الحق في المحاكمة العادلة في الدستور التونسي


2014-02-19    |   

الحق في المحاكمة العادلة في الدستور التونسي

كرّس الفصل 108 من دستور الجمهورية التونسية الحق في محاكمة عادلة بأن نص على أن لكل شخص الحق في محاكمة عادلة، ولم يربط النص الدستوري بين صفة المواطنة والحق في المحاكمة العادلة، بما يبيّن التوجه الى دسترة الحق في المحاكمة العادلة كأحد حقوق الإنسان الأساسية وفقاً لمقتضيات المادة العاشرة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 14 من العهد الدولي لحقوق الإنسان. ويتبين من الاطلاع على فصول الدستور أن واضعيه لم يكتفوا بإرساء الحق في المحاكمة العادلة بل حرصوا على تفصيل مقتضياته من خلال تكريس ضماناته دستورياً، سواء تلك التي تتعلق بإجراءات التتبع والمحاكمة وتنفيذ العقاب، أو تلك التي تتعلق بالحق في المحاكمة أمام محكمة مستقلة.

فقد تم تكريس مبدأ قرينة البراءة بأن نص الفصل 27 من الدستور على "أن كل متهم بريء الى أن تثبت إدانته" وأتى الفصل 29 ليؤكد المبدأ بأن اعتبر الإيقاف والاحتفاظ استثناءً لا يتم اللجوء اليه إلا في حالتي "التلبس بالجرم أو بموجب قرار قضائي" لمدة احتفاظ أو إيقاف يجب أن تكون محددة قانوناً. وهذا النص يفيد منعاً دستورياً لكل أشكال الاعتقال التعسفي بعد توسيع هذا المفهوم ليشمل الإيقاف والاحتفاظ في غير الحالات المحددة حصراً أو لمدة تتجاوز المدة القانونية. وألزم النص الدستوري في مقابل ذلك الجهات الموكول لها تطبيق القانون وممارسة الإيقاف "بالإعلام الفوري لمن يتسلط عليه التتبع بالتهمة المنسوبة اليه وبحقوقه"، مع الإشارة تحديداً الى الحق بإنابة محام للدفاع عنه كحق أساسي للمتهم يضمن طوال إجراءات التتبع والمحاكمة. كما اعتبر الدستور الأجل المعقول للمحاكمة حقاً للمتقاضي بما يعني إلزام الدولة بتوفير مقتضيات المحاكمة السريعة للمتقاضين ورفع مسببات المحاكمات المتسرعة أو التي يطول أمدها دون مبرر يعود للاستقراءات التي توجبها. وفي سياق تكريس إجراءات المحاكمة العادلة، اشترط الدستور أن تكون المحاكمة وفق قانون سابق الوضع إلا في حالة القانون الأرفق بالمتهم. كما منع التعذيب سواء كان مادياً أو معنوياً، ورتّب على حصوله جريمة لا تسقط بمرور الزمن.

أما في ما تعلق بالعقوبة وتنفيذها، فقد كرّس الدستور حقوق السجين بأن نص على أن لكل سجين الحق في "معاملة إنسانية تحفظ كرامته" والحق في التأهيل لإعادة إدماجه في المجتمع بعد انتهاء عقوبته. كما كرّس حقوق ذوي السجين منعاً لتحول تنفيذ العقاب الى عقوبة تنالهم، فاشترط "أن تراعي الدولة في تنفيذ العقوبة السالبة للحرية مصلحة الأسرة".

ومن جهة الحماية المؤسساتية للحق في المحاكمة العادلة، كرّس الدستور بمقتضى الفصل 103 منه واجب الكفاءة والحياد والنزاهة على القاضي ليكون ضمانة لاضطلاعه بدور الحامي للحقوق والحريات الذي أوكله له بمقتضى الفصل 102. كما تولى التنصيص صراحة على "المحاماة كركيزة للمحاكمة العادلة وضمانة لحق المتهم في الدفاع"، فاشترط "أن يتمتع المحامي بالضمانات التي تكفل حمايته وتمكنه من أداء مهامه" بعدما أقرّ له "صفة الشريك في إقامة العدل وحماية الحقوق والحريات". وتطرق الدستور الى حق التقاضي فكرّسه وأردفه بحق الدفاع وألزم في الفصل 102 منه الدولة "بتيسير اللجوء للقضاء وبتوفير العون القضائي لغير القادرين مالياً". ونص على الحق في التقاضي على درجتين كضمانة للمحاكمة العادلة وحرص على شفافية المحاكمة فكرّس علنيتها كمبدأ لا يُحدّ منه إلا في الحالات التي يحددها القانون. كما حجر كل تدخل في عمل القضاء لينتهي لضمان حق المتقاضي في قاضيه الطبيعي بأن منع صراحة بمقتضى الفصل 110 إحداث محاكم استثنائية أو سن إجراءات استثنائية من شأنها المس بقواعد المحاكمة العادلة.

