الحكومة اللبنانية تقدم تقريرها بشأن التعذيب: صورة خيالية بعد 15 سنة تأخير


2016-05-10    |   

الحكومة اللبنانية تقدم تقريرها بشأن التعذيب: صورة خيالية بعد 15 سنة تأخير

صادق لبنان على إتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة منذ عام 2000. وفقاً للإتفاقية، التزم لبنان البدء بتقديم تقارير عن التدابير التي اتخذها تنفيذاً لتعهداته في غضون سنة واحدة منذ نفاذها[1]. بهذا المعنى، كان على الحكومة اللبنانية أن تتقدم بتقريرها الوطني الأول منذ عام 2001، الأمر الذي لم يحصل الا منذ حوالي الشهر(عام 2016)، أي بعد خمسة عشر عاما من التأخير. وقد خرجت الدولة بتقرير ناهزت صفحاته التسعين، بررت فيه تأخرها في تنفيذ إلتزاماتها، كما عددت فيه إنجازات ادعت تحقيقها. ولكن، إلى أي مدى توخت الدولة الدقة والشفافية في تقريرها؟ وهل تعاملت مع فضائح التعذيب بجدية؟ تحاول المفكرة القانونية هنا تسجيل ملاحظات أولية حول “التقرير الوطني الأولي المقدم أمام لجنة مناهضة التعذيب”إنطلاقاً من آراء خمس جمعيات مدنية ناشطة في مجال التعذيب والتي سبق أن شاركت في إعداد التقري الدوري الشامل لهذه الجهة. وقابلت المفكرة في هذا الإطار كلا من أمين عام جمعية عدل ورحمة زياد عاشور، أمين عام مركز الخيام لتأهيل ضحايا التعذيب محمد صفا، مديرة مركز restart لاعادة تأهيل ضحايا التعذيب في لبنان سوزان جبور، ممثل لبنان لدى منظمة الكرامة سعدالدين شاتيلا، ومدير البرامج في منظمة ألف جورج غالي.

“تخيلات” في التقرير الوطني

انطباع عام إيجابي يتركه التقرير لدى من يطلع عليه. وكأن الدولة المتهمة بالتعذيب الممنهج، تمتلك أدوات محاربة التعذيب حتى قبل الإتفاقية نفسها. ومن مكونات الصورة المجملة التي يعكسها التقرير، إغفال التطرق لهذه التهمة. وهذا ما سنتوسع فيه في مقال ثان نخصصه للأمور التي  لم يتطرق التقرير إليها.

أما بخصوص ما جاء في التقرير، يرى صفا أن التقرير ينطوي على “الكثير من التخيلات”. كما أنه “غير واقعي، فلا يعكس الواقع الفعلي والمأساوي داخل السجون”. على الرغم من حجم التقرير، ” فقط الصفحات الخمس الأخيرة تتناول الأوضاع في السجون على أرض الواقع، أما الباقي فكله تعديل وتجميل”. في الإطار عينه، يجد أمين عام جمعية عدل ورحمة أن “السياق العام للتقرير غير مرتبط بأحداث افتضحت فيها وقائع تعذيب، كما أن الكثير من الأمور التي ذكرها لا تشبه الواقع”. والحال أن هذا الموقف من التقرير يبدو مشتركاً بين كل الجمعيات التي قابلتها المفكرة. على أن البعض يجد أن حالة التجميل هذه متوقعة. تلفت لهذه الناحية جبور الى أن “الدول عند تقديمها لتقريرها تعتبر أن هدفها هو الإيفاء بالتزاماتها وتكون حريصة على هيبتها وسمعتها ونظامها وهي تكتب بخلفية حماية النظام وهيبة الدولة”. بكل الأحوال يبقى هذا التقرير مرآة لكيفية تعامل الدولة مع إلتزاماتها.

الأمن: تبرير السلطة المقصرة

يكرس التقرير الأوضاع الأمنية والسياسية كمبرر لتقصير الدولة في تنفيذ إلتزاماتها. ويبرز هذا السلوك في 3 مواقع مختلفة من التقرير: تبرير التأخر بإعداده، والتأخر في إقرار التشريعات اللازمة لمناهضة التعذيب، بالإضافة الى تبرير إنتهاك “القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء”.
في إطار الفقرة التمهيدية، تدّعي الدولة أن “الظروف السياسية والإقتصادية والإجتماعية والأمنية الإستثنائية التي مر بها لبنان للسنوات الأربع عشرة الماضية” لم تسمح بإعداد التقرير. التسليم بصحة هذا التبرير يعني أن هذه الظروف انتهت، مما أتاح للدولة إنجازه. “مدى امكانية اعتبار تقدريم التقرير اشارة على انتهاء الظرف الإستثنائي”، إشكالية يطرحها غالي في حديثه مع المفكرة. في مطلق الأحوال لا يبدو التبرير الأمني في أساسه مقنعاً بالنسبة اليه. فـ” استخدام حجة الحالة الإستثنائية كوسيلة للهروب، أمر لا يعكس جدية في التعاطي من قبل الدولة، انما يدل على غياب سياسة عامة للتعامل مع حقوق الإنسان”. وهو يدل أيضاً، بالنسبة لعاشور على “إستخفاف، لا سيما أن الظروف الراهنة أصعب منها عام 2001، وقد تم اعداد التقرير على الرغم من ذلك”. أما صفا فيجد أن هذا التقصير مثله مثل “العديد من ملفات الدولة، كالنفايات مثلاً، هو نتيجة لغياب آلية عمل وعدم وجود جهاز متخصص بمتابعة هذه القضية”.

التقرير نفسه، يحسم مسألة عدم جدية حجة الظروف الأمنية. فهو ينفي إنتهاءها في العديد من مفاصله، تارةً لتلميع صورة النظام القائم، وطوراً لتبرير التقصير في باقي إلتزامات الدولة. ويظهر الأمن كأداة تجميل لواقع النظام في فقرة “القوانين التي تقيد الضمانات المكفولة لحجز الحرية”. وفيها تؤكد الدولة اللبنانية على أنه “رغم كون البلاد تمر بظروف أمنية وسياسية إستثنائية… لا يوجد أي نص في القانون اللبناني يجيز أو يسمح لأية سلطة أن تقوم بأي عمل أو ضرب من ضروب التعذيب”.

كما يعود الأمن ليظهر كمبرر لتقصير الدولة بأداء إلتزاماتها على مستوى وضع التشريعات اللامة لمناهضة التعذيب. بهذا المعنى، يعدد التقرير مشاريع القوانين الموجودة في مجلس النواب والتي تنتظر إنتهاء “الأوضاع الأمنية والسياسية” لإقرارها. وأهم هذه المشاريع مشروعي قانون تجريم التعذيب ومعاقبة مرتكبيه، وإنشاء الهيئة الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان التي تتضمن تشكيل لجنة وطنية دائمة مستقلة للوقاية من التعذيب. من هذه الناحية، يعود ممثلو الجمعيات ليؤكدوا من جديد على ملاحظات عديدة حول التعريف الذي إعتمدته الدولة وتورده ضمن تقريرها. فتعريف التعذيب وفقاً لمشروع القانون الذي أحيل الى الهيئة العامة لمجلس النواب لا يتطابق مع التعريف الوارد في الإتفاقية. يقول عاشور أن تعريف القانون تعرض “للتشويه لا سيما لناحية تعداده لمراحل محددة متصلة بالتحقيقات يشملها التعريف، فيما يخرج التعذيب المرتكب في باقي المراحل كما حين يكون الشخص محتجزا يقضي محكوميته من اطار هذه الحماية”.

قوانين بديلة الى حين غير مسمى

الركون الى الحالة الأمنية بين الفينة والأخرى في التقرير، يوحي أن مسألة اقرار القانونين سابقي الذكر معلقة على أجل غير مسمى. ما يزيد الأمر تعقيداً، توسع التقرير في تعداد “الأحكام الدستورية والجنائية والإدارية التي تحظر التعذيب”. بمعنى آخر، توحي الدولة أن عدم اقرارها بالتعذيب كجرم قائم بحد ذاته ويستدعي معاملة خاصة، يجري التعويض عنه من خلال منظومة عامة من القوانين الموجودة أصلاً. هكذا يتحول الإيذاء (544 و558 عقوبات و547 عقوبات)، والتهديد (المادة 573 عقوبات) الى “نصوص جنائية تعاقب على التعذيب الجسدي، والمعنوي” وفقاً للتقرير.
لا يمكن أن يخلو تصنيف الدولة لهذه الأحكام القانونية على أنها بديل قائم وسبيل ممكن لمناهضة التعذيب من الدلالات. ويجد غالي أن هذا الطرح “يدل على غياب مفهوم التعذيب وثقافة مناهضته عن معد التقرير”. ذلك أن العقلية الغالبة عليه “لا تأخذ بعين الإعتبار وضع ضحية التعذيب، ولا مفهوم التعذيب سواء النفسي أو الجسدي”.

في سياق مواز، يوضح عاشور كيف “لا ترقى هذه النصوص القانونية الى خطورة جريمة التعذيب”. فهي أولاً ” نصوص جنحية وتسقط بالتقادم وخلال فترات قليلة، بالتالي يمكن أن يخسر الشخص قدرته على الادعاء بينما لا يزال داخل السجن يؤدي محكوميته أو حتى رهن احتجاز تعسفي”. ما يفاقم إمكانية حسم عدم جدوى هذه النصوص، وفقاً لعاشور، هو الواقع نفسه على مر الأعوام الخمسة عشر الماضية. لا سيما أن الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في جبل لبنان برئاسة القاضي جوزيف غمرون، والذي يستشهد به التقرير، يبقى يتيماً بجديته. فيما يوجد حكم وحيد آخر صدر عام 2013 بالاستناد الى المادة 401 عقوبات، إكتفى بتغريم مرتكب جرم التعذيب.

على الرغم مما تقدم، لا بد من الإعتراف للتقرير بأهمية مفارقاته أو الأصح تناقضاته. فدلالة عدم فائدة المنظومة القانونية التي تحاول الدولة الإختباء خلفها، يعبر عنها التقرير نفسه الذي يصف مدى صعوبة إثبات حصول التعذيب. ذلك أن “دواعي براءة” المشكو منهم في قضايا تعذيب، عادةً ما ترتبط بصعوبة اثبات الضرر النفسي أو الجسدي، بالإضافة الى صعوبة إثبات العلاقة السببية بين فعل التعذيب والضرر الناتج عنه”. وتتكامل مسألة صعوبة الإثبات مع العدد الضئيل للأحكام الصادرة في قضايا تعذيب، والذي عبرت عنه الدولة بـ”عدم وجود إحصاء رسمي” لهذا العدد. لتشكل قرينة لا تحتمل الشك على عدم كفاية النصوص سابقة الذكر.

بالمقابل يجد صفا في حديثه مع المفكرة أن “أهم ما يجب التطرق له في موضوع  مناهضة التعذيب هي الآليات الوقائية، كما التأهيل والتعويض”. كلها شؤون لا تغطيها القوانين التي أفردت لها الدولة مساحة واسعة في التقرير. ولكن “هل لدى الدولة كلام آخر لتقوله؟” تسأل جبور. لتنتهي الى التمني على المشرع أن ” يكون تجريم التعذيب أولوية ومن ضمن تشريع الضرورة”.

يلتزم التقرير منطق من يختبئ خلف عود كبريت. فيسرف أولاً بالكلام عن منظومة قانون العقوبات وأصول محاكمات جزائية أثبتت السنين عدم جداواها بالنسبة لقضية التعذيب. أما الأسوأ فهو لجوء التقرير الى الإختباء خلف الإجتهاد القضائي، ليبرر غياب النص القانوني بالنسبة لإمكانية تسليم أشخاص أو ترحيلهم الى دولة مهددين فيها بالتعذيب. وفقاً للتقرير” طبّق القضاء اللبناني أحكام المادة الثالثة من إتفاقية مناهضة التعذيب في جميع القضايا التي ثبت خلالها أن هناك أسباباً تدعو إلى الإعتقاد أن المدعى عليه سيكون في خطر التعذيب في حال تمت إعادته إلى بلاده… والمديرية العامة للأمن العاملا تقوم بترحيل أي شخص لاجئ إلى بلاده أو مهاجر غير شرعي يعتقد أن هناك خطراً يهدد حياته في حال إعادته إلى بلاده”.
يجد غالي كلام الدولة لهذه الناحية مفاجئاً. يقول “نحن نعلم أنه يتم ترحيل أشخاص على الرغم من وجود أحكام قضائية بعدم ترحيلهم”. بالإضافة الى إمتناع الأجهزة الأمنية عن تنفيذ الأحكام القضائية، ينفي غالي بالمطلق امكانية اعتبار الإجتهاد ركيزة، لا سيما أنه “في غياب النص القانوني لا يمكن محاسبة الأشخاص الذين يقومون بالترحيل عندما يحصل”. يبقى أن الدولة اللبنانية رفضت في اطار توصيات التقرير الدوري الشامل التوصية الرامية الى “اتخاذ التدابير القانونية والإدارية لضمان مبدأ عدم الإعادة القسرية ومعاملة الأشخاص المحتاجين لحماية دولية معاملة منصفة ولائقة”. وهو موقف يسجل على الدولة أمام لجنة مناهضة التعذيب.

الواقع من منظورين: النظام والمجتمع المدني

يصف التقرير واقع السجون وأماكن الإحتجاز على أنها “ليست مثالية”. والحال، أن العديد من الجمعيات التي تزور السجون وتبقى على تواصل مع السجناء تجدها “سيئة”. يعلق عاشور على ادعاء “السلطة أنها تسمح بدخول الأطعمة من قبل ذوي السجناء اليهم”، واصفا إياه بالمجتزأ. يقول عاشور أنه في “سجن رومية المركزي الذي يتواجد فيه نصف سجناء لبنان، يمنع على الأهل إدخال الطعام لذويهم”. ويضيف: “حتى نحن يمنع علينا إدخال أي شيء، الأمر الذي يولّد حصرية لأصحاب الحوانيت داخل السجن، فهي ملزّمة من قبل الدولة لجهات خاصة”. يعزز هذا القول تحقيق خاص أجرته المؤسسة اللبنانية للإرسال منذ فترة وجيزة.

يذكر التقرير كذلك أنه ” تمت إقامة مستشفى ميداني حديث في المبنى (د)”. ولكن الواقع وفقاً لعاشور بعيد كل البعد عن ذلك.  ” كل ما في الأمر إنشاء غرفتين و(شاريو) فيها الحد الأدنى من الاسعافات الاولية”. هذا في رومية أما في المخافر وقصور العدل “الوضع كارثي، هناك أصلاً لا وجود لجهاز طبي”. يسأل في هذا الإطار صفا عن معنى “زيارة الطبيب للسجن مرتين أو 3 كل أسبوعين”. المطلوب أن “يداوم داخل السجن اطباء وأخصائيين نفسيين”. لا سيما أن “داخل السجون هناك أشخاصا مصابين بفيروس نقص المناعة وبالسرطان، يفترض أن يتم نقلهم الى مستشفيات لتلقي الرعاية الصحية بغض النظر عن الجرم الذي ارتكبوه”.

أخيراً عقدة التقرير ليست بعدم دقته أو تحويره للواقع من خلال خلق واقع بديل لا يفي بالغرض. العقدة تبرز عندما تدعي الدولة بوجود إنجازات هي على أرض الواقع أزمات. “وجود مبنى خاص للأشخاص المتهمين بجرائم ذات طابع أمني” واحدة من هذه الأمور التي يلقي الضوء عليها عاشور. فالمبنى الخاص هو جزء لا يتجزأ من سجن رومية، حتى “بات كل السجناء  والموجودين في رومية رهائن لوجود هذا المبنى، وهم يعيشون في ظروف أمنية لا ترتبط بطبيعة جرائمهم، الأمر الذي يؤدي الى تعطيل تواصلهم مع عائلاتهم وصعوبة في إعادة اندماجهم وحتى عرقلة عملنا داخل السجن”. حتى يجوز القول -تصرفاً- بالنسبة لما ورد في التقرير: إن كتبت الدولة في تقريرها الأول شيئاً، فقد غيّبت عنه أشياء. فمالذي لم تقله الدولة في تقريرها؟



[1]– اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللانسانية أو المهينة، مادة 19
انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية