الحكم في قضية الهروب الكبير من سجن وادي النطرون


2013-07-04    |   

الحكم في قضية الهروب الكبير من سجن وادي النطرون

أصدرت محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية في 23 يونيو 2013 حكمها في واقعة هروب سجناء وادي النطرون أثناء أحداث ثورة 25 يناير 2011، مقررة إحالة أوراق الدعوى إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم بصدد الوقائع التي تكشفت خلال الجلسات وعددها سبع عشرة جلسة، كانت أحدها سرية للحفاظ على حياة الشهود.
وترجع أهمية هذه القضية التي حملت رقم 338 لسنة 2012 مستأنف الإسماعيلية إلى شخصيات المتهمين فيها. فقد بدأت بمتهم واحد عاقبته محكمة أول درجة بالحبس مع الشغل ثلاثة أشهر بتهمة الهروب من سجن وادي النطرون يوم 28 يناير 2011. وبمناسبة نظر الطعن على هذا الحكم أمام محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية تبين للمحكمة أن واقعة هروب هذا المتهم مرتبطة بواقعة اقتحام السجون من أشخاص تسببوا في مقتل وإصابة العديد من السجناء، فقررت إعادة القضية للمرافعة لاستكمال التحقيقات.
وعلى مدى سبع عشرة جلسة بدأت في 20 يناير 2013، استمعت المحكمة إلى ستة وعشرين شاهداً، بينهم 4 ضباط من مباحث أمن الدولة (الأمن الوطني حالياً) أدلوا بشهادتهم في جلسة سرية. وضمت هذه القضية خمسة آلاف ورقة احتوت على تحقيقات موسعة، أظهرت وجود متهمين آخرين منهم أربعة متهمين أجانب ينتمون إلى حركة حماس وحزب الله هربوا من السجون المصرية يوم 28 يناير 2011، إضافة إلى 34 متهماً مصرياً من قيادات جماعة الإخوان المسلمين على رأسهم رئيس الجمهورية الحالي ورئيس مجلس الشعب السابق ونائب رئيس حزب الحرية والعدالة وغيرهم كانوا متواجدين داخل سجن وادي النطرون أثناء أحداث ثورة 25 يناير.
وقضت محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية ببراءة المتهم المستأنف في هذه القضية المدعو "السيد عطية محمد عطية"، بعد أن شهد مأمور سجن وادي النطرون بأن المتهم المذكور ليس هو المتهم الحقيقي. كما طالبت المحكمة النيابة العامة بمخاطبة الانتربول الدولي للقبض على المتهمين الأربعة الأجانب وإحضارهم للتحقيق معهم في واقعة اشتراكهم في مخطط الهروب من سجن وادي النطرون، وكذلك التحقيق مع 34 من قيادات الإخوان المسلمين الذين هربوا من السجون، ومنهم الدكتور محمد مرسى العياط رئيس الجمهورية الذي كان محبوساً على ذمة قضية تخابر مع دولة أجنبية.
ومن المؤكد ان إحالة محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية واقعة الهروب من سجن وادى النطرون للنيابة العامة تستند إلى نصوص قانون الإجراءات الجنائية، حيث تنص المادة 414 من هذا القانون على أنه إذا تبين للمحكمة الاستئنافية أن الواقعة جناية …تحكم بعدم الاختصاص وتحيل الدعوى إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم فيها. كما أن المادة 26 من قانون الإجراءات الجنائية توجب على كل من علم من الموظفين العمومين أثناء تأدية عمله أو بسبب تأديته بوقوع جريمة يجوز للنيابة العامة رفع الدعوى عنها بغير شكوى أو طلب أن يبلغ عنها فوراً النيابة العامة أو أقرب مأمور من مأموري الضبط القضائي.
ولما كانت واقعة هروب السجناء من سجن وادي النطرون في الظروف والملابسات التي أحاطت بها تشكل في صحيح القانون جناية، وتبين للمحكمة أن النيابة العامة لم تتخذ إجراءات أو توجه اتهاماً بشأنها أو تحيلها إلى المحكمة المختصة بعد مرور أكثر من عامين على الأحداث، فقد مارست المحكمة واجباتها القانونية وأحالت الواقعة إلى النيابة العامة لاتخاذ ما يلزم فيها من إجراءات طبقاً للدستور والقانون.
 وبصرف النظر عن التعليقات السياسية على هذا الحكم التاريخي لمحكمة جنح مستأنف الإسماعيلية، حيث صرح متحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين أن الجماعة وحزبها سيتقدمان بشكوى ضد رئيس المحكمة، واستنكرت حماس الحكم مقررة أن أدلته " ملفقة " وان الزج باسم الحركة سياسي وليس قضائياً، وصرح أحد أعضاء الهيئة الاستشارية القانونية للرئيس بأنه لا يجوز للنيابة العامة أو المحكمة توجيه تهم للرئيس متهماً القاضي بأنه يسعى " لشو اعلامي" وهو ما يشكل جريمة اهانة القضاء، طالبت قيادات حزبية معارضة الرئيس مرسى بالمثول أمام جهات التحقيق، ورأت وزارة الداخلية في الحكم تبرئة لها من اتهامها بفتح السجون وإطلاق سراح السجناء لإرهاب المواطنين. وفى خضم التعليقات المختلفة على هذا الحكم، يثور التساؤل عما يمكن أن تقوم به النيابة العامة بعد إحالة المحكمة واقعة الهروب من السجن إليها.
وينبغي التفرقة هنا بين الرئيس[1] وغيره:
 بالنسبة لرئيس الجمهورية الحالي تقضى المادة 152 من الدستور بأن يكون اتهام رئيس الجمهورية بارتكاب جناية أو بالخيانة العظمى بناء على طلب موقع من ثلث أعضاء مجلس النواب على الأقل، ولا يصدر قرار الاتهام إلا بأغلبية ثلثي أعضاء المجلس. وبمجرد صدور هذا القرار يوقف رئيس الجمهورية عن عمله، ويعتبر ذلك مانعاً مؤقتاً يحول دون مباشرة رئيس الجهورية لاختصاصاته حتى صدور الحكم.
 ويحاكم رئيس الجمهورية أمام محكمة خاصة برئاسة رئيس مجلس القضاء الاعلى وعضوية أقدم نواب رئيس المحكمة الدستورية العليا ومجلس الدولة وأقدم رئيسين بمحاكم الاستئناف، ويتولى الادعاء أمامها النائب العام. وينظم القانون إجراءات التحقيق والمحاكمة ويحدد العقوبة، وإذا حكم بإدانة الرئيس أعفى من منصبه مع عدم الإخلال بالعقوبات الأخرى.
وتطبيقاً لهذا النص تكون يد النائب العام مغلولة عن البدء في إجراءات التحقيق مع رئيس الجمهورية، للأسباب التالية:
1-أن قرار الاتهام لا يصدر إلا بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب، وهو غير موجود في الوقت الحاضر. وإذا قيل بأن مجلس الشورى يحل محله، فهذا القول مردود عليه بأن مجلس الشورى الحالي لا يتولى من سلطات مجلس النواب سوى سلطة التشريع كاملة دون سلطة اتهام رئيس الجمهورية.
2- بعد تشكيل مجلس النواب، وعلى فرض توافر أغلبية الثلثين من غير أعضاء التيار الاسلامي، وصدور قرار الاتهام، فإن المحكمة الخاصة بمحاكمة رئيس الجمهورية لم تحدد إجراءات المحاكمة أمامها على الرغم من نص الدستور على تشكيلها.
3-أن القانون الذي ينظم إجراءات التحقيق والمحاكمة ويحدد العقوبة لم يصدر بعد، والراجح أنه لن يصدر عن مجلس الشورى الحالى.
4- على فرض صدور القانون الخاص، فإن سلطة النائب العام لن تشمل التحقيق مع رئيس الجمهورية، بل تقتصر على الادعاء أمام المحكمة الخاصة.
أما بالنسبة لأعضاء مجلس الشورى من قيادات الإخوان المسلمين الذين شملهم حكم المحكمة مثل صبحي صالح وعصام العريان، فالراجح أن مجلس الشورى لن يوافق على رفع الحصانة البرلمانية عنهم لإمكان مثولهم أمام النيابة العامة. وما يؤكد ذلك أن مجلس الشورى سبق أن رفض رفع الحصانة البرلمانية عن العضو صبحي صالح القيادي الإخواني للتحقيق معه فيما نسب إليه من إهانة للسلطة القضائية.
أما بافي الأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين الذين شملهم حكم محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية، فيساورنني الشك في أن النائب العام الحالي الذي عينه رئيس الجمهورية سوف يباشر إجراءات التحقيق معهم فيما هو منسـوب إليهم.
لذلك ربما ينبغي الانتظار إلى أجل غير معلوم حتى تستجيب النيابة العامة لقرار محكمة جنح مستأنف الإسماعيلية، لاسيما أن هذا القرار لا يلزم النيابة العامة بتحريك الدعوى الجنائية، لأنه طبقاً لنص المادة الاولى من قانون الإجراءات الجنائية تختص النيابة العامة دون غيرها برفع الدعوى الجنائية ومباشرتها، وهي تتمتع في ذلك بسلطة تقدير ملاءمة رفع الدعوى أو عدم رفعها. وقد يكون الأجل قريباً طبقاً لما سوف تسفر عنه الأحداث بعد يوم 30 يونيو 2013.
                                         


[1] كتب المقال قبل الإطاحة بمحمد مرسي الذي بقي رئيسا للجمهورية المصرية حتى تاريخ 3 يوليو 2013.
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، محاكمة عادلة وتعذيب ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية