في منظمة الأمم المتحدة وملتزم مواثيقها والإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وتجسد الدولة هذه المبادئ في جميع الحقول والمجالات دون إستثناء.” كما أنه صادق على العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية. لذلك أضحت المادتان 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان و17 من العهد الدولي الخاص بالحقوق السياسية والمدنية جزءا من الدستور بموجب مقدمته.

إستثناءات المادة 171 هي المبدأ 

تقضي المادة 171 بمبدأ علنية جلسات المحاكمة بجميع إجراءاتها وتمكين الجمهور من الإطلاع علانية على كل ما يجري أمام المحكمة في مختلف أعمالها وإجراءاتها. من دون مراعاة الوضعية الخاصة للنزاعات المعروضة أمام المحاكم الشرعية والمتعلقة بالأسرة والحياة الخاصة للمتقاضين كالحضانة والتفريق بين الزوجين. وبالعودة إلى الإستثناءات الواردة في المادة 171 وإلتي جاء فيها:  “…اجراءها سرا محافظة على النظام العام أو مراعاة للآداب أو لحرمة الأسرة…”.

بالنسبة للنظام العام، فإن مفهومه يدور حول محور أساسي هو حماية المصلحة العامة التي تعلو على مصلحة الأفراد لأنها تتعلق بالمبادئ الأساسية التي ترعى نظاما اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا اختطه المجتمع لنفسه محافظة على كيانه وحرصا على حسن أداء مؤسساته لوظائفها خدمة للصالح العام وتحقيقا لأهداف سامية تسعى إلى بلوغها.(2) أما بالنسبة للآداب العامة فهي التي تتكون من مجموع المعايير السلوكية المعتمدة في مجتمع وزمن معينين والتي يعتبرها هذا المجتمع أساسية في حفظ أخلاقية أفراده والتزامهم بها في علاقاتهم، بحيث تبقى هذه العلاقات سليمة ومترفعة عما يحط من كرامة الإنسان وسمعته.(3)

ومن خلال قراءة نص المادة 484 من قانون اصول المحاكمات المدنية، وهو نص شبيه للمادة 171 من قانون تنظيم القضاء الشرعي حيث اورد مبدأ علنية المحاكمات المدنية والإستثناءات نفسها أي اجراء الجلسات سرا محافظة على النظام العام أو الآداب أو لحرمة الأسرة، ويمكن تفسير أو فهم الإستثناءات المذكورة في المادة 484 من الأصول المدنية بأنها تجد ميدانا تطبيقيا في قضايا التفريق بين الزوجين أو في جلسات المحاكمة ذات العلاقة في دعوى النسب كدعوى إعلان الأبوة على سبيل المثال. ما يعني أن السرية مبنية على طابع الدعوى ذي العلاقة بالحياة الشخصية الخاصة للمتقاضين بالحقوق الناشئة عن هذه العلاقة أو عن العلاقة الزوجية. من هنا إن السرية مرتبطة إرتباطا وثيقا بالحقوق الشخصية الإنسانية أي الحقوق الملتصقة بشخص الإنسان بحقه الطبيعي في حياته الجسدية والروحية وفي كرامته والتي تشكل “منطقة حرام” لا يطأها إلا أطرافها الشخصيون.(4)

وفي هذا السياق، ألا يشكّل طرح النزاعات الأسرية والأسرار المنزلية مسا بالنظام العام بناء على المبادئ التي ترعى النظام الإجتماعي للمجتمع؟ وألا يعتبر مخالفا للأخلاق والآداب العامة التشهير بالمتقاضي والحط من كرامته وسمعته، وعدم مراعاة حرمة أسرته ومسكنه الذي يودع فيه أسراره بعيدا عن أعين الرقباء؟ ولقد قضي: “إن سرية الجلسات المتعلقة بالأخلاق العامة غرضه عدم التشهير بالمدعى عليهم حرصا على سمعتهم، فإذا لم تراع السرية يكون الضرر قد وقع…”.(5)

إضافة إلى ذلك، فإن علنية المحاكمات الشرعية لا تمسّ خصوصية المتقاضين الماثلين أمام المحكمة فحسب بل تمتدّ إلى الأسرة بأكملها كون الحق في الخصوصية لا يتعلق فقط بحماية الشخص نفسه، وإنما يخص أسرته التي تعتبر أساس الحياة الإجتماعية وعنصرا أساسيا من عناصر حياة الفرد، ومن ثم فإن العلاقات بين الفرد وأفراد أسرته تدخل في نطاق الحياة الخاصة عموما.(6) 

كما ينبغي الإشارة إلى أنه في دعاوى الحضانة عادة ما تستمع المحكمة للطفل المحضون على سبيل المعلومات، وفي هذه الحالة أيضا تبقى الجلسة علنية من دون مراعاة الوضعية الخاصة للقاصر. إلا في حال قرر القاضي إجراءها سرا ولكن لا تنعقد الجلسة سرا بشكل حكمي حتى عند الإستماع لقاصر. مما يرتب ضررا على الطفل سيما وأن المادة 16 من اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989 والتي إنضم إليها لبنان بموجب القانون 20/1990 تنص أنه لا يجوز أن يجري أي تعرض تعسفي أو غير قانوني للطفل في حياته الخاصة أو أسرته أو منزله أو مراسلاته، ولا أي مساس غير قانوني بشرفه وسمعته. 

وبالنتيجة نسأل، أي من الدعاوى الشرعية لا تتعلق بقضايا يتوجب فيها بشكل مباشر أو غير مباشر مراعاة الآداب وحرمة الأسرة؟ إن أي محاكمة علنية في المحاكم الشرعية من شأنها المس بالنظام العام والآداب العامة وحرمة الأسرة، اي أن الإستثناءات الواردة في المادة 171 يتوجب أن تكون هي المبدأ.

بين مبدأ علنية المحاكمة وحق الإنسان بالخصوصية.

مبدأ علانية جلسات المحاكمة يقضي بأن تتم جميع إجراءات المحاكمة بصورة علنية، ويشكل هذا المبدأ ضمانا هاما لإنتظام سير القضاء وتحقيق العدالة. فهو يمكّن الجمهور من الإطلاع على أعمال المحاكم فيحث القضاة على الإعتناء بدرس الدعاوى وعلى إظهار تجردهم ونزاهتهم في تسيير المحاكمة وإصدار الأحكام مما يبعث في نفوس المتقاضين الثقة والإطمئنان(7)، وبالمقابل الحق بالخصوصية من حقوق الإنسان الأساسية ويقضي بإحترام الحياة الخاصة للفرد وحرمة أسرته. فكيف يمكننا الموازنة بين القضيتين ؟ 

عمليا بإمكاننا المحافظة على خصوصية المتقاضي أمام المحاكم الشرعية من دون التضحية كليا بعلنية الجلسات والتي هي إحدى ضمانات المحاكمة العادلة، من خلال فرض إجراء الجلسات سرا عند حضور الخصوم بالذات، وإبقاء الجلسات علنية بحضور وكلائهم القانونيين. أما إبقاء الحال كما هي عليه الآن في المادة 171 من قانون تنظيم القضاء الشرعي يؤدي إلى إنتفاء وعدم مراعاة الحياة الخاصة للمتقاضي.  

وفي جلسات الدعاوى الشرعية، تحدث في عديد الأحيان أحاديث خاصة واتهامات تمس أعراض وكرامات المتقاضين. وفي أحوال أخرى قد لا تطرح أمور تمسّ الشرف والكرامة ولكن الوضع النفسي الداخلي للمتقاضي الذي يقف أمام محكمة يناقش موضوعا يتصل بحياته الخاصة تختلط بمشاعر قد تؤدي بالشخص إلى انفعالات نفسية لا يرغب بإطلاع عموم الناس عليها. وأكثر من ذلك في هذا النوع من الدعاوى، وجود جو من الهدوء في مكتب القاضي الشرعي أو في قاعة المحكمة يعطي القاضي مساحة مريحة أكثر لفصل الدعوى ولعب الدور المطلوب منه. 

 ولإيجاد حل لهذه المسألة، ينبغي تعديل نص المادة 171 وبالإمكان إبقاء المحاكمات علنية عند حضور وكلاء الخصوم، ولكن عند مثول الخصوم بالذات أمام المحكمة ينبغي إجراء الجلسات سرا. ولا يكفي القول أن بإمكان الخصوم طلب إجراء الجلسة سرا، أولا لأن المتقاضي قد لا يعرف حقوقه ويكون في حالة من عدم الوعي لتأثير جو النزاع القضائي عليه، وثانيا إلى حين طلب إجراء الجلسة سرا والموافقة عليه من قبل المحكمة، تكون قد طرحت مواضيع للمناقشة مسّت بكرامة وخصوصية المتقاضين. كما لا يمكن ترك الموضوع لتقدير واجتهاد القاضي فالمطلوب عند حضور الخصوم عقد الجلسات سرا بقوة القانون. 

ختاما، لم يعد من الممكن إبقاء الحال على ما هي عليه في المحاكم الشرعية: فعلنية المحاكمات تنفي الحق في الخصوصية وبالتالي هي مخالفة للمعاهدات الدولية وللدستور. لذلك، تعديل المادة 171 من قانون تنظيم القضاء الشرعي حاجة اجتماعية وقانونية ملحة. ولا يمكن الإستمرار في افتضاح الأسرار الزوجية وعدم مراعاة مصلحة الطفل والأسرة والإنتقاص من كرامة الناس بحجة القانون، فالمطلوب تذليل كل العقبات لتبقى كرامة الإنسان فوق كل إعتبار. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الخصوصية ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، قضاء ، لبنان ، محاكم دينية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات



لتعليقاتكم