وبالنظر لأهمية استقلالية القضاء كشرط للمحاكمة العادلة، نص الدستور في الفصل 102 منه على استقلالية القضاء كسلطة أوكل لها "إقامة العدل"، كما تعرّض الى استقلالية القاضي فبيّن أن "القاضي مستقل لا سلطان عليه في قضائه لغير القانون". وكرّس التنظيم الدستوري للمجلس الأعلى للقضاء استقلالية السلطة القضائية هيكلياً، فيما كرّست الأحكام الدستورية التي تعلقت بالقضاة ضمانات استقلالية الوظيفية لهم.
فقد انتهى الدستور الى إرساء مجلس أعلى للقضاء يتكوّن في ثلثيه من القضاة أغلبيتهم من المنتخبين والبقية من القضاة المعينين بصفاتهم وثلثه المتبقي من غير القضاة"، كما ضمن له الاستقلال المالي والإداري والحق في التسيير الذاتي، وأسند له الفصل 106 منه مسؤولية "حسن سير القضاء وضمان استقلاليته"، موكلاً له مهمة الإشراف على المسار المهني للقضاة وتأديبهم. ويتمتع المجلس الأعلى للقضاء بصلاحية تسمية القضاة ونقلتهم كما يتم تعيين سامي القضاة بناءً على ترشيح حصري منه من قبل رئيس الجمهورية بعد التشاور مع رئيس الحكومة. وكرّس الدستور مبادئ الاستقلالية الوظيفية للقاضي فدستر بمقتضى الفصل 107 مبدأ عدم نقلة القاضي دون رضاه ونص على عدم قابليته للعزل أو الإعفاء إلا في حالات يحددها القانون ووفق ضماناته وبرأي معلل من المجلس الأعلى للقضاء".

ويبدو من مجمل الأحكام الدستورية المتعلقة بمبادئ المحاكمة العادلة حرص واضعي الدستور على الالتزام بالمواثيق الدولية في المجال، بما يؤكد ما ورد بتوطئة الدستور من التزام "بإنهاء الحيف والظلم" والتمسك "بمبادئ حقوق الإنسان السامية"، غير أن النظر في الأحكام الختامية للدستور كما ضُبطت بالفصلين 143 و144 من الدستور يكشف أن واضعي الدستور خرقوا التزامهم بمبادئ حقوق الإنسان التي كرّسوها قبل أن يتولى غيرهم المس بها. إذ نص الفصل 143 على أن الدولة "تلتزم بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية في جميع مجالاتها وفق التشريع المتعلق بها ولا يقبل في هذا السياق الدفع بعدم رجعية القوانين أو بوجود عفو سابق أو بسابقية اتصال القضاء أو بسقوط الجريمة أو العقوبة بمرور الزمن". وفي الاتجاه نفسه، نص الفصل 144 على "أن المحاكم العسكرية تواصل ممارسة صلاحياتها الموكولة لها طبق القوانين السارية الى حين تنقيحها بما يتماشى وأحكام الفصل 110 من الدستور".  

انتهى الدستور في سياق تعامله مع مخلفات الحقبة الاستبدادية ومعالجة انتهاكات حقوق الإنسان خلالها الى منع تمتع المتهمين بحقهم في المحاكمة أمام قاضيهم الطبيعي بعدما ضمن تواصل المحاكمات العسكرية للمدنيين لتتمكن المحاكم العسكرية من مواصلة النظر في قضايا شهداء الثورة وجرحاها. كما حرم الدستور من يُتهمون باقتراف انتهاكات لحقوق الإنسان بحق التحصن بعدم رجعية القوانين الجزائية وبقرينة اتصال القضاء والقانون الأرفق. وبعيداً عن التبريرات التي تُعطى للموقف الدستوري لجهة أهمية تحقيق الكشف عن حقيقة الانتهاكات ومحاسبة الضالعين فيها ولجهة وضمان انتهاء المحاكمات الجارية بالمحاكم العسكرية من جهة ثانية، إلا أن اعتبار الحق في المحاكمة العادلة من حقوق الإنسان الأساسية يؤدي الى طرح السؤال حول مشروعية خرق حقوق الإنسان من السلطة التأسيسية ولو تمّ ذلك لغايات تبدو مستجيبة لأهداف الشعار الثوري.
 

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، تونس



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية