الحق في الحصول على الحقوق: جدال حول الجنسية في كولومبيا

الحق في الحصول على الحقوق: جدال حول الجنسية في كولومبيا
الصورة من موقع الجزيرة

في سياق التعاون بين منظمتي دجوستيسيا والمفكرة القانونيّة، القائم على تبادل الخبرات والتجارب بين دول الجنوب، تنشر المفكرةعلى موقعها مقالات لكتّاب من دجوستيسيا تمت ترجمتها للغة العربية حول أمور مختلفة، تتناول إشكالات مشتركة (المحرر). 

 

أكثر من عشر منظمات معنيّة بحقوق الإنسان تمثل أمام المحكمة الدستورية مطالبة باعتماد تعريف “الإقامة” الوارد في القانون المدني، على النحو المنصوص عليه في الدستور السياسي والقانون 43/1993

تعتبر الإجراءات التي طوّرها السجل المدني الوطني والكونغرس للاعتراف بجنسية الأطفال المولودين في كولومبيا لأبوين فنزويليين إنجازاً مهمّاً، غير أنّ نطاقها محدود مقارنة بالمعايير الدولية للحدّ من انعدام الجنسية نظراً لطبيعتها الاستثنائية والمؤقّتة.. لذلك، يتعيّن على المحكمة الدستورية أن توضح بشكل عاجل كيفية تفسير هذه المتطلّبات بخصوص الأطفال المولودين لآباء أجانب. 

في 5 آب/أغسطس، أعلنت حكومة كولومبيا أنّها ستمنح الجنسية للأطفال المولودين لأبوين فنزويليين في كولومبيا في الفترة الممتدة من 19 آب/أغسطس 2015 وحتى عامين بعد صدور القرار. وبعد أسبوعين، أقرّ الكونغرس مشروع قانون للأغراض نفسها، مع بعض الاختلافات المتعلقة بتاريخ النّفاذ. لكن، على الرغم من أنّ أثر هذه التدابير ملحوظ وهو إفادة ما يقدّر بـ 24000 طفل، غير أنّ نطاقها محدود بسبب طبيعتها الاستثنائية المؤقتة. 

وفي ظل الأنباء عن هذا التطوّر المهم، جرى تجاهل نقاش أكثر عمقاً يتعلّق بأهميّة الحق في الجنسية، ومتطلّباته في كولومبيا، وما إذا كان قرار السجلّ المدني الوطني وقانون الكونغرس يتماشيان مع هذه المتطلّبات.

وفي البداية، لا بدّ من معرفة أنّ الجنسية هي حق أساسي من حقوق الإنسان يسمح للأفراد بإقامة صلة مع الدولة التي من واجبها أن تحميهم وحقوقهم. تخيّلوا أنكم غير قادرين على الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل: الرعاية الصحية أو التعليم، أو غير مأذون لكم بالعمل أو التصويت أو حتى تسجيل زواجكم أو ولادة أطفالكم. لذلك، فإنّ الجنسية تعتبَر الحق في الحصول على الحقوق. وبالتالي، يعني عدم الحصول على جنسية خطر أن يصبح الشخص عديم الجنسية. وأن تكون عديم الجنسية يعني كأنّك غير منظور.

يشار إلى أنّه يمكن في كولومبيا الحصول على الجنسية إمّا بالولادة أو بالتبنّي بموجب المادة 96 من الدستور السياسي؛ بالولادة إذا كان الأب أو الأم كولومبياً/ة أو إذا كانا أجنبيين وأحدهما كان مقيماً في كولومبيا عند ولادة الطفل. 

وفي حالة الأطفال المولودين في كولومبيا لأبوين أجنبيين، فإن جوهر الأمر يكمن على وجه التحديد في فهم شرط الإقامة، إذ ينص القانون 34/1993 الذي ينظّم الحق في المواطنة، على أنّه في هذه الحالات، فإنّ الشكل الصحيح لتفسير “الإقامة” وارد في القانون المدني، ويتمثّل بالإقامة الفعليّة ونيّة البقاء في كولومبيا. ولا ينصّ الدستور ولا القانون 43 على أنّ “الإقامة” تعادل وضع الهجرة النظامية. 

وقبل الموافقة على لوائح السجل المدني الوطني والكونغرس التي تمنح الجنسية للأطفال المولودين لأبوين فنزويليين بطريقة مؤقتة واستثنائية، ما كان بإمكان هؤلاء الأطفال الحصول على الجنسية الكولومبية لعدم حصول الوالدين على تأشيرة وبالتالي عدم استيفاء شرط “الإقامة”. وعلى الرغم من أن الإجراءات التي طبّقتها الدولة الكولومبية تعترف بأن هؤلاء الأطفال معرّضون لخطر انعدام الجنسية، إلا أنها لا تزال تستند إلى وجوب أن يتمتّع الوالدان الأجنبيان بوضع الهجرة النظامية لاستيفاء متطلّبات الإقامة من أجل حصول أطفالهم المولودين في كولومبيا على الجنسية.

ويعَد هذا التفسير لمتطلّبات الإقامة غير دستوري كونه يضع معياراً أعلى (الحصول على تأشيرة) ممّا هو مطلوب بموجب الدستور السياسي والقانون 43/1993 اللذين يطلبان إقامة فعليّة في كولومبيا ونيّة البقاء في البلاد. وقد ذكر 83.5% من المسجّلين في السجل الإداري للمهاجرين الفنزوليين (RAMV)، رغم عدم تمتّعهم بوضع الهجرة النظامية، أنهم يعتزمون البقاء في كولومبيا، وهو ما يشير إلى استيفائهم لشرط نيّة البقاء في البلاد.

ويبدو أنّ تفسير شرط “إقامة” الوالد بأنّه يتمثّل بالحصول على تأشيرة يقف وراء الطبيعة المؤقتة للتدابير التي طوّرها الكونغرس والحكومة، والتي على أساسها سيجري منح الجنسية للأطفال المولودين في كولومبيا لأبوين فنزويليين فقط بين عامي 2015 و 2021. وهنا يُطرح السؤال عمّا سيحدث للأطفال المولودين خارج هذه التواريخ وللأطفال المهاجرين من جنسيات أخرى. فاستبعاد هذه الحالات سيشكّل تمييزاً ويمكن أن يعرّض هؤلاء الأطفال لخطر انعدام الجنسية. علاوة على ذلك، فإنّ قرار السجل المدني الوطني والقانون الذي اعتمده الكونغرس الآنفي الذكر لم يحلّا مسألة الحاجة إلى إجراء فعّال للاعتراف بوضع عديمي الجنسية، سواء بالنسبة للأشخاص المولودين في كولومبيا أو بالنسبة لأولئك الذين، لأسباب أخرى، يعيشون في البلاد وليس لديهم جنسية.

لذلك، ينبغي إجراء نقاش شامل وعميق بشأن الحق في الجنسية في كولومبيا خارج نطاق القانون والقرار المذكورين أعلاه. 

يشار إلى أنّ المحكمة الدستورية تقوم حالياً بمراجعة قضيتين حول حماية الحقوق الأساسية في هذا الشأن، تتعلقان بصبي وفتاة من أبوين فنزويليين كان لديهما تصريح إقامة خاص (PEP) ولم يُمنح الطفلان الجنسية. ونظراً إلى أنّه بالإمكان حصول جهة الادعاء في هاتين القضيتّين على الجنسية بموجب القرار والقانون المذكورين آنفاً، يتوجّب على المحكمة أن توضح تفسيرها لشرط “الإقامة” بموجب الدستور.

وقد مثُل أكثر من عشر منظمات معنية بحقوق الإنسان أمام المحكمة الدستورية مطالبةً باعتماد تعريف “الإقامة” الوارد في القانون المدني، على النحو المنصوص عليه في الدستور السياسي والقانون 43/1993. وبهذه الطريقة، سيتم تجنيس الأطفال المولودين في كولومبيا لأبوين أجنبيين إذا استوفى الوالدان شرطيْ الإقامة الفعليّة ونية البقاء في البلاد من دون الحاجة إلى تأشيرة. كما ونطلب من المحكمة أن تأمر الهيئات المختصة بوضع إجراءات فعّالة للاعتراف بانعدام الجنسية. ونأمل أن تتفق معنا المحكمة على ضرورة إجراء نقاش أكثر عمقاً حول الحق في الجنسية والحد من حالات انعدام الجنسية في بلدنا.

*باحثتان لدى مركز دراسة القانون والعدالة والمجتمع (ديجوستيسيا- Dejusticia).

انشر المقال

متوفر من خلال:

أميركا الجنوبية ، الجنسية ، تشريعات وقوانين ، حراكات اجتماعية ، دستور وانتخابات ، فئات مهمشة ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، محاكم دستورية ، مساواة ، مقالات



لتعليقاتكم